آخر تحديث:18:10(بيروت)
الإثنين 09/11/2020
share

"خاكي": لون البؤس في سوريا الأسد

وليد بركسية | الإثنين 09/11/2020
شارك المقال :
"خاكي": لون البؤس في سوريا الأسد آلاء عامر "للمدن": الجسد هو حامل الأزياء ومُلكيتنا الوحيدة كبشر منذ الطفولة
طوال عقود ثلاثة، كانت سوريا الأسد تتحول إلى أكبر حشد بشري "عسكري"، ظُهرَ كل يوم، عند خروج التلامذة السوريين من مدارسهم بملابسهم العسكرية الموحدة، بعد تلقيهم ساعات من التعليم المؤدلج الممزوج بالتدريبات العسكرية في الاستراحات بين الحصص الدراسية اليومية. وفيما يبدو هذا التفصيل البسيط صغيراً من جهة، وغير قابل للتصديق من جهة ثانية، فإنه ليس إلا جزءاً من سياسة طبقه النظام السوري منذ سبعينيات القرن الماضي، مع وصول حافظ الأسد للسلطة في انقلاب عسكري، للسيطرة على الأفراد وتجريدهم من حقهم الطبيعي في امتلاك قرارات فردية.


ويرصد برنامج "خاكي" الذي تقدمه الإعلامية السورية آلاء عامر، عبر قناتها في "يوتيوب" هذه المظاهر وغيرها، من أجل الحديث عن الأزياء "بوصفها من أدوات الأدلجة أو القوة الناعمة التي يستخدمها النظام الدكتاتوري بشكل عام"، مع التركيز على سوريا كنموذج تسقط عليه قراءات متعددة لكتب وأبحاث حول "فلسفة الجسد"، مثلما أوضحت في حديث مع "المدن".

يبدأ البرنامج الذي تعرض حلقاته أسبوعياً، بموسيقى قاتمة، مستمدة من إعلانات التجنيد التي يميزها كل سوري شاهد التلفزيون الرسمي ولو لمرة واحد في حياته، ومع الإضاءة الخفيفة وجو الاستوديو الخانق، يشعر المشاهد فوراً بانتقاله عبر الذاكرة إلى الأيام عندما كان اللباس الرسمي إلزامياً وتستوجب مخالفته عقاباً شديداً، يبدأ بالتوبيخ من طرف أستاذ التربية العسكرية المخيف في المدرسة، وقد ينتهي بالضرب أو عقوبات أخرى كتنظيف الحمامات المدرسية.


وبرشاقة، تقدم عامر البرنامج من استوديو صغير ليس إلا صالة البلياردو في المجمع السكني الذي تقيم فيه بمدينة اسطنبول التركية، سُمح لها باستخدامه مرة واحدة في الأسبوع. ولا يشكل حديثها مجرد تعليق جانبي أو ثرثرة عابرة مثلما هو السائد في برامج "يوتيوب" العربية، بل تقدم جهداً صحافياً وبحثياً حقيقياً، يبدأ من المراجع الكثيرة التي تُضمنها في الحلقة للإشارة إلى مصادر المعلومات التي تتحدث عنها، وصولاً إلى الصور ومقاطع الفيديو التي حصلت على معظمها من قبل سوريين شاركوها مع البرنامج، ما يعطي لمحة عن معنى الحياة في سوريا الأسد، من وجهة نظر شخصية مؤثرة.

وعلقت عامر بأن غالبية الصور والفيديوهات أتت من قبل المشاهدين، "وهي عزيزة جداً على قلبي لأن الجمهور يشاركني ذكرياته وصوراً من الطفولة، ما يعني أنهم يثقون بي ويثقون بالبرنامج"، مضيفة أنه من المهم تقديم هذه المواد لأن البرنامج هو منتج بصري في النهاية، كما أن مشاهدة هذه التفاصيل تجعل عملية تذكرها أسهل من ناحية وضعها في سياق أشمل. وأوضحت: "لا أريد ان يفكر الناس بأن الأزياء هي موضوع سخيف وسطحي يرتبط بالمظاهر فقط، لأنها أعمق من ذلك بكثير"، وفيما يبدو أن البرنامج يتوجه إلى السوريين حصراً، إلا أنه يوصل رسائله للجميع، "لأن له بعداً عميقاً يمس حياة كل الشعوب".

ويساهم في المشروع، إلى جانب عامر، المخرج جمال داوود، والمصور والمونتير أيهم مليشو، والستايلست إيرهان أكتشاي. ويعمل الفريق بجهود شخصية من دون تمويل أو دعم مادي من أي جهة في الوقت الحالي، لدرجة أن المخرج تطوع للمشاركة من دون مقابل. ورغم هذه الصعوبات التي باتت مألوفة في ميدان الإعلام السوري المعارض تحديداً، فإن الدافع الأساسي لدى عامر لتقديم البرنامج والاستمرار في مشاريع التدوين والإعلام، هو حقيقة "أن هذا الميدان هو مجال عملي فأنا صحافية ولا أعرف القيام بشيء آخر".

ولا يشكل ذلك مجرد عبارة بسيطة، بل تلخص تلك العبارة حالة آلاف الصحافيين حول العالم ممن يجدون أنفسهم يعيشون أزمة هوية نظراً لواقع الإعلام كصناعة مضطربة ومتراجعة. وعاشت المشاريع الإعلامية المعارضة، التي شهدت ازدهاراً واضحاً في السنوات الأولى للثورة السورية، تلك الأزمة، على صعيد مؤسساتي وفردي في آن معاً، مع تراجع التمويل ما أدى إلى إغلاق عدد من الوسائل الإعلامية البارزة بشكل متزايد منذ العام 2016. ولا تعتقد عامر أن المشاريع الإعلامية المعارضة تختفي تماماً، بل "هنالك الكثير من المشاريع القائمة مثل تلفزيون سوريا وتلفزيون أورينت على سبيل المثال، وسمعت عن إذاعة سورية جديدة ستنطلق قريباً، كما أن هنالك تلفزيوناً جديداً ينطلق قريباً باسم مسك".

في ضوء ذلك، بدأ البرنامج بتقديم لمحة عن ارتباط الأزياء بالسياسة وتحديداً في البلدان الشمولية، كتمهيد للمشاهد قبل الحديث بالتفصيل عن سوريا الأسد، وللتأكيد على أن استغلال الأنظمة السياسية للأزياء ليس ضرباً من الخيال بل هو واقع متكرر. وركزت الحلقات التالية على حقبة حافظ الأسد ثم التغييرات التي أحدثها وريثه بشار الأسد، على أن تنتقل الحلقات التالية لمناقشة مواضيع آخرى، منها ما حصل مع السوريين بعد الثورة السورية، ممن يعيشون في الداخل السوري ضمن مناطق النظام ومناطق المعارضة أيضاً، لأن المجتمعين باتا مختلفين تماماً، على أن تتطرق حلقات أخرى للسوريين في دول اللجوء.

والحال أن اسم البرنامج يأتي من اللون الخاكي، وهو اللون المستخدم في صناعة الملابس العسكرية، وشكل عقدة نفسية للسوريين ربما لتأثيره في حياتهم في مرحلة عمرية دقيقة، هي المراهقة. وأوضحت عامر أن مرحلة المدرسة الثانوية والإعدادية من حياة المراهق السوري تكون شديدة القسوة بسبب العنف الذي يتعرض له التلامذة من طرف الجهاز الاستخباراتي الذي وظفه النظام في المدارس متمثلاً في مدرب التربية العسكرية، الذي تتلخص مهمته في كونه حارساً على اللباس وبالتالي حارساً على الأيديولوجيا. وذلك بعكس ارتباط الفترة العمرية نفسها لدى بقية الشعوب بالتجارب والمغامرات واكتشاف الأشياء الجديدة واكتشاف الجسد.


يشكل ذلك استرجاعاً لحياة أجيال في المدارس السورية منذ خمسينيات القرن الماضي عندما فرض اللباس العسكري المعروف بـ "لباس الفتوة"، "من أجل القضاء على الميوعة وتبديدها من الوجود لتحل محلها الجرأة والاقدام"، حسبما جاء في النص التشريعي الذي أدخل التربية العسكرية إلى المنهاج المدرسي. علماً أن قسوة النظام، زادت منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، بعد فترة وجيزة من الانقلاب العسكري الذي أوصل الرئيس السابق حافظ الأسد للسلطة، وحتى أيار/مايو العام 2003، في عهد بشار الأسد، الذي شهد إلغاء الملابس العسكرية واستبدالها بلباس "مدني" موحد، وإلغاء مادة التربية العسكرية والمعسكرات العسكرية من المدارس، مع الإبقاء على النظام العسكري عموماً لضبط الطلاب وتنظيمهم، ليس فقط كعقلية عامة للتعامل مع التلاميذ بل أيضاً كأسلوب لإنهاء الاستراحات والدخول إلى الصفوف عبر حركات "النظام المنظم" والإيعازات العسكرية.

وتتضمن القواعد السائدة حينها، الامتناع عن ارتداء كنزة ملونة تحت الملابس العسكرية أو ارتداء معطف ملون، فضلاً عن منع الشعر الطويل للتلامذة الذكور، وضرورة أن تربط كل تلميذة شعرها وألا تفرده وألا تضع الماكياج أو طلاء الأظافر، وصولاً إلى منع الأحذية الرياضية، وغيرها من القوانين الكفيلة بجعل تجربة الاستيقاظ يومياً والتوجه إلى المدرسة أمراً مؤلماً لكل طفل، خصوصاً أن التأخر عن تحية العلم الصباحية والنظام المنضم العسكري يشكل مخالفة تستحق عقوبة، كالضرب أو قص الشعر أو البقاء لساعات في الشمس أو المطر أو تنظيف الحمامات المدرسية.

يشكل البرنامج بواقعيته رداً حقيقياً على كثير من المشاريع المنتشرة في مواقع التواصل، والتي تنقل صورة مشوهة عن الحياة في سوريا الأسد، من زاوية النوستالجيا على الأغلب، وتحديداً في الصفحات الموالية للنظام التي تقدم فكرة "كنا عايشين" بطريقة ناعمة. ولا يتناقض ذلك مع الماضي المظلم نفسه، بل مع الحاضر الذي مازالت فيه ممارسات الأدلجة مستمرة بشكل أكثر عصرية، وهو ما يمكن تلمسه في مقاطع فيديو مسربة من المدارس السورية خلال العامين الأخيرين.

وعلقت عامر بأن الإنسان ينظر دائماً إلى الماضي بحنين وشوق مهما كان ذلك الماضي قاسياً، و"بالنسبة لنا كسوريين في الخارج تبقى تلك الحالة حية لأننا لا نمتلك إمكانية العودة لبلدنا، وتزداد تلك الحالة مع حقيقة أن تلك الحقبة لم تكن مرتبطة بالدم والقتل والتشريد ولم يكن فيها السوريون ممزقين بين لاجئين ونازحين، أي أن السوريين كانوا بشكل أو بآخر يعيشون في بلدهم. ورغم ذلك لا بد من الانتباه لما كان يجري من حولنا في تلك الفترة حتى عند الحديث عنها بحنين، ويجب أيضاً فحص تلك المرحلة وتدقيقها كي يتمكن السوريون من الانتقال نحو مستقبل أفضل".

وفيما قد يرى البعض أن فكرة مناقشة البعد السياسي للأزياء فقط تضع تأطيراً ضيقاً للبرنامج، بدلاً من أن يكون ذلك مجرد محور واحد فقط فيه، مثل مناقشة كافة الأساليب التي استخدمها النظام السوري لخنق حريات الأفراد، على مستويات أخرى إعلامية وبصرية واقتصادية وغيرها، لا توافق عامر على ذلك "لأن الجسد هو حامل للأزياء وهو الملكية الوحيدة التي نمتلكها كبشر منذ كوننا أطفالاً، وبالتالي لا يشكل الموضوع تأطيراً ضيقاً على الإطلاق"، مضيفة أنه في حال امتداد البرنامج لجزء ثان، من الممكن تناول أبعاد أخرى للسيطرة على الأفراد عبر القوة الناعمة، لكن ذلك يبقى محكوماً بظروف المشروعه المالية.


والحال أن اعتماد النظام السوري على القوة الناعمة لتمرير رسائله وسياساته يعتبر أمراً كلاسيكياً في الأنظمة الدكتاتورية، سواء في الأزياء أو الدراما التلفزيونية أو الخطاب الإعلامي، ويؤثر ذلك بشكل خاص في الحياة اليومية وبناء الذاكرة الجمعية أيضاً، لكن هذه المواضيع تغيب عموماً عن الإعلام السوري لصالح جوانب أكثر حدثية تفرضها طبيعة العمل الإعلامي نفسها. وبحسب عامر، فإن "هنالك الكثير من البرامج والوسائل الإعلامية التي تركز على الجوانب الميدانية والسياسية أما شغفي الخاص فيرتبط بالمواضيع النفسية والاجتماعية، وأعتقد أنه يجب علينا كسوريين أن ندرك كيف كانت تدار حياتنا وكيف كانت تتم أدلجتنا منذ سن مبكرة، كي نستطيع الانتقال إلى مرحلة تالية".

ولهذا السبب فإن الحلقات التالية لن تكون مرتبطة فقط بمرحلة الأسد الأب، بل أيضاً بحياة السوريين خارج البلاد، خصوصاً أن الاندماج في البلدان الجديدة قد يرتبط أحياناً بالأزياء نفسها ما قد يمس الهوية الفردية والثقافية، إلى حد ما.

ويجب القول أن ما يطرحه البرنامج قد يكون مألوفاً بالنسبة للسوريين لكنه قد يكون صادماً ليس فقط للأجانب بل حتى للعرب في الدول القريبة من سوريا، مثل لبنان. وربما من الجيد تقديم هذه النوعية من الأفكار بلغات أخرى كالانجليزية مثلاً لأن هنالك فجوة تجعل كثيراً من الأجانب لا يصدقون أو لا يعرفون معنى الحياة في ظل نظام شمولي، وتقديم مثل هذه المواد إلى جمهور عالمي قد تساهم ولو بشكل بسيط في تقديم معنى آخر للثورة السورية بعيداً عن سردية الإرهاب/التمرد التي باتت رائجة في الميديا العالمية في السنوات الأخيرة.

وأشارت عامر إلى حماسة أصدقائها الأتراك عندما تحدثت معهم عن فكرة برنامجها، لكونه يطرح زاوية مختلفة بالنسبة لهم عن معنى الحياة في سوريا والتي قادت بشكل أو بآخر للثورة السورية العام 2011. وفيما كانت ردود أفعال الجمهور إيجابية "ما شكل مفاجأة سعيدة بالنسبة إلي"، فإن ذلك يتناقض مع موقف عدد من زملاء عامر من الصحافيين والإعلاميين، الذين كانت ردة فعلهم سلبية ومتشائمة قبل البدء بالبرنامج، بتوقعهم أن الجمهور السوري في "يوتيوب" يريد فقط متابعة مواضيع النميمة والمشاهير أو التعليقات السريعة على الأحداث والشخصيات، أو مواضيع "العلوم الشعبية" التي باتت شائعة مؤخراً.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها