آخر تحديث:19:06(بيروت)
الأربعاء 16/12/2020
share

2000 ليرة للغداء

سلوى زكزك | الأربعاء 16/12/2020
شارك المقال :
2000 ليرة للغداء ألف ليرة ثمن ربطة الخبز لمَن لا يقوى على الةقوف في الطابور (غيتي)
الرائحة
السادسة مساء في دمشق، التعب نهش الوجوه والأجساد تراخت على مقاعد الحافلة العامة المهترئة. تتراصف الأجساد وكأنها بلاط متماسك. أربعة ركاب في مقعد ممتد لا يتسع إلا لثلاثة نحيلي الجسم. لم تعد المساحة الآمنة تعني شيئا لأحد، لا الوباء اللعين ولا المحرّمات العتيقة منعت البشر من الصعود والتلاصق.

في منتصف الطريق، يغادر رجل الحافلة، يترنح أثناء نزوله، تحاول بعض الأيدي تثبيته. يصعد رجل آخر، رجل برائحة لا تحتمل، رائحة جسد لم يستحم منذ عقود أو أنه قد غرق في حفرة للصرف الصحي وخرج لتوه. تضيق أنفاس الركاب المحتجزين في ضيق أضيف إليه الآن ضيق مستجد، يحاول البعض تغطية أنوفهم، ويفتح أحدهم النافذة رغم لسعات النسائم الباردة. يطالبه أحدهم بالنزول، فتبكي امرأة من أجله وتقول له سامحنا، وتقترح أن نجمع من كل راكب مئة ليرة تعويضاً له ليغادر الحافلة.

الجميع مستنفرون ويفكرون في حل استعصى وجوده، البيوت بعيدة والمسافات طويلة. أغادر الحافلة والجدل مازال مستمراً وثقيلاً، وحده الرجل صاحب الرائحة غير المحتملة يغط في نوم عميق.

الفروق الشاسعة
يعلو صراخ أبي، هذا آخر إنذار لك أو انك ستتركين العمل. وأختي تحاول توضيح المسألة: يا أبي: نحن خمس معلمات والمواصلات معدومة، زميلاتي النحيلات قررن الجلوس معاً في المقعد الخلفي، تخيل يا أبي خمس معلمات في مقعد واحد. لم نصدق أن السائق قد قبل بأن يحشو سيارته بستة أجساد، أنا بدينة يا أبي لا مكان لي بينهن، خجلت من زميلاتي لأنهن أفردن لي المقعد الوحيد قرب السائق!!

يكاد أبي أن ينفجر من الغضب، أوداجه منتفخة وصوته يتقطع وريقه يجف. أتدخل قائلة: لماذا توافق على أن نستقل السرفيس ونجلس محشورات بجانب الركاب الرجال، وعندما نستقل سارة تاكسي، تشترط علينا الجلوس في المقعد الخلفي؟ يصمت أبي مذعناً، يشرب بعض الماء، يعاود الصراخ من جديد وكأن ناراً تلسعه ويقول: الفروق شاسعة بين الحالتين، لن يروا زميلاتك الخمس في المقعد الخلف. أنت في واجهة الصورة، سيرونك وحدك وسيقولون لي غداً: "مخطِّب بنتك لشوفير تاكسي؟".

ربطة خبز
اشترت ربطة خبز من بائع جوال، ترددت في فتح الكيس، ستلتهم رغيفاً كاملاً إن فتحته، رائحة الخبز تضاعف من جوعها. تفتح الكيس، تأخذ قطعة صغيرة من الرغيف وتعيد ربط الكيس بحزم، دفعت ألف ليرة ثمن الربطة لأنها لا تقوى على الوقوف في طابور الخبز. تُلحُّ معدتها في طلب لقيمات أخرى، تعاند معدتها، تستسلم، تعاود فتح الكيس، تخرج ربع رغيف، تضع أول لقمة منه في فمها، طفل صغير يقول لها: "خالة أعطيني شقفة خبز". تمنحه ما تبقى من الربع الباقي في يدها، تضيف خسارة إلى خساراتها اليومية. تعاتب نفسها قائلة: "تضربي شو نفسك دنيّة، كنتِ أجّلي الأكل للبيت". تقرر أن تحضر في الغد كيساً أسود لتخفي فيه ربطة خبزها وتتعهد لنفسها بإطباق تام لفمها حتى تصل البيت وفي يدها ربطة خبز كاملة، بلا أية نواقص.

"2000"
في جعبتها ألفا ليرة، تشعر بأنها غنية وقد وعدت الأبناء بوجبة شهية.
سبانخ وسلق وبقدونس وشمندر وأرز وبرغل وسمّون وزيوت. كله متوافر، لكن أسعاره كاوية. سأطبخ سبانخ بلا لحم. ستحتاجين ربطة خبز إضافية للتغميس. إذن سأطبخه بزيت وأطهو كيلو أرز كامل. ستحتاجين ليموناً، وكيلو الأرز صار بألفين! سأطهو المعكرونة. ارتفع ثمنها اليوم وصار سعر الكيلو ألفين! والأولاد يشعرون بالجوع بعد التهامها بساعة. سأطهو كيلو من الأرز لأسند بطونهم، أرزّ الإعاشة يتحول قطعة صلبة واحدة. سأشتري أرزّ كبسة حر، كيلو الأرز بألفين! سأطهو كيلو أرز مع شعيرية وسأشتري اللبن، سطل اللبن وزنه كيلو ونصف الكيلو، صار بألفين! سأطهو برغل بشعيرية. صار الكيلو بألفين، والبرغل يحتاج سمناً للطبخ. سأشتري نصف كيلو من السمن. نصف الكيلو صار بألفين!

ينادي بائع البطاطا المكسرة على بضاعته، كل ثلاثة بألف. تحشر نفسها بين جموع النساء المتزاحمات على الشراء، البعض يسحب حبات البطاطا من بين يديها، البعض يضغط على كتفها للحصول على حصته. يصرخ البائع بالنساء قائلاً: "بس 3 كيلو لكل سيدة، اتركوا لغيركن". تدفع ثمن البطاطا، تتجه نحو بائع الزيوت الفرط لتشري زيتاً نباتياً بألف، تنقد البائع الألف المتبقية، تعود الى البيت، تُعلمها ابنتها بنفاد الغاز. تقطع البطاطا والبصل وتبللهما بالقليل من الزيت، تأخذ القِدر إلى جارتها لطهو وجبتها الموعودة، بخجل جلي وشاق تطلب منها الجارة إقراضها ألفي ليرة ثمناً لكيلو معكرونة لتطهوها لأولادها! أجابت مرتبكة: "يا ريتك حكيتِ من الصبح، طبخت فيهن لليوم". تعود أدراجها لبيتها وتقول للأبناء: وجبة غداء اليوم زيت وزعتر.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

سلوى زكزك

سلوى زكزك

كاتبة سورية

مقالات أخرى للكاتب