آخر تحديث:16:52(بيروت)
الخميس 10/12/2020
share

فرنسا تعتم على زيارة السيسي.. تفادياً للإحراج!

حسن مراد | الخميس 10/12/2020
شارك المقال :
فرنسا تعتم على زيارة السيسي.. تفادياً للإحراج! غُيّب الإعلام الفرنسي عن بعض أبرز استقبالات ولقاءات السيسي في باريس (غيتي)
كما كان متوقعاً، أحيت زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إلى باريس، الجدل الداخلي الفرنسي حول سلم أولويات الدبلوماسية الفرنسية: المبادئ أو المصالح؟ وقبل أن تحط طائرة السيسي في مطار أورلي، انبرى الاعلام الفرنسي والمنظمات الحقوقية للتنديد بالزيارة في وقت يقبع فيه عشرات الآلاف من المعارضين في سجون النظام المصري.

مقارنة بلقاءات سابقة، بدا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، متسامحاً مع نظيره المصري معتبراً أن سياسة المقاطعة لن تحرز أي تقدم في هذا الملف ليفضل عليها سياسة متشددة من الحوار، على حد تعبيره. كما شدد ماكرون، خلال المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع السيسي، على ضرورة فصل هذا الملف عن مجمل العلاقات التي تجمع البلدين غامزاً من باب الشراكة الاقتصادية والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب.

اللافت كان تغييب وسائل الاعلام الفرنسية عن بعض جولات ولقاءات السيسي بدعوى جائحة كورونا، بما في ذلك حفلة الاستقبال في قصر الأنفاليد وزيارة مقر بلدية باريس والعشاء الرسمي في الاليزيه. حتى أن عدداً من الشخصيات الرسمية التي التقاها الرئيس المصري، كوزيرة الدفاع فلورنس بارلي، وعمدة باريس آن هيدالغو، لم تنشر أي صورة فوتوغرافية أو مقطع فيديو يتعلق بتلك اللقاءات والاحتفالات، لا عبر المواقع الالكترونية ولا في مواقع التواصل الاجتماعي.

وهنا، التف مقدم برنامج "Quotidien" الشهير على شاشة "TMC" يان بارتيز، على محاولة التعتيم هذه ليعرض الثلاثاء ما "خفي على الفرنسيين". لجأ بارتيز إلى الموقع الالكتروني للرئاسة المصرية ليتبين له تغطية الجانب المصري لكافة مجريات الزيارة عبر تقارير مصورة شملت كل الأماكن التي زارها السيسي كما جميع الشخصيات التي التقاها. استناداً إلى الصور التي عرضها، اعتبر بارتيز أن فرنسا لم تبخل على الرئيس المصري في ما يخص حفاوة الاستقبال، لا سيما منحه وسام جوقة الشرف من رتبة الصليب الأكبر، وسام لم يستثنَ من التعتيم الإعلامي، وفقاً لبارتيز.

"لماذا سعت فرنسا إلى إخفاء هذه الصور؟" سؤال طرحه المذيع الفرنسي، تاركاً الإجابة للمشاهدين. وفي الواقع، أوحى بارتيز بأن زيارة الرئيس المصري سببت حرجاً للجانب الفرنسي، وهي نقطة تحتمل الصواب بالنظر إلى سياقها العام، حيث تزامن الإعلان الرسمي عن موعد الزيارة (الخميس 3 كانون الأول/ديسمبر) مع افراج السلطات المصرية عن ثلاثة من أعضاء "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" اعتقلتهم الشهر الماضي. تنسيق شبه مؤكد بين القاهرة وباريس يعكس انحناءة لعاصفة متوقعة، وهو ما عنونت عليه صحيفة "Ouest France" قبل يوم من وصول الرئيس المصري: "السيسي يتنازل قبل مدّ البساط الأحمر في باريس".

وأصدرت 17 منظمة حقوقية فرنسية ودولية بياناً مشتركاً ناشدت فيه ماكرون الضغط على السيسي بغية الحدّ مما وصفته، انتهاكات حقوق الإنسان داخل مصر، منتقدة في هذا الإطار الموقف "المتسامح" للدبلوماسية الفرنسية.

لكن الخطوة المصرية لم تشفع للرئيس الفرنسي ولا لضيفه، وعليه لم يفلح أي منهما في الحدّ من الارتدادات السلبية لهذه الزيارة، وهو ما عبّرت عنه الصحف الفرنسية. فصحيفتا "Liberation" و"L'express" تبنتا عنواناً مشتركاً: "ماكرون يرفض الربط بين احترام حقوق الإنسان والشراكة المصرية - الفرنسية"، أما صحيفة "Marianne" فاتخذت عنواناً أكثر صدامية: "الرئيس المصري في باريس: لعنة النيل"، بينما وصفت صحيفة "Le Parisien" الزيارة "بالمثيرة للانتقادات"، ومن جهتها فتحت "Le Monde" صفحاتها لنشطاء حقوقيين للتعبير عن موقفهم.

وتركزت الانتقادات حول نقاط ثلاث: تورط فرنسا في بيع معدات عسكرية ومدنية لمصر تساهم في القمع الداخلي، توفير الموارد الاقتصادية اللازمة لاستمرارية النظام، منح السيسي ضوءاً أخضر للمضي بهذا النهج. واللافت في هذا الإطار، التسويق الخجول لهذه الزيارة من قبل الإعلام الفرنسي، فالمواقف المؤيدة عبرت عن نفسها على نحو غير مباشر من خلال التشديد على التعاون المشترك بين البلدين في عدد من الملفات الاستراتيجية كمكافحة الإرهاب، أو عبر مقابلة مع الرئيس المصري ليدافع بنفسه عن سياسته، كما فعلت صحيفة "Le Figaro".

هذا المزاج العام يفسر ربما سبب التعتيم الإعلامي الجزئي الذي مارسته السلطات الفرنسية على جدول الزيارة. فالحريات العامة واحترام حقوق الإنسان قضايا بالغة الحساسية للداخل الفرنسي، نظراً لإرث فرنسا التاريخي في هذا المجال. إرث يمنحها القدرة على تبييض سجلات الطغاة، وفقاً لعدد من المحللين السياسيين. من جهة أخرى، إتهام الحكومة الفرنسية مؤخراً بمحاولة التضييق على الحريات والحدّ من انتشار المعلومة من خلال قانون الأمن الشامل، يدفع بالسلطات الرسمية الفرنسية إلى توخي الحذر في سياستها الاعلامية هذه الأيام.

وألمح بارتيز من هذه الزاوية، خاتماً فقرته المذكورة بجملة حملت الكثير من المعاني: "للمرة الأولى، اضطررنا للاستعانة بموقع إلكتروني تابع لنظام تسلطي للاطلاع على ما يجري داخل أروقة الإليزيه".

على نحو ضمني، أقر جميع رؤساء فرنسا بسمو المصالح على المبادئ، وإن بنسب متفاوتة، لكن أحداً منهم لم يتجرأ على التنكر علناً للإرث المذكور آنفاً. كما باتت مزايدة أحزاب المعارضة في الملف الحقوقي جزءاً من اللعبة السياسية الفرنسية، ما يشير إلى وجود مصلحة مشتركة لدى جميع القوى السياسية الفرنسية للإبقاء على هذا "السلاح" الذي إن عانت احزاب السلطة من سهامه اليوم، بإمكانها استخدامه مستقبلاً للتصويب على خصومها عند تبدل المعادلة السياسية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها