آخر تحديث:11:47(بيروت)
الثلاثاء 03/11/2020
share

هجوم فيينا كانتقام متأخر من الحروب الصليبية

وليد بركسية | الثلاثاء 03/11/2020
شارك المقال :
هجوم فيينا كانتقام متأخر من الحروب الصليبية أحد المهاجمين يحمل جنسيتيّ النمسا ومقدونيا الشمالية وكان متعاطفاً مع تنظيم "داعش" (غيتي)
ربما لا تستحق نظرية المؤامرة التي امتلأت بها مواقع التواصل الاجتماعي إثر هجوم فيينا الإرهابي، ليل الاثنين-الثلاثاء، والتي توجه أصابع الاتهام للمخابرات العالمية والماسونية العالمية بمحاولة تشويه صورة الدين الإسلامي، التوقف عندها بحد ذاتها، لضحالتها. لكن ارتباطها بالنصوص الدينية القديمة بشكل يجعلها تتكرر بمناسبة وبلا مناسبة في الأحاديث العامة المرتبطة بمستقبل الدول الإسلامية، يجعلها زاوية مثيرة للاهتمام عند محاولة فهم العقلية التي تحتفي بالعنف في المدن الأوروبية مؤخراً.

يقول أحد المغردين في "تويتر": "أتهم فرنسا بالوقوف خلف هجمات فيينا"، ويربط آخر المشهد بالانتخابات الأميركية من دون توضيح هذا الرابط العجيب، وبشكل مشابه تتحدث تعليقات أخرى عن افتقاد الخطة الشريرة المدبرة بعناية لإلحاق صفة الإرهاب بالإسلام على اعتباره ديناً مسالماً لا يحض على العنف في تعاليمه السمحاء، إلى الإتقان الكافي في مواجهة الذكاء العربي الحاد، الذي ينجح مجدداً في تصويب الوقائع، بالقول أن المسلمين أنفسهم هم أكثر من تعرض للإرهاب، في إشارة للحروب التي شنتها دول غربية خلال السنوات الماضية في الشرق الأوسط لمكافحة التنظيمات الإرهابية نفسها.

وتفترض النظرية التي تتواجد في عشرات المقالات في الإنترنت أيضاً، أن الغرب يعادي الإسلام بأشكال متعددة لأنه يشكل خطراً على الهيمنة الغربية على العالم بسبب قدرته على التوسع والانتشار. ويعود المعلقون بالذاكرة إلى الحروب الصليبية لوصف "الحقد الغربي على الإسلام" ويكررون الحديث عن الحقبة الاستعمارية، وكيف فشلت الحركات المختلفة في وقف المد الغربي باستثناء الإسلام الذي يشكل برأيهم الأمل الأخير للبشرية في هذا الصراع الوجودي، الذي يريد به الرجال البيض استعباد بقية شعوب الأرض وسرقة ثرواتهم ومسح ثقافاتهم وتحقير حضارتهم. وبين الرغبة في الانتقام والرغبة في السيادة، قد لا يكون من المبالغة القول بأن العالمين الإسلامي وغير الإسلامي باتا لا يتسامحان مع بعضهما البعض، نظرياً على الأقل.

ولا ترتبط هذه النوعية من التعليقات، الشامتة ضمناً بما يجري في المدن الأوروبية وبالضحايا الذين كان ذنبهم الوحيد هو التواجد في المكان والزمان غير المناسبين، بدعاية جهادية أو عقلية راديكالية متزمتة تتحكم بها هيئات سياسية باسم الدين، مثلما يحلو لكثير من المعلقين "العقلانيين" توصيفه منذ تجدد الجدل حول عنفية الدين الإسلامي إثر قطع مراهق شيشاني رأس مدرس فرنسي في باريس لعرضه رسوماً كاريكاتورية تصور النبي محمد في حصة دراسية عن حرية التعبير. بل تشكل التعليقات والأفعال في مجموعهما تعبيراً عن حالة الحرب الأبدية التي تصور بها النصوص الإسلامية مستقبل البشرية، منذ القرن السابع الميلادي.

يذكر المتحمسون لهذه الحرب في "تويتر"، آيات كثيرة في القرآن مثل "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون"، ورغم أن بعض رجال الدين يربطون هذه الآية تحديداً بحوادث تاريخية مثل فتح مكة، فإن ذلك الرأي يبقى مهمشاً في مقابل رأي يكرره مشايخ آخرون لهم وزنهم في العالم الإسلامي مثل يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين سابقاً، يقولون فيه أن هذه النوعية من الآيات القرآنية هي نبوءات تؤكد أن "الإسلام سيظهر، وستعلو رايته ويرتفع"، قبل التحديد بأن الإسلام سيسود على المسيحية والبوذية والهندوسية واليهودية وما تبقى من ديانات حول العالم.

يتكرر ذلك في الأحاديث النبوية أيضاً التي تقول أن الأمم ستتداعى على الإسلام، مع التبشير بنصر كبير في نهاية المطاف. ويستند عشرات المعلقين على هذا الحديث بالذات لبناء وجهة نظرهم السياسية وتقديم تحليلاتهم لما يجري اليوم من هجمات إرهابية تشكل بدورها تطبيقاً عملياً لنفس النصوص الدينية. ويصبح أولئك المجرمون "أبطالاً يجهادون من أجل إعلاء كلمة الحق في وجه الباطل"، مهما كانت أفعالهم شنيعة. ولا يتعلق الأمر بمدى تبعيتهم لتنظيم محدد مقابل كونهم ذئاباً منفردة، لأن الحالتين تنطلقان من جذر فكري واحد في نهاية المطاف.

ويبدو أن ما حدث في فيينا هو انتقام إضافي للنبي محمد وتصرف نابع من "مشاعر مجروحة"، فإن هنالك تشديداً في النقاشات العامة مؤخراً على دور الإسلام السياسي في اللعب على المشاعر الدينية وتأجيج المشهد، وتحديداً ما يقوم به سياسيون شعبويون مثل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أو دول مشهورة بتصديرها للإرهاب الديني حول العالم، مثل إيران. ورغم ذلك فإن جذور التطرف في الإسلام نفسه تبقى موجودة.

وبالطبع لا يشكل كل المسلمين إرهابيين خطرين أو قنابل موقوتة، بل على العكس، يشكل المتطرفون منهم أقلية تسيء للغالبية. لكن المشكلة تكمن في أن المسلمين المتحضرين والذين يطبقون تعاليم دينهم بطريقة عصرية، يبقون أفراداً غير مؤثرين مهما كان عددهم، لأن المؤسسات الدينية التي تمثل الإسلام، تبقى جامدة، بما في ذلك "الأزهر" الذي يفترض به أن يكون مصدراً للأصوات المعتدلة نسبياً ضمن هذه المؤسساتية، والذي دعا فقط إلى إصدار تشريعات عالمية تجرم السخرية من الرموز الدينية، بدلاً من مداواة الجرح الحقيقي والعمل على الترويج لإصلاح حقيقي للدين، مثلما حصل مع أديان أخرى عبر التاريخ، كالمسيحية بعد عصر النهضة.

ولا بد من التذكير مجدداً، بأن "الأزهر" نفسه رفض تكفير "داعش" مراراً، لأن الدموية التي طبقها التنظيم لم تكن مجرد اجتهادات شخصية أو عنفاً مجانياً، بل كانت تطبيقاً للنصوص الدينية بحرفيتها لا أكثر، وإن خلق ذلك صدمة لدى كثير من المسلمين بسبب رؤية تعاليم دينهم تطبق فعلياً في القرن الحادي والعشرين، فإنه لم يتطور نحو حركة أكثر جدية تدافع عن حقوق الإنسان، بدلاً من الحركات التي اتبعت أسلوب دفن الرؤوس في الرمال وطالبت بتحسين صورة المسلمين التي شوهها "داعش" فقط. وهو ما يحدث مجدداً اليوم بعد الجرائم الإرهابية في الدول الأوروبية خلال الشهر الأخير.

وللدلالة على الجمود في المخيلة الإسلامية العامة، يمكن ملاحظة استعادة بعض المغردين والكتاب قولاً قديماً لأوربان الثاني من خطبة كليرمونت التاريخية العام 1095 للاستدلال على خوف الغرب من الإسلام: "أيها الجنود المسيحيون: اِذهبوا وخلِّصوا البلاد المقدسة من أيدي الأشرار، اِذهبوا واغسلوا أيديكم بدماء أولئك المسلمين الكفار". ورغم أن تلك الحروب حدثت قبل نحو ألف عام في حقبة كانت الأديان فيها عامل دفع للحضارة الإنسانية بمساهمتها المباشرة في تشكيل الدول والإمبراطوريات التاريخية، فإن الوقوف عندها وجعلها سبباً مباشراً لكل ما يجري اليوم، يؤكد أن الأديان اليوم باتت عائقاً ليس فقط أمام الحضارة بل أمام الحياة نفسها.

ويتم استذكار عشرات الحوادث الأخرى من التاريخ السحيق، للقول بأن الإسلام مستهدف ومحاصر، ولا تتم الإشارة للديموقراطية المعاصرة في الدول الغربية التي تعطي الحق في المواطنة للأفراد بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية، بعكس الدول الدينية السائدة في الشرق الأوسط حتى اليوم، كما لا يلاحظ أولئك المتشنجون كمية الرأفة التي أظهرتها الدول الغربية تجاه اللاجئين الهاربين من دول إسلامية مزقتها الحروب والصراعات، ولا يرون أيضاً كيف وصل مسلمون إلى مراكز عليا في الدول الغربية، بما في ذلك الكونغرس الأميركي نفسه، بل يصبح كل ذلك بطريقة ما جزءاً من المؤامرة لسرقة أبناء المسلمين وحرفهم عن دينهم الحقيقي.

وإن كانت النقاط السابقة جزءاً بسيطاً من حقائق أوسع تظهر كيف تجاوزت الدول الغربية ذلك الماضي المظلم من الصراع على أساس ديني، فإن استمرار الصراع من طرف واحد على الأقل، قادر على توليد رد فعل مضاد، يجسده حتى الآن النمو السريع لتيارات اليمين المتطرف في أوروبا، ما يشوه معنى الديموقراطية نفسها، عبر سعي مؤيديها بدافع الخوف والإحباط إلى عزل أنفسهم على طريقة "أميركا أولاً"، مكررين عبارات بأن قيم الحضارات الأخرى لا تتواءم مع قيم الحرية الغربية. ويعمل هذا الاستقطاب، ضمن عوامل أخرى، على خلق ديناميات سياسية خطيرة وغير متوقعة، كوجود شعبوي أخرق مثل دونالد ترامب في البيت الأبيض أو احتمال إعادة انتخابه لأربع سنوات أخرى بعد ساعات قليلة فقط. والمخيف فقط في هذا الطرح، هو احتمال أن يكون صحيحاً فعلاً بسبب الفجوة الحضارية.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها