آخر تحديث:14:00(بيروت)
الأربعاء 18/03/2020
share

كورونا واستبداد الأفكار المجهرية

آية الراوي | الأربعاء 18/03/2020
شارك المقال :
كورونا واستبداد الأفكار المجهرية
صمت، وحالة غريبة من السلام الداخلي أعادتني إلى حرب تموز 2006: في عصر يوم كئيب ومشمس، بعدما اعتدنا على طنين "أم كامل" أو الـMK الحائمة فوق منزلنا في البقاع، سمعنا إنذاراً بغارة جوية. هبط الجميع إلى الطابق السفلي، لا أعرف لماذا، والبعض خرج إلى الحديقة. أما أنا فقررت أن أبقى في المنزل وفكّرت أن أتصّل برفاقي لأودّعهم في حال أصابت قنبلة بيتنا. ومشهد لن أنساه طالما حييت، أمي بكل طمأنينة تقف أمام الغاز وتقلي الكوسى. أسألها ستبقين هنا؟ نظرَت إليّ بكل هدوء وابتسمت… في خضم الأرق والهلع والقلق الذي يجتاحني في آخر ساعات الليل أو عند قراءة الأنباء أو عند مراقبة الناس والشارع والتفكير الدوراني، يأتي هذا الشعور كسحابة عابرة تعيدني إلى لذّة العدمية. تعيدني إلى حالة من الفراغ اللطيف، كالذي ينتابك في أولى لحظات الغطس في الماء، أو لدى التأمل في الشروق إذا استيقظت فجراً من دون إرادتك، أو عند سماع نبأ وفاة شخص عرفته… 

لكلّ منا عاداته وطريقته بالتفاعل مع المصيبة والخوف. الخوف قد يجعلنا نقوم بأمور قد تبدو سخيفة، تعيد تعريف المنطق وتنحّيه عن أي معنى فعلي: منطق إذا لزمتُ المنزل فأنا معرّض للخطر في حال جاء القصف وانهدّ البناء على رأسي. ومنطق آخر يقول إن الخروج إلى حقل مكشوف يعرّضني للإصابة كهدف سهل ومرئي. طبعاً لا أنقل هنا نظريات المناورة العسكرية وإرشادات الأمن الجدية في حالات الحرب، إنما ما سمعته من سكّان قريتنا. فكما يستطيع الإنسان الذهاب بعدم المبالاة والتجاهل في حال تهديد أو خطر محدق، إلى حد الاستهتار والسخرية، كذلك المبالغة في الحذر والتفنّن في الاستجابة الفردية قد تأخذ منحى كوميدياً. ففي أزمة الكورونا مثلاً، هل أن معقّم اليدين إذا غسلت به 15 مرة في اليوم سيقضي على الفيروس المخيف؟ وإذا غسلتها 14 مرة فقط؟ ربما في العملية الرابعة عشرة، قد يخطر لجزيئات الفيروس الذكي أن تحطّ على يدي وتصل إلى أنفي وأتنشقها، وكان بوسعي أن أتجنّب تلك العملية إذا غسلت يدي للمرة الخامسة عشرة! هل أن الفيروس المتشبّث بخيوط البنطلون سيبقى على قيد الحياة بعد الدقيقة الستين أو السبعين، ومن يستطيع أن يحدد ذلك أصلاً؟ أفكار كهذه قد تنتاب الشخص، وقد أجد نفسي فجأة في هذه الدوامة من الأفكار المجهرية، فأشعر أني دخلتُ عالم الفيروس وتعاملتُ معه بمنطقي البشري ووضعت نفسي مكانه وفكّرت عنه، كما لو كان له عقل وقلب ومشاعر وقدرة على القرار؛ قد يكون موجوداً الآن على الطاولة أمامي، أو ربما إذا كنت مصابة به، فها هو سوف يقفز من يدي إلى معدن هذه الملعقة التي أمسك بها والتي ستأكل بها صديقتي التي تسكن معي. البارحة لم أستطع النوم، دارت في رأسي كل سيناريوهات نهاية العالم وأفلام الخيال العلمي ونظريات المؤامرة والنظام العالمي الجديد ما بعد الكوروناـ  ثم عندما نمت حلمت أني أسافر إلى عالم خالٍ من الفيروسات، لكني استيقظت قبل أن أصل إليه.

بعد هذه الليلة الليلاء أستيقظ في الصباح سعيدة، لا أعرف لماذا، ربما عادت وانتابتني حالة الهدوء هذه أمام فرن الغاز وقلي الكوسى، وقد انتقلَت إليّ من والدتي الحبيبة، كنوع من الإرث الروحي للمساعدة على تجاوز المِحن، وقد يكون هذا الشيء من باب الإنكار والرفض أو على العكس من باب الإذعان للأمر الواقع مع شحنة لا بأس بها من الحتمية المُرفقة بطمأنينة المؤمن أو بعدمية الملحد ـ لا أدري. في الحالتين هنا نلجأ إلى آليات حماية مختلفة: الحماية من خلال العزل عن البيئة الخارجية وتجنب الآخر والتعقيم، أي طرد الجسم الدخيل، ونظام الحماية بالانصهار مع البيئة واستقبال الدخيل هذا كجزء من المنظومة الحيوية أو حتى إذا ما اعتبرنا أن هذا الفيروس هو سلاح بيولوجي فتّاك لا مفرّ منه أو كمتمرّد على هذا النظام جاء لينتقم من الرأسمالية وماكينتها. لا نعرف على وجه التحديد أي من الأنظمة أثبت نجاعته حتى لو دلّت الإحصاءات في الوقت الراهن على فعالية الحجر الصحي والتعقيم المطلق كوسيلة لإبطاء العدوى واحتوائها. لكن، هل باستطاعة الأنظمة حشد كل هذه الامكانات الخرافية، كما فعلت الصين مثلاً؟ وهل هي فعلاً مستعدة لذلك حتى لو كانت تتمتع بهذه الإمكانات؟ وهل أن الترحيب بزائرنا هذا هو الحلّ من باب تسريع الكارثة وعملاً بمبدأ التطورية وقاعدة البقاء للأقوى؟ بالإضافة إلى كون ذلك يؤدي حتماً إلى جدل واسع في مجال الأخلاقيات البيولوجية…. الموضوع يتخطى معادلات الصحة والمرض، وخطورة الجائحة وأثرها في الاقتصاد العالمي، حتى أنه يتخطى ثنائية الحياة أو الموت. ربما الأمر يتعلّق، كما قال جورجيو أغامبين، رغم جدلية مقولته، بِسمة السياسة في المجالات الأحيائية (البيوبوليتيك) في القرن العشرين، التي تكمن، ليس في القدرة على الإحياء والإماتة، لكن على الإبقاء، أي إنتاج بقاء قابل للتعديل وبشكل لا محدود إفتراضياً، ما يشكل الأداء الحاسم للسلطة الحيوية biopouvoir في عصرنا. لكن هذا مقال آخر...


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

آية الراوي

آية الراوي

كاتبة لبنانية مقيمة في إسبانيا

مقالات أخرى للكاتب