آخر تحديث:14:46(بيروت)
الأربعاء 12/02/2020
share

السينما تنحني أمام الألعاب الإلكترونية.. ودَور الأدب آتٍ!

وليد بركسية | الأربعاء 12/02/2020
شارك المقال :
السينما تنحني أمام الألعاب الإلكترونية.. ودَور الأدب آتٍ! تنتج "نتفليكس" مسلسل "ذا ويتشر" المؤسس على لعبة الكترونية
لم يعد خافياً أن صناعة السينما العالمية تتراجع تدريجياً لصالح صناعات أخرى أكثر رواجاً في الوقت الحالي ضمن عالم الترفيه الذي يشهد تنافساً حاداً بين أنماط الترفيه نفسها، وليس فقط بين الإنتاجات ضمن كل قطاع على حدة، ما يعكس تغيراً في المزاج العام المرتبط بدوره بأرقام المشاهدات ونوعية الإنتاجات ودورة الإعلانات التي تساهم بدورها بجزء كبير من الإيرادات التي ترفد الصناعات الترفيهية بالموارد للاستمرار والإنتاج ضمن دائرة مغلقة تقريباً.

ولعل الانخفاض المستمر في أرقام مشاهدي حفلة جوائز "أوسكار"، أكبر الجوائز السينمائية في العالم، يعطي لمحة عن تدهور عام في الصناعة السينمائية. فحفلة جوائز "أوسكار" الأخيرة، الاثنين الماضي، سجلت أسوأ نسبة مشاهدة في التاريخ، مع 23,6 مليون مشاهد بانخفاض بنسبة 20% مقارنة بالعام الماضي حسب بيانات شركة "نيلسن" للإحصائيات. علماً أن الانحدار بدأ العام 2014 عندما وصلت ذروة عدد المشاهدين إلى 43 مليون متابع، في الحفلة التي قدمتها حينها نجمة البرامج الحوارية إيلين ديجينيرس.

ولا ينبغي هنا مقارنة أرقام مشاهدات حفلة "الأوسكار" بمشاهدات حفلات لجوائز مماثلة لصناعات الترفيه الأكثر "كلاسيكية". فحفلة "غولدن غلوب" الأخيرة، سجلت انخفاضاً في أعداد متابعيها بنسبة 2% مسجلة 18.3 مليون مشاهدة، أما حفلة جوائز "غرامي" الموسيقية فسجلت انخفاضاً في أعداد متابعيها بنسبة 6% مسجلة 18.7 مليون مشاهدة. ورغم أن العصر الحالي يوصف بالعصر الذهبي للتفزيون، سجلت حفلة جوائز "إيمي" التلفزيونية في الخريف الماضي أدنى أرقام مشاهدة على الإطلاق عند 6.9 مليون مشاهد فقط بانخفاض نسبته 33% عن العام الماضي.

ما يجب النظر إليه، هو الأرقام المتصاعدة التي تسجلها صناعة الألعاب الإلكترونية، التي تسجل ارتفاعاً مذهلاً في إيراداتها وإنتاجاتها لدرجة باتت معها اليوم "صناعة الترفيه الأولى". وسجلة حفل جوائز "Games Awards" في كانون الأول/ديسمبر الماضي أعلى نسبة مشاهدة لها في التاريخ، حيث تابعها 45.2 مليون مشاهد، مقابل 26.2 مليون متابع العام 2018، علماً أن الجائزة الناشئة انطلقت العام 2014 فقط.

ويغفل كثير من التحليلات ذات الصلة، عقد هذه المقارنة، حيث يرجع كثير من النقاد أسباب تراجع الاهتمام بجوائز السينما والتلفزيون والموسيقى، إلى طول مدة تلك الحفلات والتكرار فيها، لكن التغييرات التي طرأت على تلك الحفلات من أجل جذب الجمهور، فشلت في تحقيق الأثر المطلوب، بما في ذلك قرار "أوسكار" هذه العام تكرار تجربتها العام الماضي، بالاستغناء عن مقدم واحد للحفل والاستعانة بالنجوم لتقديم بعضهم البعض. وحتى الاستعانة بالأسماء الكبيرة من صناعات أخرى أتت باهتة. فكتبت صحيفة "واشنطن بوست" على سبيل المثال أن العروض الموسيقية بين راندي نيومان وإلتون جون، خلال حفلة "أوسكار" الأخيرة كانت مشابهة لكل سهرات الأوسكار على مدى ثلاثة عقود، فيما وصف نقاد آخرون المشهد بالفوضوي والأشبه بسيرك خرج عن السيطرة.

ولم تسمح التطورات التكنولوجية المتسارعة بتجريد السينما من تفوقها الفني والثقافي السابق على التلفزيون باعتباره "قمامة فنية"، أو تغيير عادات المشاهدة بتفضيل المشاهدة المنزلية، بل أعطت دفعة لصناعة الألعاب الإلكترونية التي لم تعد صناعة مرتبطة بجمهور من الـ"Geeks" والـ"Nerds" والمراهقين، وإنما باتت صناعة متكاملة تقدم منتجاتها لطَيف واسع من الجمهور، قدرت أعداده العام 2018 بنحو 2.3 مليار لاعب، بما في ذلك الجمهور العائلي، وهو ما يبرز في منتجات شركة "نينتيندو" اليابانية على سبيل المثال التي صرح أحد أبرز منتجيها، شيغيرو مياماتو، مؤخراً، بأن أحد أهداف الشركة هو جعل شخصيتها الرئيسية "سوبر ماريو" أشهر من "ميكي ماوس"، أبرز شخصيات شركة "ديزني" العملاقة.

ولا يلخص هذا التنافس الرمزي بين الشخصيتين المحبوبتين، الصراع الحالي ضمن صناعات الترفيه فحسب، بل يعكس أيضاً مدى التداخل بينها. فشخصيات الألعاب الإلكترونية تنتقل إلى شاشات السينما والعكس. ولعل سلسلة ألعاب "بوكيمون" أفضل مثال على هذا التداخل، حيث تتفرع عن سلسلة الألعاب، سلاسل موازية من الأفلام السينمائية وسلسلة "أنمي" الأيقونية وسلسلة "مانغا" وعشرات المنتجات الأخرى التي جعلت من "بوكيمون" أكبر وأنجح علامة تجارية ضمن صناعة الترفيه عبر التاريخ، علماً أن "بوكيمون" ستعرض فيلمها المقبل عبر منصة "نتفليكس" بدلاً من التوجه إلى دور السينما.

ولعل أحدث مثال على تأثير صناعة الألعاب الإلكترونية الحالي، هو تطوير "نتفليكس" أيضاً لسلسلة تلفزيونية مقتبسة عن لعبة "ذا ويتشر" التي حققت نجاحاً مبهراً في جزئها الثالث تحديداً، والصادر العام 2015. وربما تكون هذه اللعبة بالتحديد مثالية لتوضيح التطورات التكنولوجية التي حصلت ودفعت بصناعة الألعاب الإلكترونية إلى القمة. فمقارنة بأجزائها السابقة، قدمت اللعبة عالماً مفتوحاً يمكن للاعبين القيام فيه بما يشاؤون بحرية مطلقة، ويتطور هذا النمط منذ العام 2014، وبلغ ذروته في لعبة "ذا ليجند أوف زيلدا: بريث أوف ذا وايلد" العام 2017.

ويعطي مزيج العالم المفتوح مع الإبهار البصري ونمط "لعب الأدوار" (RPG) بتقديم تجربة شخصية فريدة لكل لاعب على حدة، بشكل لا يتوافر في المنتجات المنافسة الموجودة في السينما أو المسلسلات التلفزيونية. كما أن التطور التكنولوجي والنقاشات المرتبطة بالصواب السياسي والحريات وتكريس ثقافة الاختلاف وحوار الهويات الطارئ على المجتمعات المعاصرة، كلها ساهم في تحويل معظم البشر إلى "Geeks" و"Nerds" بشكل أو بآخر حسب وصف "نيويورك تايمز" العام 2014، أو على الأقل ساهمت في تحويل المصطلحين السابقين إلى مفاهيم مقبولة بدلاً من كونها عبارات أقرب للشتائم، وساهم في تقديم هذه الثقافة ضمن عالم صناعة "البوب".

ولم يعد الانخرط في الألعاب الإلكترونية مرادفاً للعزلة الاجتماعية، بل تدفع منصات مثل "يوتيوب" و"تويتش" نحو تبني نمط الإنتاج القائم على ممارسة الألعاب الإلكترونية ومشاركة التجربة مع الآخرين عبر الإنترنت. ولا يسهم ذلك في الترويج للألعاب فقط أو خلق مهن جديدة من منظور اقتصادي، بل يساهم في خلق حوارات افتراضية مختلفة أيضاً، وباتت تلك المنصات تكسر النمطية حول كون جمهور الألعاب الألكترونية هم من "الذكور البيض المراهقين والمنعزلين"، وبات يمكن متابعة آلاف صانعي المحتوى بغض النظر عن لونهم وجندرهم وميولهم الجنسية.

وترفع الشركات الكبرى شعارات مثل "Nerd is the new cool/normal" لاجتذاب هذه الفئات الأوسع من الجمهور، بما في ذلك صناعة السينما التقليدية، حيث تضاعف عدد الأفلام المقتبسة عن مجلات الكوميكس بعد العام 2010 حوالي 12 مرة عما كان عليه في العام 1980، كما ارتفعت الإيرادات من هذا النوع من الأفلام بشكل خيالي من أقل من 400 مليون دولار لكافة الإنتاجات في أعوام الثمانينيات، إلى 1600 مليون دولار العام 2013 وحده!

والحال أن الميزانيات الضخمة المخصصة لأفلام الأبطال الخارقين، قلصت ميزانية إنتاجات الأفلام الأخرى، وساهمت في تخلي شركات الإنتاج عن التعاقد مع كبار النجوم في أعمال مشتركة، كما ساهمت في التخلي عن كثير من المشاريع التي تبنتها شركتها التلفزيون في وقت لاحق بصورة مسلسلات ضاربة، مثل سلسلة "مستر روبوت" الشهيرة التي كان من المقرر صناعتها كفيلم سينمائي في البداية. كما أدى ذلك لتقليص ميزانية شراء حقوق الملكية الفكرية للقصص الحقيقية والروايات والقصص الأدبية التي لم تكن شركات التلفزيون قادرة على شرائها في فترة احتكارية السينما السابقة لها.


(زيلدا)

كل هذه التغييرات الميدياوية التي حصلت في فترة زمنية قصيرة، تحيل إلى نقاشات ثقافية، فحتى الأدب التقليدي بات مهدداً بفقدان مكانته، كمكان يحتكر توليد الحكايات والقصص الأرفع شأناً. لأن شركات الألعاب الإلكترونية، باتت تهدف لخلق سلاسل ألعاب قادرة على الصمود عبر الزمن، وخلق "فضاء" لشخصياتها، وعليه فإنها تقوم بتوظيف كتذاب متخصصين لسرد الحكايات عبرها. وإن كانت الحكايات ضمن كل لعبة، في حد ذاتها، في الوقت الحالي، أقل من مستوى الحكايات في الروايات المكتوبة، فإن سلاسل الألعاب المستمرة منذ الثمانينيات مثل "زيلدا" تقدم بجمعها حكايات ملحمية. كما أن شركات الألعاب الكبرى تطرح كتباً لنصوص حكاياتها. ويمتلئ الإنترنت بأدب المعجبين حول شخصيات ألعابهم المفضلة، ما يخلق دينامية ثقافية جديدة بدوره.

يتعزز كل ذلك بالأرقام، حيث تشير إحصائيات نشرتها وسائل إعلام متخصصة في الألعاب الإلكترونية ووكالات أنباء عالمية، إلى أن سوق ألعاب الفيديو باتت أكبر من صناعتي الأفلام والموسيقى مجتمعتين. وتقدر إيرادات شركات الألعاب الإلكترونية العالمية للعام 2019 بحوالي 152.1 مليار دولار أميركي، في مقابل نحو 41.7 مليار دولار أميركي في شباك التذاكر العالمي الخاص بالسينما، أما إيرادات الموسيقى عالمياً فبلغت 19.1 مليار دولار أميركي العام 2018.

وإن كانت هذه الأرقام تستند إلى انتشار الهواتف الذكية وسهولة الحصول على منصات الألعاب المتقدمة من شركات "سوني" و"مايكروسوفت" و"نينتيندو"، فإنها قد تتطور بشكل متسارع في العقد الجديد، مع التحول التدريجي نحو الـ"Streaming" عبر منصة "غوغل ستاديا" التي تعيد تشكيل عالم الألعاب الإلكترونية بنفس الطريقة التي غيرت بها "نتفليكس" سوق الإنتاج التلفزيوني إلى الأبد.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها