آخر تحديث:16:01(بيروت)
الجمعة 06/11/2020
share

مي خريش.. "دراما كوين"

يارا نحلة | الجمعة 06/11/2020
شارك المقال :
مي خريش.. "دراما كوين"
"يا بتعتذري، يا بفل". هدّدت مي خريش خلال مشاركتها في برنامج "جعفر توك" عبر قناة دويتشه فيله DW، ضمن حلقة مخصصة لتداعيات انفجار مرفأ بيروت. وحين رفضت منتقدتها الإعتذار لإعتبار أنها ببساطة لم تصدر عنها أي اهانة، غادرت خريش الحلقة، فأدارت ظهرها إلى أسر ضحايا الانفجار، في مشهدٍ معبّر عن عجزها، وعجز التيار الوطني الحرّ عموماً، عن مواجهة عائلات الضحايا والتواضع أمام مأساتهم وآلامهم الجمّة.


قد يرى البعض، هذا السلوك المتعالي لسياسي لبناني يعتبر نفسه فوق النقد، أمراً معتاداً، في حين يصعب على عاقلٍ تقبّله في سياق التعاطي مع من حلّت عليهم كارثة مِن صنع أيدي السلطة نفسها التي تطلب إليهم اليوم بلسان مي خريش "الإعتذار". 

طلب الإعتذار هذا جاء نتيجة إقدام شابة من الجمهور على إنتقادها لطريقة مخاطبتها أهالي الضحايا المتواجدين في الحلقة، والتي تنمّ عن "الإستخفاف بهم وعدم إحترامهم"، وفق تعبير المشاركة التي أضافت "أنت لم تنظري مرة في عيونهم، وترفضين سماعهم". وحين أصرّت خريش على تلقي إعتذار، أجابتها المعلّقة: "فلتعتذري أنت من أهالي الشهداء الذين قضوا نتيجة فسادكم"، واضعةً حداً لترداد خريش الهستيري لعبارة "إعتذري".
لم يكن احتقان خريش بهذه الطريقة حادثة معزولة خلال الحلقة، بل أثبتت أكثر من مرة أنها غير قادرة على مناقشة الأهالي الذين شنوا عليها هجمات متتالية منذ إنطلاق الحلقة. والحال أن هذا الموقف الذي اتخذه الأهالي مفهوم ومتوقع نظراً لتبوء خريش منصب نائب رئيس حزب "العهد القوي" الذي وقع في عهده ثالث أكبر إنفجار في التاريخ، وهو أيضاً الذي عيّن أحد المسؤولين في المرفأ، وهو من ضمن 25 شخصاً اوقفهم القضاء بتهمة المسؤولية المباشرة عن الانفجار. 

كل تلك الأسباب لا تبدو كافية بالنسبة لخريش لإقامة "محاكمة" لمَن تمثّل. فهي، وفق تعبيرها، "محامية معتادة الجلوس في كرسي المدافع، أرفض أن أوضع في قفص الإتهام...وما يزايدوا عليي وعفريقي السياسي بالوطنية". أما المقصود بالـ"هم" فليس سوى أهالي الضحايا الذين لا يأبهون لـ"وطنية" رجال ونساء سلطتهم، فكل ما يطالبون به هو العدالة لأبنائهم.

لكن خريش تعتبر أنه ليس هناك من يستطيع المزايدة عليها، بما في ذلك أهالي الشهداء. فهي أيضاً فقدت أصدقاء في الإنفجار، وكانت مارة في الأشرفية حين وقوع أي "كان من الممكن أن أُقتَل"! 

بكل جدية، ساوت خريش نفسها بالضحايا وأهاليهم، متناسيةً موقعها السياسي الذي يضعها في خانة المسؤولية، لا الضحية. ولم تكتفِ خريش بذلك، بل انتقلت إلى لوم الضحية، متوجهةً إلى والدة أحد الشهداء بالقول: "إنت انتخبتِ هيدي السلطة"، وكأن ذلك يصادر حق السيدة في مساءلة السلطة ومحاسبتها. كما ذهبت إلى تحميل الشعب اللبناني وثورة تشرين مسؤولية الإنهيار الإقتصادي والدولار الذي فقد أكثر من خمسة أضعاف قيمته.

وإلى جانب خريش، إستضاف البرنامج عضو المكتب السياسي في حركة أمل حسن قبلان. وقد أظهر قبلان مستوى أعلى من الدبلوماسية والذكاء في مخاطبة أهالي الضحايا، فتقبّل إتهاماتهم وإحتقانهم، من دون أن يقابلهم بالصوت العالي الموبّخ واللهجة الآمرة كما فعلت زميلته خريش. إلا أنه إتبع الإستراتيجية نفسها بالتموضع في موقع الضحية، ذاكراً أن لديه أقارب كثر في فوج الإطفاء كان من المحتمل أن يقضوا. هذا بالإضافة إلى تبرئة حزبه من جريمة المرفأ ومن كل الكوارث التي حلّت بالبلد والتي تتحمّل مسوؤليتها "الدولة"، أما الحركة فهي "ليست الدولة، نحن في السلطة شأننا شأن غيرنا".

والجدير بالذكر أن مقدّم البرنامج لم يتساهل مع ضيفيه من ممثلي السلطة، فاستهلّ حلقته باستنكار إعتراف خريش أنها لم تعزِّ سوى أهالي معارفها الذين قضوا بالانفجار، فيسألها بلهجةٍ ساخرة: "أنت بحزب سياسي وبس عزيتي أصحابك؟"، وفي كلّ مرة حاول ضيفاه التنصل من مسؤولية حزبيهما في ملف الإنفجار، كان لهما جعفر بالمرصاد ليذكّرهما، مرة تلو الأخرى، عن موقعهما ضمن بنية النظام.

في بلدٍ يندر فيه إعتذار الحكام من الشعب، على الأقل إن لم نقل محاسبتهم، رغم ما يقترفون من ظلم وقتل وفساد، قد لا يستغرب المرء ذهاب هذه السلطة إلى مطالبة شعبها بالإعتذار، إذ لا ينقصها أي شيء من الوقاحة والإفلاس السياسي والأخلاقي. ولا يُستغرب أيضاً أن يكون التوتر والإنفعال سيدَي الموقف في مواجهة، هي الأولى من نوعها، بين أهالي ضحايا المرفأ وممثلين عن السلطة. 

لكن الكم الهائل من الانفعال لم يصدر عن أسر الضحايا كما هو متوقع، بل عن مي خريش التي يمكن بسهولة تقليدها وسام "دراما كوين" معلّقاً في وشاح الوقاحة البرتقالي.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها