آخر تحديث:19:13(بيروت)
الأحد 23/02/2020
share

أخلاقيات الثورة وبروتوكول الاحتجاج

آية الراوي | الأحد 23/02/2020
شارك المقال :
أخلاقيات الثورة وبروتوكول الاحتجاج
ليس غريباً عن واقع المجتمع اللبناني ازدواجية المعايير في المؤسسات التي تنصب نفسها حامية للعقائد والنواميس، وعبارات التأنيب والتعييب مثل ما جاء على لسان بعض القادة من شجب أبوي النبرة، شهدناه بكثرة بعد اندلاع الانتفاضة الشعبية، من قبيل: عيب الشتيمة!

الثوّار مخرّبون ومثيرون للشغب، الثوار متفلّتون أخلاقياً، قطّاع طرق، يكسّرون واجهات المصارف، هم يحرّضون على البذاءة، حتى صدر بيان يدّعي أن بعضهم قام بتدمير "إرث ثقافي وطني"! هي تفاصيل يتذرّع فيها السياسيون لإدانة الشعب وتصرفاته بجريمة لم يرتكبها.

يحملون راية الفضيلة والأدب، حالهم حال السارق إذا ما دخل خلسةً إلى منزل ووجد صاحبه عارياً من ملابسه فيوبّخه لأنه قليل الحياء! يبعث كل ذلك على التفكير بالمفارقة التي تميّز بها اللغات اللاتينية بمفهومَي morale et éthique ، وفي العربية تختلف الترجمة بين أخلاقيات وآداب وأخلاق، وربما لا تكرّس من الناحية اللغوية والديونتولوجيّة هذا التمييز كما في اللغة الفرنسية مثلاً.

هذه المقاربة، وتحديداً في سياقها الفلسفي المعاصر، تميل غالباً إلى اعتبار الأولى ثابتة ومطلقة لكونها دعامة نظام وقانون تقرّره فئة معيّنة، أو عرف ساد عبر الأزمان، كوني الطابع، بينما تعطي للثانية ليونةً ما بصفتها متحوّلة وتخضع لمبدأ النسبية والجدلية والخصوصية، وقد تكون حتى في أصل الأولى.

لطالما انحرفت الأخلاقيات عن مهمتها التصويبية الإنسانية للمجتمعات وأصبحت في ظل قانون الغابة ورقة يستعملها الظالمون وأصحاب السلطة، أولاً لتغذية الشعور بالذنب المتجذر في النفس البشرية، ظناً منهم أن ذلك سوف يعيد المواطن الحاقد إلى نوع من الألفة والخنوع، وثانياً لصرف النظر عن الجرائم الفعلية التي ترتكبها فئات بحق الشعب من سرقة وكذب وقتل واشتهاء مُلك الغير وعدم وفاء بالعهود وحلفان باسم الإله بالباطل وتأليه غير صوره، أي باختصار الرذائل العشرة مجموعةً!

وعبر القمع ومنصات الإعلام، يتم تحويل هذه الرذائل إلى القاعدة الأخلاقية الجديدة، أما كل من يمسّ بها وبغطائها المقدّس هو آثم يستحق العقاب.

هنا يتحوّل الشر المُمارس من قبل السلطة إلى خير معمّم عملاً بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة، وتطبيعاً لواقع ألفناه في العقود الأخيرة ويخدم مصلحة القلة، وعليه يجب أن تتسلّح هذه القلة بأسلحتها، وتغيّر منحى السعي الأخلاقي الأصيل، والدوس على الحق في خدمة الأدب والبروتوكول، دفاعاً عن كينونة تم اكتشاف هشاشتها الفكرية وأصبحت عرضة للانتقاد وشهدت انكساراً لقدسيتها وضعضعة لمصداقيتها.

ويبدو أن ليس للسلطة ما تعيبه على الفئات الشعبية المنتفضة إلا سلوكياتها، وهي ذريعة أقل ما يقال عنها أنها واهنة بالمقارنة مع المستويات المتراكمة من الفداحة التي أدت إلى نوع من انفجار الوعي لدى الناس وفضحها جملةً وتفسيراً.

قد تبدو ازدواجية التعييب "باروديا"، ولكنها للأسف حقيقة: بإمكان حارسي الشخصي رميك بالرصاص لأنك قطعت الطريق على موكبي، أو اقتلاع عينك لأنك مشاغب تسير في المظاهرات. أستطيع أن أحرمك من أبسط حقوقك الأساسية ولكنك إذا شتمتني فأنت بلا أدب أو تابع أو خائن، ويجب أن تغض النظر عن كل الفساد لأن الزعيم هو حاميك ولأنه داهية في السياسة؛ أستطيع اعتقالك وتعذيبك بالضرب لأنك محرِّض على الانقلاب أو لمجرّد حيازتك معلومات "خطيرة"...

في الانتفاضة الشعبية شهدنا حالة تعاضد ومسؤولية مدنية كبيرة تمثّلت في مبادرات عديدة، منها التطوّع للطبخ في الساحات وتقديم الطعام مجاناً، وإعادة التدوير ولمّ النفايات على مدى أشهرـ ما عجزت عن القيام به الدولة خلال سنوات، مبادرة "حبق" في الشمال للزراعة المستدامة الايكولوجية، التعاضد بين الأفراد خلال الاعتقالات والتظاهرات، تجنّب الفتن الطائفية كرد عكسي على ما تريد بعض الجهات دسّه بين فئات المجتمع…

الشعب اللبناني تعلّم الكثير من تجربته الأليمة، وباستثناء بعض الحالات الناتجة عن حقد متراكم جرّاء الحرمان والقمع، لم تشهد الانتفاضة حالات تُذكر من الافتراء المجاني أو عدم احترام الآخر، بينما يثابر بعض أفراد السلطة والعاملين تحت أمرتها على ممارسات لا أخلاقية من ضرب واعتداء، وفي الوقت نفسه يشهرون سلاح الأخلاق في وجه من يدافع عن كرامته، لتحميل الذنب على كاهل كل من تجرّأ على تكسير أصنام السلطة، وكأنها بذلك تقول للمواطن والمواطنة: نحن يحقّ لنا أن نكون لاأخلاقيين، أما أنت فلا!


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

آية الراوي

آية الراوي

كاتبة لبنانية مقيمة في إسبانيا