آخر تحديث:13:55(بيروت)
الإثنين 16/11/2020
share

مات وليد المعلم.. ولم تختف أوروبا من الخريطة!

وليد بركسية | الإثنين 16/11/2020
شارك المقال :
مات وليد المعلم.. ولم تختف أوروبا من الخريطة! هو الذي "لم يعرف" بومبيو.. ودعا الدول الراغبة في قصف سوريا إلى التعاون مع دمشق (غيتي)
مات وزير الخارجية السوري وليد المعلم ولم تختف أوروبا من الخريطة بعد. مقاربة لا بد منها عند الحديث عن الرجل الذي شغل منصباً حساساً في نظام الأسد طوال 14 عاماً، لم يشغله قبله سوى شخصين اثنين، هما عبد الحليم خدام الذي انشق عن النظام بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري العام 2005، وفاروق الشرع الذي غاب عن الأنظار إثر الثورة السورية وتتحدث الأنباء باستمرار عن وضعه تحت الإقامة الجبرية.


وإن كانت الشماتة هي العنوان الأبرز الذي غمر تفاعل السوريين مع الأنباء التي أعلنها التلفزيون الرسمي في وقت مبكر، فجر الاثنين، فإن النكات على تصريحات المعلم الهزلية، كانت حاضرة، ربما لأن المعلم لم يُعرف بأي إنجاز دبلوماسي حقيقي ولم يكن له حضور مهيب مثل مسؤولين آخرين في النظام السوري، حتى في حقبة ما قبل الثورة السورية العام 2011، مع شخصيته الهادئة ونظراته التي يبدو عليها أثر التعب وصوته الذي يبث النعاس في قلب من يستمع إليه.



وعمل المعلم في الوزارة طوال 56 عاماً، وهو متزوج ولديه ثلاثة أبناء وحاصل على شهادة بكالوريوس في الاقتصاد من جامعة القاهرة العام 1963، وخدم سفيراً في جمهورية رومانيا بين العامين 1975 و1980، وشغل مدير إدارة التوثيق والترجمة في وزارة الخارجية بين العامين 1980 و1984، ثم مديراً لإدارة المكاتب الخاصة بين العامين 1984 و1990. ثم سفيراً في الولايات المتحدة طوال عقد التسعينيات، قبل تعيينه معاوناً لوزير الخارجية العام 2000 ثم نائباً له العام 2005، وصولاً لشغله منصب وزير الخارجية العام 2006، الذي بقي تاريخياً حكراً على أشخاص ينتمون للطائفة السنية في البلاد، لخلق وهم بعدم وجود أبعاد طائفية ضمن النظام الأقلوي نفسه.

ومن محو أوروبا من الخريطة، إلى التساؤل عن هوية وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك العام 2019 بالقول: "مين بومبيو.. أنا ما بعرفو"، وليس انتهاء بدعوة مَن يريد "العدوان" على سوريا إلى التنسيق مع النظام السوري بهذا الصدد، أثار المعلم (79 عاماً) إعجاب الموالين بـ"برودة أعصابه" وإن كان مستوى الإعجاب لا يصل إلى الإعجاب الذي يحظى به "أسد الدبلوماسية" بشار الجعفري الذي يشغل منصب سفير النظام لدى الأمم المتحدة، والمشهور بتصريحاته "النارية" وأكاذيبه الوقحة.


على أن البرود الذي كان المعلم يقدمه كوزير للخارجية، بعد العام 2011، بموازاة التصريحات الأكثر عنفاً من قبل مسؤولين آخرين في الوزارة نفسها، يبقى ضرورياً للنظام الباحث عن التوازن في خطابه للدول الغربية، وهي مهمة دقيقة تعود إلى سبعينيات القرن الماضي إثر استيلاء حافظ الأسد على السلطة في البلاد في انقلاب عسكري. ويمكن تلمسها لدى الرئيسين بشار الأسد وحافظ الأسد أيضاً، عند محاصرتهما بالأسئلة من قبل صحافيين، أو عند مواجهة النظام منعطفات مصيرية، وهو ما تكثف بعد الثورة السورية التي كان فيها الخطر المحيط بالنظام كبيراً، لأنه ناجم عن ثورة شعبية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لدرجة أن النظام فقد السيطرة على أكثر من نصف مساحة البلاد بحلول العام 2015.

ومن المثير للاهتمام أن جزءاً من عمل وزارة الخارجية في هذا الإطار يصبح موجهاً للشعب السوري نفسه، من أجل خلق الوهم بوجود القوة لدى النظام السوري لتحدي "الرأسمالية والإمبريالية والمؤامرة الكونية"، وغيرها من المصطلحات التي يبرر بها النظام السوري البؤس الذي يحرص على نشره في البلاد بشكل ممنهج على صعيد الخدمات والأداء الاقتصادي والمعيشي، وهي خاصية يمكن تتبعها حتى اليوم في خطاب النظام عموماً عند ملامسة الواقع الاقتصادي في البلاد والذي دفع السوريين مطلع العام الجاري، في مناطق موالية مثل السويداء إلى التظاهر في الشوارع للمطالبة بتغيير النظام وتحسين الأوضاع المعيشية.

ولا يأتي هذا البحث عن التوازن من قوة النظام ولا من عجزه في الواقع، بل من تراكم خبراته وإتقانه في الواقع للعبة الدبلوماسية التي تطلب تقديم حيز للمناورة وشراء الوقت، ومعرفته بكيف يعمل النظام السياسي والقانوني في العالم عموماً، بعكس المعارضة السورية التي انكفأت نحو النشاط الإلكتروني والحشد الإنساني العاجز للأسف عن إحداث أثر حقيقي مهما كانت القضية نبيلة في جوهرها. ويشكل ذلك الإطار العام مدخلاً لفهم كيفية بناء الخطاب الرسمي دبلوماسياً وإعلامياً أيضاً.



ففي التصريح الذي يتم الوقوف عنده باستمرار، والذي يدعو فيه المعلم الدول الأجنبية الراغبة في قصف سوريا إلى التعاون مع دمشق، على سبيل المثال، يقدم المعلم كمية من التناقضات التي تبدو هزلية وخرقاء، إلا أنه في الواقع  يقدم ضخاً دعائياً على مستويات عديدة، ليس فقط لتجريم أي تحرك عسكري ضد النظام، بل أيضاً لتقديم مبررات لا يحتاج إليها أصلاً، في ما يخص كل مجزرة أو جريمة حرب قام بها أو يريد الإقدام عليها. وضمن الخطاب نفسه، وفي التحليلات اللاحقة عليه، يتم تحديد العدو بأنه الإرهاب الإسلامي، وتقديم نظام الأسد كشريك في الجهود الدولية للقضاء على الإرهاب. وتصبح هنالك ضمناً، على الطريقة المكيافيللية، ضرورة لقتل عدد إضافي من المدنيين من أجل الوصول إلى نهاية الحرب، التي تعني، وفق المنطق الرسمي، استعادة السيطرة الكاملة على الأراضي السورية، ويصبح كل ما جرى وسيجري في البلاد، جهداً للقضاء على الإرهاب نيابةً عن المجتمع الدولي.

وإن كان ما سبق يأخذ شكل نكتة من ناحية الطريقة التي يتحدث بها المعلم، فإن أبعادها تبقى معروفة إلى درجة أن هذا الأسلوب يتم تدريسه في الجامعات السورية، ضمن مقررات جامعية في كليات الإعلام والعلوم السياسية، التي تحضّر الطلاب لأداء هذه الأدوار الدعائية. ويتم وصف ذلك بأنه "استراتيجية ذكية" تقوم على حرف الأنظار عن الموضوع الأصلي نحو شيء مختلف تماماً يخلق حالة من التعتيم على السؤال المحرج أو الموضوع الأصلي الذي تتطلب الظروف والمعطيات تجاهله من أجل كسب مزيد من الوقت والمناورة. ومن غير المرجح أن يختفي هذا الأسلوب، بغض النظر عن هوية الشخص الذي سيخلف المعلم في منصبه، فيما يمكن المجادلة بأن مهمة المعلم نفسها، لم تتخطّ دور المتحدث باسم النظام وتمثيله، لا رسم سياساته الخارجية أسوةً بالكثير من دول العالم.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها