آخر تحديث:23:55(بيروت)
الثلاثاء 29/12/2020
share

مآخذ على حاتم علي..إمكانات محدودة واجتهاد في بيئة رديئة!

وليد بركسية | الثلاثاء 29/12/2020
شارك المقال :
مآخذ على حاتم علي..إمكانات محدودة واجتهاد في بيئة رديئة!
لم تمض ساعات على وفاة المخرج السوري حاتم علي، حتى تحول في مواقع التواصل الاجتماعي إلى أسطورة ينبغي تقديسها، رغم أن الرجل كان غائباً منذ سنوات وأعماله منذ العام 2014 عندما قدم مسلسل "قلم حمرة" لم تترك أثراً يذكر. وإن كان من الطبيعي أن يحزن الجمهور عند وفاة المشاهير والشخصيات العامة، إلا أن المبالغة في استجرار العواطف تبقى أمراً مستفزاً، خصوصاً إن امتدت نحو تحوير للتاريخ وتجميل للواقع، مثلما هو الحال في سوريا.


وفيما يرتبط اسم علي الذي توفي في القاهرة إثر نوبة قلبية عن 58 عاماً، في ذاكرة السوريين بمجموعة من الأعمال الاجتماعية، تحديداً مسلسلي "أحلام كبيرة" (2004) و"الفصول الأربعة" بجزئيه (1999،2002)، بالإضافة لمجموعة من المسلسلات التاريخية لعل أبرزها قصة "الزير سالم" (2000)، فإن تلك الأعمال نفسها التي يروج لها على أنها نتاج المرحلة الذهبية من عمر الدراما السورية، تستحق التوقف عندها من ناحية تقنية حتى من دون الغوص في الأفكار الاجتماعية والسياسية التي تتبناها، وهي أفكار تبقى محافظة ما يجعلها بلا شك تلقى إعجاب فئات واسعة من الجماهير العربية.

حاتم علي ، إنسان ، فنان ، مخرج ، عظيم ببساطته , يمثلنا بالتزامه و أدبه . الفصول الاربعة هي الارض و الشجر و الزهر و...

Posted by Manal Fahham on Tuesday, December 29, 2020



ولعل الخاصية الأساسية في أسلوب علي الإخراجي، كانت الهدوء واللقطات القريبة التي تجعل من الشخصيات أكثر قرباً من المشاهدين، وتحديداً في الدراما الاجتماعية، وهي حالة توسعت في "أحلام كبيرة" نحو الاعتماد على كاميرا تتحرك باستمرار بطريقة توحي بوجود شخص ما يقوم بالتسجيل لغرض توثيق اللحظات العائلية وليس صناعة مسلسل احترافي. ورغم أن هذا الهدوء كان سائداً في الدراما السورية منذ عقود ويلاحظ في أعمال مخرجين كثر (علاء الدين كوكش، هيثم حقي، ..) إلا أنه بعيد عن الجمود حيث تتحرك الكاميرا برشاقة بين الشخصيات بدل القطع المتتالي من شخصية إلى أخرى عند الحوارات، ما يجعل المشاهد تبدو طبيعية أكثر من كونها تمثيلاً يعمل فيه الممثلون بطريقة أقرب للأداء المسرحي.

على أن ذلك وحده لا يعتبر نقلة نوعية أو ابتكاراً فريداً من نوعه، بل هو تطور طبيعي فرضه بالدرجة الأولى تراكم سنوات العمل التلفزيوني في البلاد منذ ستينيات القرن الماضي بالإضافة للعامل التقني ووجود عامل المقارنة مع الإنتاجات العالمية. كما أن اتجاه كثير من المخرجين السوريين بعد العام 2000 للاستعراض البصري (نجدة أنزور، يوسف رزق) وظهور مخرجين لا علاقة لهم بالفن أصلاً، جعل من علي اسماً أكثر رزانة، خصوصاً أنه عمل دائماً مع شركات إنتاج بميزانيات ضخمة، قبل أن ينبثق عنه مخرجون عملوا معه كمساعدين قبل الاستقلال وتقديم أعمالهم الخاصة، أبرزهم المثنى صبح، الذي تكاد الصورة في مسلسلاته تتطابق مع الصورة في مسلسلات علي.

ولا تخلو أعمال علي من المشاكل نفسها التي تعانيها مئات المسلسلات السورية: الإطالة في اللقطات، الحوارات المملة، الكلاسيكية في الطرح، الموسيقا التصويرية التي تقحم في المشاهد إقحاماً وكأنها لازمة يجب على المشاهد المسكين تحملها لمتابعة أحداث القصة. في "الفصول الأربعة" مثلاً، تمتلئ الحلقات بلقطات لا داعي لها للشخصيات وهي تتنقل من دون غاية حقيقية، يبدأ المشهد مثلاً في الشارع عندما يصل أحد أفراد العائلة لزيارة الجدين كريم ونبيلة، ويمشي ببطء ويصعد الدرج، ويقرع الجرس وينتظر وهو يسمع صوت خطوات قادمة، قبل أن تنتقل الكاميرا إلى داخل المنزل حيث يمشي أحد أفراد العائلة هناك ببطء أيضاً كي يفتح الباب، قبل تبادل التحية والقبل والنكات السريعة، من دون الوصول إلى أي تقدم في سياق الحلقة نفسها.

وعليه، ربما يجب التساؤل عن معنى مفهوم المخرج الجيد أصلاً، وتحديداً ضمن وسط فني رديء مثل الدراما السورية. فإن كان الإخراج هو الطريقة البصرية لإيصال الأفكار المختلفة عبر الشاشة، فإنه لا يكفي وحده لتقديم منتج جيد، بل هنالك أيضاً السيناريو الذي يحمل أفكاراً وقيماً. ومن ناحية نظرية، فإن المخرج يقدم أعمالاً يتبنى أفكارها، لكن ذلك قد لا يكون دقيقاً في عالم مادي كالعالم الذي نعيش فيه أولاً، ولا في بلد مثل سوريا الأسد، حيث لا حرية للتفكير خارج الأطر التي تحددها السلطة ثانياً.

ويلاحظ في أعمال علي التي أخرجها خيط رفيع يربطها جميعاً، حيث تحمل إلى حد ما طابعاً عروبياً يتغنى بالحضارة العربية قبل قرون، ولا يقتصر ذلك على الأعمال التي حاكت تلك الفترة كثلاثيته الشهيرة عن الأندلس، بل أيضاً في محاكاته لقصص الشعر العربي في "الزير سالم" ووجود شخصيات وحوارات عن تلك الحقبة في مسلسلاته الاجتماعية أيضاً (الفصول الأربعة، عائلتي وأنا، ..). كما يتقاطع ذلك مع أفكار محافظة تقريباً لا تتحدى السائد بقدر ما تتماشى معه، ما يجعلها في النهاية منتجات غير مؤثرة، رغم تقديمها للجمهور على أنها منتجات ثقافية تحمل "أفكاراً ثقيلة" وليست مجرد "مضيعة للوقت".

ضمن هذا السياق، ومع غياب قيمة التسلية التي يفترض بالمسلسلات التلفزيونية تقديمها لصالح مهمة بديلة هي نشر الأنماط الاجتماعية والأفكار السياسية والثقافية، بطريقة غير مباشرة، فإن أعمال علي تحديداً يجب أن تناقش ضمن فكرة أوسع هي "جودة الدراما السورية" من الأساس، وخصوصاً في حقبة ما قبل الثورة السورية التي تتهم بأنها أدت لانهيار صناعة الدراما في البلاد. لكن تلك الفكرة تبقى بعيدة عن نقاشات صناع الدراما أنفسهم، لأنها تهز أساس مهنتهم التي تشكل مصدر رزقهم و"بريستيجهم" ومكانتهم في وسط يصفونه دائماً في مقابلاتهم بأنه فاسد.

#في_رأيي أن حاتم علي أعور بين العميان...موهبة متوسطة وكثير من العمل... وأن الميل إلى أسطرته بيدل شقد هالبلد بائسة... وأن...

Posted by Hossam Jazmati on Tuesday, December 29, 2020



من جهة أخرى، يمكن مثلاً عقد مقارنة بصرية بين مسلسل "قلم حمرة" و"غداً نلتقي" (2015) اللذين قدما في فترة زمنية متقاربة، ففي الأول يبرز النص الذي كتبته يم مشهدي كأساس للدهشة والمفاجأة على حساب بقية عناصر العمل التي أتت مساندة للكلمات، فيما يبدو إخراج رامي حنا متفوقاً على نص إياد أبو الشامات في الثاني، لأن الفلسفة البصرية فيه نقلت المسلسل إلى مستوى آخر، وتحديداً اختيار اللقطات وتنويعها والموسيقا التصويرية البارعة بالإضافة للإضاءة التي خلقت جواً من السوداوية.


على أن مقارنة "قلم حمرة" أيضاً بمسلسل "الندم" الذي قدمه المخرج الليث حجو العام 2016 عن نص للكاتب حسن سامي يوسف، يجعل الهدوء والحيادية اللتي اعتمدهما علي في عمله عنصرين ثمينين ساهما في خلق منتج فني لائق، لأن "الندم" حمل فلسفة بصرية سامة، صورت الماضي قبل الثورة السورية بالألوان المشرقة مقابل الحاضر بعدها بالأسود والأبيض للدلالة على خطأ السوريين في ثورتهم المطالبة بالحرية والكرامة.

وفيما تتكرر عبارة أن علي كان "أفضل مخرج في تاريخ الدراما السورية"، فإن المقارنة السابقة تضعه في مرتبة متوازنة، حيث كان رجلاً مجتهداً في عمله ضمن بيئة غير احترافية من دون قدرات استثنائية أو رؤية فنية خارجة عن المألوف، وبالتالي فإن مستوى ما قدمه منذ انتقاله من التمثيل إلى الإخراج منتصف تسعينيات القرن الماضي، كان متفاوتاً بالنظر إلى النصوص التي عمل عليها ونوعية الإنتاجات والتدخلات الرسمية أيضاً.

على أن الحزن السائد في السوشيال ميديا اليوم لا يرتبط فقط بالجانب الفني، بل أيضاً بالجانب الأخلاقي، فعلي كان فناناً يعمل بصمت بعيداً عن المهاترات والفضائح، ولم يكن يطرح نفسه كشخص استثنائي بقدر ما كان يقدم عمله للجمهور لا أكثر. كما أن مواقفه السياسية تبقى حاضرة في ذكريات جمهوره عنه، فرغم أن صوته لم يكن عالياً مثل فنانين آخرين تحدوا نظام الأسد، مثل جمال سليمان ومي سكاف وآخرين، إلا أنه كان محسوباً على المعارضة وفصل من نقابة الفنانين السوريين بسبب مواقفه السياسية قبل سنوات ومات في المنفى، ورغم ذلك كله فإنه لم يكن حقوداً أو متزمتاً بل حافظ على علاقات عمل مع زملاء وفنانين موالين للنظام كما يظهر في مسلسلاته بعد العام 2011.

ويبقى لقاؤه مع مجموعة من الفنانين والصحافيين بالرئيس السوري بشار الأسد العام 2008 حاضراً في الذكريات التي سردها صحافيون مثل أياد شربجي للدلالة على ابتعاده عن النفاق، فحينها "كان الجميع يتدافع ليجلس أقرب ما يمكن لبشار، الا حاتم، نحى بعيداً واختار أقصى كرسي في القاعة وجلس صامتاً طوال الوقت بينما الممثلون يمازحون بشار ويقاطعون بعضهم ويرفعون أيديهم ليحظوا بفرصة للحديث معه. بقي حاتم صامتاً وصلب الملامح لدرجة أن بشار الأسد نفسه انتبه وقال له ما سمعنا صوتك استاذ حاتم. فأومأ بيديه ورد: الزملاء حكوا كل شي. ثم سكت مشعراً الجميع بأنه لا يريد الكلام، وهذا ما حصل".

من المواقف التي لا أنساها ايضا لحاتم، عندما دعا بشار عام 2008 مجموعة من الكتاب والممثلين والمخرجين إلى القصر الجمهوري،...

Posted by Eiad Charbaji on Tuesday, December 29, 2020

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها