آخر تحديث:15:59(بيروت)
الأربعاء 11/11/2020
share

لغز وفاة ياسر عرفات.. سرّ دبلوماسي طبيّ بحوزة فرنسا

حسن مراد | الأربعاء 11/11/2020
شارك المقال :
لغز وفاة ياسر عرفات.. سرّ دبلوماسي طبيّ بحوزة فرنسا المستشفى العسكري يحتفظ بأسرار قيادات عربية ومحاط بالسرية
رغم مرور 16 عاماً على رحيل ياسر عرفات، إلا أنه لم يفارق الذاكرة الفلسطينية والعربية. يكفي النظر إلى مواقع التواصل الاجتماعي في ذكرى وفاته من كل عام: أنصاره يستعيدون "مسيرته المجيدة"، فيما يراها خصومه مناسبة للتذكير "بخيانته للقضية". 

لا يختلف اثنان على أن شخصية عرفات مثيرة للجدل، لا سيما في فترة ما بعد اتفاق أوسلو، لكن هذا ليس السبب الوحيد لاستذكاره. فالغموض ما زال يحيط بظروف وفاته التي تطرح من الأسئلة أضعاف ما تقدم من الأجوبة، خصوصاً بعد التحقيق الاستقصائي الذي أجرته قناة الجزيرة العام 2012 ورجحت فيه تسميم الرئيس الفلسطيني الراحل بمادة البولونيوم. إلى جانب التصريحات الإعلامية لعدد من القيادات الفلسطينية جزموا فيها بوفاة غير طبيعية لعرفات. 


ومن يتناول الفصل الأخير من حياة "الختيار"، لا يمكنه إلا التوقف عند رحلة العلاج الفرنسية التي واكبها العالم خطوة بخطوة. ففي اليوم التالي لوصوله إلى باريس "لم يبقَ تلفزيون من أميركا اللاتينية من اليابان من الهند من السند من أميركا ولم يحضر إلى محيط المستشفى"، بحسب ما قالت سفيرة فلسطين السابقة في فرنسا ليلى شهيد.

استقبال فرنسا لياسر عرفات وتوفير العلاج له ليس استثناء، بل محطة من محطات "الدبلوماسية الطبية الفرنسية". ففرنسا تعدّ واحدة من الدول التي تمنح تأشيرات للأجانب الراغبين في تلقي العلاج في مستشفياتها. أداة دبلوماسية تحتمل المقاربة من زوايا متعددة: 
في المقام الأول، تعتبر تأكيداً على تمسك باريس بمبادئ حقوق الإنسان من خلال توفير الرعاية الصحية لمن يحتاجها. على خط مواز، السفر بغرض العلاج عادة ما يكون للتداوي من مرض نادر و/أو بلغ مراحل متقدمة. وإذا كان المريض من الشخصيات العامة التي تجذب اهتمام وسائل الإعلام، ففي الأمر تسويق للتقدم العلمي الفرنسي وإشارة إلى كفاءة كادرها الطبي، خصوصاً إذا تكللت رحلة العلاج بالشفاء.

أما الجانب الثالث، والأبرز، فهو البعد السياسي للمسألة. فاستقبال فرنسا لشخصيات أجنبية تشغل مناصب رسمية في بلدانها يولد انطباعاً عن طبيعة علاقاتها الخارجية. وعليه، لا يمكن فصل قرار توفير العلاج لعرفات عن الإيجابية التي أبداها "الدكتور شيراك" (كما كان يناديه عرفات) تجاه الشعب الفلسطيني. 

ولباريس منفعة من اللجوء إلى تلك الأداة الدبلوماسية. على سبيل المثال، بعد نيل المستعمرات الافريقية استقلالها عن فرنسا، حرصت الأخيرة على التشبّث بمصالحها الاقتصادية في تلك البقعة الجغرافية. بالتالي، فور تدهور الحالة الصحية لأحد الزعماء الأفارقة، كانت تنتهز الفرصة لتأكيد وتعزيز نفوذها: بداية عبر غرس شعور لدى هذا الزعيم أو ذاك، بأنه مَدين لفرنسا بإنقاذ حياته.  

ثانياً لمواكبة الموقف عن كثب، لا سيما إذا بلغت الحالة الصحية مرحلة اللاعودة، ما يستدعي التحضير لانتقال السلطة. ففي منتصف الستينيات، كان الرئيس الغابوني، ليون إمبا، يتابع العلاج في باريس. عند التأكد من تدهور حالته الصحية، ضغط الاليزيه بقوة لإجراء تعديل دستوري واستحداث منصب نائب الرئيس على أن يتولاه عمر بونغو، وذلك لضمان الحفاظ على المصالح الفرنسية بعد وفاة إمبا. استراتيجية متبعة لغاية اليوم، ولعلها تفسر سبب استقبال باريس للمشير خليفة حفتر، قبل عامين، عند تعرضه لنزيف في الدماغ كاد يودي بحياته ونتج عنه حراك دبلوماسي دولي لترتيب خلافته.  

استقبال فرنسا لشخصيات مؤثرة تشكل فرصة لها لترتيب أوراقها في الوقت المناسب، مستفيدة كذلك من قدرتها على التحكم بتوقيت نشر المعلومات المتعلقة بتطور الحالة الصحية. 

فالعلاج الذي تتلقاه الشخصيات الرسمية غالباً ما يكون في مستشفى عسكري، أي داخل مبنى خاضع لسلطة وزارة الدفاع حيث تتحكم الهرمية العسكرية بجميع العاملين فيه ومن دون الالتزام المطلق بمعايير الشفافية. وإلى جانب الدور الذي تؤديه وزارة الدفاع الفرنسية في رحلات العلاج هذه، تلعب وزارة الخارجية دوراً على مستوى "حماية الضيف" عبر إجراء تقييم لدرجة أهميته والمكانة التي يحتلها داخل بلده، وعلى أساسه تجري صياغة الاستراتيجية الإعلامية الأنسب للتعامل مع الموقف. 

وما يمنح فرنسا "أفضليّة" على باقي الدول، في استقبال القادة الأجانب، هو نظامها السياسي شبه الرئاسي. نظام دفع برؤساء الجمهورية الخامسة إلى اخفاء حقيقة وضعهم الصحي حتى لا تضعف سلطتهم. المثال الأبرز هو احتفاظ فرنسوا ميتران بسرّ اصابته بسرطان البروستات طوال 11 عاما في أوضح دليل على امكانية تقنين نشر المعلومة الطبية لأي غرض آخر. 

في نظر الساسة الأجانب، طبيعة النظام السياسي الفرنسي تجعله قادراً على التجاوب معهم، ما يحفزهم على التوجه إلى فرنسا لضمان الابتعاد عن عيون الصحافة ودرء المؤامرات. فبعضهم يتربع على رأس أنظمة لا تعرف تداولاً سلمياً وديموقراطياً للسلطة وتشهد صراع نفوذ بين مختلف أجنحة النظام. في بيئة مشابهة، تشكل حياة الرئيس محطة مفصلية، ما يحيلنا أيضاً إلى رغبة فرنسا في تتبع التحولات التي تشهد مناطق نفوذها.  

إلا أن السرية التي يلهث خلفها الزعماء هي في الواقع سلاح ذو حدين. ففي العام 2013 أراد الإعلام الجزائري "طمأنة" الجزائريين إلى الوضع الصحي للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة. نُشرت له لقطات مصورة تظهره مجتمعاً برئيس وزرائه ورئيس هيئة أركان الجيش، لكن تفصيلاً أجهض الدعاية الرسمية، إذ بانت صورة الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند المثبتة على أحد جدران الغرفة.

صورة هولاند ولدت انطباعاً سلبياً لدى الجزائريين بعدما ظهر رئيسهم برعاية طبية فرنسية، ما دل على افتقاد بلدهم للبنى التحتية اللازمة. يضاف إلى ذلك احتقان الشارع الجزائري بسبب التعتيم الإعلامي الذي مورس طوال الفترة التي سبقت نشر الصور، ليتضح في النهاية عجز بوتفليقة عن أداء مهامه بخلاف الدعاية التي حاولت تصويره بكامل قوامه. وتعززت تلك السلبية لتصل إلى حد الشعور بالمهانة بعد ترشحه، في العام التالي، للانتخابات الرئاسية. 

ومثلما ينطوي قرار العلاج في فرنسا على دلالات سياسية، كذلك الأمر عند الامتناع عن التوجه إليها. ففي العام 2009، قرر الرئيس الغابوني، عمر بونغو، تلقي العلاج في إسبانيا بدلاً من فرنسا، ما اعتُبر مؤشراً على تدهور العلاقات الفرنسية - الغابونية.  

ودلت التجارب السابقة أن كفة الميزان قد تميل لصالح الحسابات السياسية على حساب الاعتبارات الإنسانية. فحضور الأمين العام السابق للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين جورج حبش، في العام 1992، إلى مستشفى خاص في باريس لتلقي العلاج، أثار ردود أفعال ساخطة في الأوساط الفرنسية الداعمة لإسرائيل، ما اضطر السلطات الرسمية إلى الطلب من حبش مغادرة اراضيها.   

تختلف مقاربة القيادات الفلسطينية لأسلوب إدارة السلطات الفرنسية لملف وفاة ياسر عرفات: بين من يوجه إليها اللوم منتقداً "تقصيرها" في كشف الحقيقة، ومن يتفهم القرار السياسي الفرنسي، معتبراً أن فتح هذا الملف على مصراعيه يحتاج إلى ظرف مغاير. فعلى الأقل، لم تكذب باريس بل "تكلمت بلغة تمكّن من يريد أن يفهم لكي يفهم"، وفقاً لناصر القدوة، ابن شقيقة الرئيس الفلسطيني الراحل. 

هذا التباين يشير ضمناً إلى الدور المحوري لفرنسا في هذه القضية، قضية تحولت إلى فصل من فصول المواجهة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. هو دور يعزز الثقل الدولي الذي تتمتع به باريس، على اعتبار أن الملف الطبي لعرفات محفوظ في أدراجها، وهي الغاية من الدبلوماسية الطبية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها