آخر تحديث:15:51(بيروت)
الخميس 06/02/2020
share

يقولون عنكِ "مهسترة".. وأنتِ حرّة في الشارع

آية الراوي | الخميس 06/02/2020
شارك المقال :
يقولون عنكِ "مهسترة".. وأنتِ حرّة في الشارع امتزجت المطالب السياسية بالمطالب النسوية لإلغاء النظام الأبوي الذكوري (غيتي)
لا يمكن تجاهل الوجود النسائي الكثيف في الحراك الشعبي الذي بدأ خلال السنوات الأخيرة في لبنان وبلغ أوجه في انتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر.


من أول الصور التي تم تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، رفسة سدّدتها إحدى المتظاهرات، لحارس مسلّح في موكب شخصية سياسية. صورة أخرى لفتاة، اكتشفتُ لاحقاً أنها صديقتي صوفيا، تواجه شاباً ملوِّحاً بعصاه خلال إحدى الهجمات على خيم الثوار في الأيام الأولى.

في المواقع الإلكترونية صور نساء حسناوات، متبرّجات، حاملات العلم، صور القُبل أمام نيران الثورة المشتعلة في رياض الصلح، فيديوهات لجدّات يرقصن مع الثوار، لحاجّات لا يخفن من الشتيمة أمام الكاميرا. وبعيداً مما تريد عدسات الإعلام إظهاره، وتحديداً الإعلام الغربي، بما فيه من نزعة استشراقية مازالت عالقة في أجواء الحريم العثماني كما رسمه الفنانون الرُحّل في أسفارهم، ولكن في ديكور حديث وسياق مختلف، وبعيداً أيضاً من رغبة بعض شرائح المجتمع في إظهار الثورة بأبهى حلتها، وإعطاء صورة لبنان المتحرّر المنفتح تحت مباركة المنظمات النسوية الأوروبية ومنظمات المجتمع المدني ذات الصبغة الوصائية، لا يمكن عزل الطابع النسائي والنسوي الناشط عن هذه الانتفاضة.

مسيرات عديدة تصدّرتها النساء: طالبات وأمّهات وعاملات من مختلف الأجيال والمناطق والانتماءات الدينية. وهذه الانتماءات لم تكتسب أي أهمية إلا لأنها تهدف إلى إلغاء ذاتها، كما حصل في مسيرة النساء في الشياح وعين الرمانة، أو مسيرة تباريز-الخندق، التي اقتحمت خطوط التماس بين المناطق في فعلٍ سياسي ثوري لا يجب الإستهانة به ووضعه في خانة الابتذال.

مجموعات نسوية تنضوي تحت رايتها مجموعات حقوق المرأة وحقوق الطفل وحقوق اللاجئات واللاجئين وحقوق العاملات والعمّال الأجانب ومجموعات أخرى ذات طابع أقلي أو مهمّش. هتافات وأغانٍ تصدح في الميغافون، وقاشوشها امرأة. حتى في موجة الاعتقالات لم تتوانَ الأجهزة عن اعتقال الصبايا، وفي بعض الأحيان الاعتداء عليهن، على اعتبارهنّ من مثيرات الشغب أو لمجرّد وجودهنّ في ساحات المواجهة.

تصدّرت الصحافة صور ثائرات مثل سناء الشيخ، وهن في مواقف تُعتبر "خطيرة" أو حكراً على الرجال: اقتحام أسلاك شائكة أو تسلق جدار عازل أو تكسير واجهة مصرف، على نسق ما يحصل أيضاً في العراق، حيث نرى صورة فتاة في "كتيبة مكافحة القنابل المسيّلة للدموع" أو مشهد مسيرة نساء النجف التي اهتزّت لها الأبدان.

امتزجت المطالب السياسية بالمطالب النسوية لإلغاء النظام الأبوي الذكوري، فكان أحد الهتافات الأكثر رواجاً في بيروت، على وزن أغنية ناظم الغزالي: "طالعة نزلت تتظاهر، طالعة عالاعتصام، طالعة بدها حرية، طالعة تسقّط نظام". وفي هتاف آخر، "ظلمت الأم باسم الدين، حرمتها من ولادها سنين، وجاي تحكيني بالفراغ". وأخيراً على سبيل الذكر لا الحصر: "عليهم يا حلوات، هيدي ثورة البنات، عليهم يا نسوية، هيدي ثورة عالأبوية".

في إحدى التظاهرات لفتت انتباهي فتاة ترتدي قميصاً عليه صورة لتحيّة كاريوكا، ويغيب عن ذهن الكثير أن هذه الفنانة كانت أيضاً ناشطة سياسية شرسة، وتغني: "شيك شاك شوك، سكروا البنوك". وتم تنظيم مسيرة ضد التحرش هتفت فيها النساء "لما يقولو روقي شوي أنتِ حرة في الشارع، لما يقولو عنّك مهسترة أنتِ حرة في الشارع"، كما أدّت فيها مجموعة نساء رقصةً جماعية مع كلام يُدين النظام الرأسمالي والذكوري في آن، على غرار ما رأيناه في ثورة تشيلي ولاحقاً في عدة عواصم: "المُغتصب هو أنتَ، هي المصارف، هم القضاة، هي الدولة هو الرئيس، هي السلطة القامعة".

طبعاً لا يمكن تجاهل العامل الديموغرافي لتفسير زخم المشاركة النسائية، لكن هذه المشاركة ذات الطابع العمّالي والطلاّبي والنقابي، استعادت الشارع واستمدت طاقتها من الرغبة في مواجهة القمع الفعلي الممارس بحق الشعب والمرأة اللبنانية من قبل سلطة يديرها الرجال. لم تستورد شعاراتها من "Femen" أو من سيمون دي بوفوار، فلا ننسى أن النهضة النسائية في بلاد الشام بدأت في أوائل القرن العشرين، مع نساء من أمثال عنبرة سلام الخالدي في لبنان، أو هدى الشعراوي في مصر مع ثورة 1919، أو في المغرب العربي بشقّيْها الإسلامي والعلماني، مع توقيع مليكة الفاسية على وثيقة الاستقلال.

وحتى لو شهدت هذه التحركات ذهاباً وإياباً بين الاستغراب والأصالة، فهي تعكس واقعاً تعيشه المرأة في بلادنا ضمن مستويات متفاوتة طبعاً، وتعكس معاناة شريحة لا بأس بها من المجتمع، تلك التي لا تتمتع بأي حماية قانونية. وبكل الأحوال، هي تضفي طابعاً خلاقاً على الحراك الشعبي وتساهم في كسر الصورة المنمّطة للفتاة اللبنانية، بالإضافة إلى إثبات موقع المرأة فكرياً وثقافياً وسياسياً وفي ساحات الثورة كأم أو كإبنة أو كامرأة مجرّدة من أي دور يفرضه عليها المجتمع المحلي أو المهلِّلون لحقوقها في الخارج.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

آية الراوي

آية الراوي

كاتبة لبنانية مقيمة في إسبانيا