آخر تحديث:17:59(بيروت)
الأربعاء 18/03/2020
share

نظريات مؤامرة ومصادر "مطلعة"..فرنسا كما لبنان مرهقة بشائعات "كورونا"

حسن مراد | الأربعاء 18/03/2020
شارك المقال :
نظريات مؤامرة ومصادر "مطلعة"..فرنسا كما لبنان مرهقة بشائعات "كورونا"
للمرة الثانية في أقل من أسبوع، توجّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بكلمة متلفزة للفرنسيين معلناً سلسلة جديدة من الإجراءات بهدف احتواء انتشار فيروس كورونا في البلاد. تدابير سعت للحدّ من حركة السكان خلال الأسبوعين المقبلين ووضعها الرئيس الفرنسي في إطار "الحرب الصحية". 

انتظار الشارع الفرنسي للخطابين الرئاسيين صاحبه انتشار للأخبار المضللة لا سيما عبر مجموعات الواتساب. المسألة بلغت مداها يوم الاثنين، والسبب أنه بعد انتهاء الدور الأول من الانتخابات البلدية (الأحد الفائت) وجهت دعوات للإليزيه لتأجيل الدور الثاني على خلفية ازدياد أعداد المصابين. 

وعليه، طغت الكورونا على نتائج الاستحقاق البلدي ما وفر تربة خصبة لانتشار هذا النوع من الأخبار لا سيما تلك المتعلقة بإمكانية فرض حجر صحي على كامل التراب الفرنسي. وتعززت هذه الفرضية بعد تناقل صور وفيديوهات لتحركات عسكرية غير اعتيادية، مصحوبة بهاشتاغ #Confinement (حجز صحي) ما أحال إلى امكانية الاستعانة بالقوات المسلحة لفرض الحجر.   

توقفت الصحافة مليّاً عند هذه الأخبار، ليس بغرض التشكيك في صحتها بقدر ما سعت إلى تفنيد طريقة تناقلها من جهة ومصدرها من جهة أخرى. فالملفت هو القاسم المشترك الذي جمع بين كل تلك الرسائل: طريقة ذكر المصدر. 
كل تلك الرسائل بدأت بعبارة من نوع: نقلاً عن مصدر داخل محافظة الشرطة.. ، أصدقاء والد جان يعملون في مجلس الشيوخ وأخبرونا.. ، والد صديقي الذي تناولت معه الغداء حضر اجتماع خلية الأزمة الذي ترأسه ماكرون و...

أشخاص يتقلدون مناصب رفيعة في مثل هذه المؤسسات، قد يكونون فعلاً مطلعين على كواليس التحضيرات الرامية إلى فرض الحجر الصحي الذي أعلنه ماكرون (حتى لو لم يتلفظ بهذه العبارة مباشرة) وذكره وزير الداخلية كريستوف كاستنير في كلمة تلت خطاب الرئيس الفرنسي. 
لكن السؤال الذي يفرض نفسه، هل الأشخاص المذكورون تربطهم علاقة حقيقية بمُرسلي الرسائل؟ ولماذا إحاطة المصدر بشيء من الغموض؟ 

صحف فرنسية لم تستبعد أن يكون تناقل المعلومات بهذا الأسلوب متعمداً حتى يعلي المُرسِلُ من شأنه، خاصة وأنه لم يكن صعباً توقع فرض هذا الحجر الصحي: فمتابعة مدى تفشي الوباء ورقعة انتشاره كما تصريحات المرجعيات الصحية كافية لاستشراف الاجراءات الرسمية. 

من جانب آخر، تناقل تلك المعلومات تم من طريق الواتساب أي من خلال تطبيق لا يخضع للرقابة ويوفر لأي مستخدم امكانية نشر ما يحلو له أو تعديل ما يقع بين يديه. وما يزيد الطين بلة، أنه غالباً ما تُحَوَلُ هذه الرسائل إلى "المجموعات"، وهو أمرٌ يُسرِّع انتشارها كونها تصل لعدد أكبر من المستخدمين في اللحظة نفسها، ما يعزز فرضية الرغبة بإعلاء الشأن.  

سلوك أثار سخط رواد مواقع التواصل الاجتماعي، أحدهم قرر الامتناع عن استخدام الواتساب بعدما طفح به الكيل من تلقي رسائل "موثوقة المصدر"، تغريدة لاقت تأييداً واسعاً. بالتوازي كان هناك متسع للسخرية: أحد المغردين ادعى أنه سيُطلب من السكان الخروج عراة من منازلهم لتفادي نشر الفيروس، معلومة وصلته عبر شبكة من المعارف تعمد تعقيدها على سبيل التهكم.  

لكن نوعاً آخر من الأخبار المضللة حمل أبعاداً أقل ما يقال عنها أنها خطيرة، بعدما تناولت أعراض الكورونا وطريقة التأكد من الإصابة وسبل العلاج. هذا النوع من المعلومات من شأنه بث مغالطات طبية حول الفيروس ما قد يؤثر في سلامة الفرنسيين، إذا ما أُخذت على محمل الجد، وهو ما وصفته منظمة الصحة العالمية بالـ"المعلومات الموبوءة". 

هذه المعلومات انتشرت بشكل أساسي في المواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية وليس عبر الواتساب. لكن ادارات المواقع تعاملت معها بكثير من الحذر، فتدخلها لفرض رقابة على ما يتم تداوله يعني أنها تلعب دور الطبيب وليس الرقيب، وفقاً لها. فاختارت بذلك حلاً يمكن وصفه بالوسَطي، من خلال العمل على وضع المواقع الموثوقة في الواجهة (منظمة الصحة العالمية، الحكومة الفرنسية، وزارة الصحة الفرنسية ...) لتكون أول ما يقع عليه المستخدم الراغب باجراء بحث عن الكورونا.  

غير أن السلطة الرابعة بدت أكثر حزماً في تصديها لهذا النوع من الأخبار، حيث لم تتردد مواقع إخبارية كما وكالة الصحافة الفرنسية في جمع كل المعلومات المغلوطة والمتداولة بغية تفنيدها على نحو علمي. مواقع أخرى أرشدت زوارها إلى الطريقة الأمثل للتأكد من صحة أي معلومة وكيفية تفادي نشر أخبار مضللة. 

وتضاعف حذر المنصات الرقمية عندما تعلق الأمر بإشاعات تناولت إمكانية إرجاء الانتخابات البلدية حتى قبل حلول موعد الدور الأول، فلم تشأ تلك المنصات أن تُوَجَه إليها تهمة التأثير في مسار الاستحقاق. 

الأمر الوحيد الذي تم التصدي له هي نظريات المؤامرة "الخلاقة" التي انتشرت في عدد من المواقع وأحياناً على شكل تسجيلات صوتية مصحوبة بالتعتيم أيضاً على المصدر. أشهر ما تم تداوله في هذا الصدد تسجيل لشخص يدعي فيه أن الصديقة الحميمة لحماته، والتي تحتل منصباً رفيعاً في معهد باستور (المؤسسة العلمية الذائعة الصيت)، أكدت لهم أن سبب الفيروس هو تسرب بيولوجي مصدره الصين التي كانت بصدد تطوير سلاح جديد استعداداً للحرب العالمية الثالثة. 

إلا أن ذلك لا يعني الاندثار التام للمؤامرة المزعومة: فمن يكتب عن عمد في محرك البحث "كورونا 5G" سيقع بالتأكيد على مواضيع تربط بين الفيروس وهذه التقنية. 
 
ليس بالضرورة أن يتحلى الأفراد بمستوى عال من المسؤولية خلال الأزمات. تناقل الأخبار المضللة هو انعكاس لحالة نفسية عامة لا تنحصر في بلد بعينه. فلبنان لم يكن بدوره في منأى عن تلك المعلومات المغلوطة التي تناولت أعداد المصابين ورقعة الانتشار والاجراءات المنتظرة.

قد يكون القاسم المشترك بين لبنان وفرنسا هو انعدام الثقة في المؤسسات الرسمية. فالشارع الفرنسي يتهم بدوره الحكومة بالتقصير والتأخر في أخذ الموضوع على محمل الجد. التراخي في الاجراءات، وفقاً لما يراه الشارع، يدفع إلى البحث عن المعلومات من مصادر بديلة غير رسمية لكنها قادرة على "شفاء الغليل".
 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها