آخر تحديث:19:40(بيروت)
الإثنين 24/02/2020
share

جيسيكا عازار تُحاور نفسها

بتول خليل | الإثنين 24/02/2020
شارك المقال :
جيسيكا عازار تُحاور نفسها
بعد غياب عامين عن شاشة قناة "إم تي في"، عادت المذيعة جيسيكا عازار لتطلّ ببرنامج أسبوعي جديد عبر الشاشة نفسها تستضيف من خلاله سيدات رائدات ومتميزات في مجال السياسة والثقافة والفن، ليتحدثن عن إنجازاتهن، أحلامهن، تحدياتهن، شغفهن، والصعوبات التي تخطينها في سبيل تحقيق أهدافهن.


البرنامج الذي يحمل اسم "الأحد منحكي" خصصته عازار لاستضافة النساء حصراً، معلنة في بداية الحلقة الأولى، التي انطلقت مطلع الشهر الجاري، أنها تُحاكي من خلاله "المرأة التي هي ليست مجرد صورة جميلة، بل هي مزيج من الحب والإصرار والثورة على مجتمعٍ همّشها في كثير من الأوقات"، لتضيف أنّ "برنامجها سيكون منبراً ليوصل صوتها، ويجعل العالم يتعرّف إلى موهبتها ومجال تميّزها"، كونها تؤمن بأنّ "المرأة هي شريكة وليست خصماً، بل إنها شريكة بالنجاح بالمعارك وبتحقيق الأحلام".

ورغم أنّ فكرة البرنامج ليست جديدة والتعريف عنه لم يعدنا بتقديم ما هو استثنائي، بدا واضحاً من خلال متابعة الحلقات الثلاث الأولى أنّ عازار لم توفق بإضافة أي لمسة خاصة تجعل برنامجها يتمايز لناحية الشكل والمضمون عن عشرات البرامج والفقرات التلفزيونية المماثلة التي سبق وعرضتها العديد من القنوات العربية، والتي أضحت صيغتها وفكرتها ومضمونها مادة مستهلكة وبالية وفاقدة للجذب والاهتمام، كونها تطرح القضايا والإشكاليات المرتبطة بالمرأة من منظور مثالي بعيد من الواقع وانطلاقاً من عناوين عريضة وفضفاضة، كمسألة "المساواة بين المرأة والرجل" و"دور الرجل في دعم المرأة لتحقيق أحلامها وطموحاتها" و"أهمية الشراكة بين المرأة والرجل لبناء الأوطان" وغيرها الكثير من الكليشيهات.

ومنذ الحلقة الأولى لـ"الأحد منحكي" بدا المضمون بعيداً من العناوين والسياقات التي طرحتها عازار في تعريفها عنه، إذ ليس من المقنع أن تخصص حلقاتها لاستضافة سيدات من الصالونات والبيوت السياسية ليتباهين بإنجازاتهن ويحكين عن العديد من جوانب حياتهن الشخصية، فيما أنهن لم يواجهن معاناة التمييز والتهميش والإساءة التي يمارسها قانون الأحوال الشخصية والمحاكم الدينية والأعراف المجتمعية بحق الشريحة الأكبر من النساء اللبنانيات. إذ كان الأجدى بدلاً من استضافة من باتت أصواتهن مسموعة في مختلف المجالات، تخصيص البرنامج للنساء اللواتي يواجهن ويتحدين حُكم الأب والزوج ورجل الدين والنظام السياسي والتشريعات المجحفة، كي يظهر المضمون منسجماً ومتوافقاً مع العناوين والأهداف المطروحة.

وفيما ساقت عازار البرنامج في مسار مختلف، إلا أنّ السيدات الثلاث اللواتي تمت استضافتهن حتى الآن، وهنّ الفنانة كارول سماحة والنائبة بولا يعقوبيان ووزيرة الإعلام في الحكومة الجديدة منال عبد الصمد، شكلّن هنّ بمجهودهن رافعة الحلقات الاولى، بعدما برزت الهوّة بين مستوى أسئلة عازار والإجابات، حيث أن صياغة الأجوبة والأفكار التي قدمنها، كانت إما تتعارض مع أسئلة عازار أو تنقد النظريات التي طرحتها الأسئلة. إذ كانت عازار في معظم حديثها تعتمد على الفرضيات والعناوين المثالية، في حين أن ضيفاتها كنّ غاية في الواقعية، بل ربما استشعرن أنها غير قادرة على الارتقاء بالحلقة لمستوى يضفي قيمة على الحوار والكلام، ما جعلهن يأخذن الأمر على عاتقهن.

لم يقدّم كلام ضيفات عازار أي جديد عنهن، حيث أن سيرتهن الذاتية ومسيرة إنجازاتهن، بل وحتى فصول حياتهن الشخصية وكواليسها، متاحة في الفضاء الالكتروني ومواقع التواصل لأي مهتم أو متابع، ولا يحتاج الأمر إلى برنامج تلفزيوني كي يتيح الفرصة ليتعرف إليها أو يسمع عنها. وبدلاً من ذلك كان يمكن لعازار أن تصنع مع فريق العمل برنامجاً قائماً على صيغة البورتريه الشخصي، الذي يسمح لضيفاتها الغوص في الحديث عن تجاربهن وكيفية تحقيق إنجازاتهم واستعراض الجوانب الشخصية من منظهورن ورؤيتهن الخاصة، ما يحرر البرنامج من مسؤولية التعميم الذي وقع فيه في صيغته الحالية، وعدم الأخذ بالاعتبار نقطة جوهرية تتمثل باختلاف الظروف والأوضاع والبيئة التي لها التأثير الأكبر الذي يجعل حياة كل امرأة تختلف عن الأخرى.

غياب العفوية والارتجال عن أسئلة عازار، عكس قصورها لناحية القدرة على إدارة حوار حقيقي، تستوقف من خلاله الضيف وتناقشه في أفكاره أو آرائه التي تبدو نافرة أو مستفزة، وهو ما تجلّى في أكثر من محطة، بينها مثلاً ما قالته كارول سماحة عن أنّها تتفهم عدم سماح السلطات اللبنانية لها بإعطاء جنسيتها اللبنانية لطفلتها من أب مصري، أو حين تحدثت وزيرة الإعلام عن عدم اقتناعها بإلغاء وزارة الإعلام في الوقت الحالي، الأمر الذي لم يستوقف عازار التي اكتفت بهزّ رأسها إيجاباً، بانتظار إنهاء ضيفتها الكلام كي تبادرها بالسؤال التالي، الذي لا يتطلب حداً أدنى من الذكاء كي يعرف المشاهد أنه تم تحضيره سلفاً بصرف النظر عن ماهية الإجابة، حتى أنّ عازار طرحت العديد من الأسئلة في الصيغة نفسها في الحلقات الثلاث الأولى، ما جعلها تبدو وكأنها تقوم باستطلاع رأي بدلاً من حوار تلفزيوني تفاعلي.

وكان قد حُكي أن جيسيكا عازار طالبت بعد خسارتها في الانتخابات النيابية قبل عامين، أن تخصص لها إدارة "إم تي في" برنامجاً خاصاً بها، رافضة العودة إلى نشرة الأخبار التي قدمتها لمدة 9 سنوات. وفي حين لم يكن الأمر متاحاً آنذاك لاعتبارات تتعلق بالأزمة المالية، على ما نُقل عن رئيس مجلس إدارة القناة، ميشال المر، إلا أنّ طلبها عاد وتحقق لتعود إلينا ببرنامج يبدو بالدرجة الأولى منبراً لتعويم عازار، التي لم تفوت فرصة خلال الحديث مع ضيفاتها من دون أن تقحم نفسها لتظهر وكأنها تحاور نفسها وتتصرف وكأنها ضيفة يحق لها الاسترسال ودمج رأيها وتجربتها واستعراضه في كلّ شاردة وواردة من مجريات الحديث، ما أوحى بأن البرنامج صبغة دعائية ربما تهدف للترويج لعازار لنفسها، بغية ترشحها لاحقاً للانتخابات النيابية المقبلة، وهو الأمر الذي عبّرت عنه صراحة أكثر من مرة في الحلقات الثلاث، رغم إدعائها بأن هذا الأمر مجرّد مزاح ليس إلا.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها