آخر تحديث:19:30(بيروت)
الخميس 29/10/2020
share

إرهاب نيس كجريمة سياسية تجاوزت الدين

نذير رضا | الخميس 29/10/2020
شارك المقال :
إرهاب نيس كجريمة سياسية تجاوزت الدين موقع الجريمة في نيس (رويترز)
واحدة من أبرز الثغرات الأوروبية في استراتيجيات مواجهة التطرف العنيف، أنها تركت هامشاً من الحرية الدينية، يتيح للمتدينين الالتفاف حوله بالمفاهيم الموروثة نفسها التي حُملت منذ مئات السنين. وتركزت المقاربات عند الفقر، والبطالة، والتعليم، والتربية المنزلية... من غير أن تمارس رقابة على الخطاب الذي لم يعد ابنه بيئته الجغرافي، وبات مؤثراً، بفضل مواقع التواصل الاجتماعي، من وراء الحدود.

تلك المعضلة الاساسية، أدت الى قطع رأس امرأة فرنسية في كنيسة في مدينة نيس الفرنسية، اليوم الخميس. ففرنسا، ودول أوروبية أخرى، تمثل للمهاجرين، جزءاً من أحلامهم بحثاً عن حياة هادئة وكريمة وآمنة. وإذ نال هؤلاء الجزء الاكبر من حقوقهم المدنية، فإنهم لم يعزلوا وجودهم الجغرافي عن بيئة مفترضة جاؤوا منها في وقت سابق، ومعظمهم لم يختبرها الا بالقصص والروايات والكتب الدينية المليئة بمفاهيم العنف.

أتاحت فرنسا، ودول غربية أخرى، مساحة كبيرة من الحرية الدينية. ما زال أئمة المساجد يستنهضون مفاهيم الماضي الديني في خطبهم، وما زالت الكتب المفسِّرة لأصول الدين وفروعه، فاعلة بما لا يرتقي الى مستوى تقييدها.

تحت عنوان الحرية الدينية، يمتلك المسلمون هامشاً كبيراً من التفكيرين الموروث والنقدي، وما بينهما "حنين" توصله الكتب الى زمن الاقتصاص والالغاء، وتلك معضلة كبيرة، لم تقاربها فرنسا بالنمط الذي قاربتها فيه دول عربية واسلامية أخرى، بينها الأردن والمغرب ومصر ولبنان لجهة تغيير المناهج التربوية للدروس الدينية، منذ العام 2009 على الاقل.

وبدلاً من اتجاه مشابه، جدي وفاعل لتقويض التطرف الاسلامي العنيف الذي اختبرته فرنسا بقسوة منذ العام 2015، اتجهت باريس الى معالجة فولكلورية، تثير السخط لدى المسلمين بما يتخطى القدرة على التغيير في المفاهيم الموروثة من خطاب محبط ورجعيّ.

لم تكن تولية امرأة في موقع إمامة المصلين الا نكتة طريفة، تثير سخط المتأسلمين بما يتجاوز توجيههم الى الوسطية. وبدلاً من تعزيز مفهوم المواطنة في الخطاب القائم لدى أئمة المساجد والعائلات، تركت الخطاب سارحاً بلا ضوابط أمنية، يفترض أن تتعزز، بمعزل عن الانتقادات لتوجيه مفترض نحو الاعتدال، على الاقل على خط رجال الدين ومفاتيح المهاجرين وعائلاتهم.

كل هذه العثرات، بالتأكيد، لا تبرر الفعل الشنيع الذي شهده العالم، واستنكره في العلن، ودانته الدول الاسلامية. تلك الدول التي استنكرت في وقت سابق "الإساءة للرسول محمد" في تصاوير "شارلي ايبدو"، فجيّشت مسلمي فرنسا والمؤدلجين منهم على وجه الخصوص، بالنظر الى ان الاستنكار بدا تقليباً لرأي عام اسلامي فرنسي محتقن، تفجر في جريمة نيس اليوم الخميس.

هو الخطاب المحرّض إذن من وراء الحدود. فالاستنكار بلغة توحي بأن ما جرى فعل شنيع، شجّع على رد الفعل، ولو أن جريمة نيس لا تنم عن ردّ فعل، بقدر ما تكشف أنياباً ارهابية تقيم في واحدة من أقدم الديموقراطيات في العالم، وتعبث بحرياتها، وتمارس فيها الاجرام تحت ستار ديني.

فالخبر الآتي من نيس، محاط بمدلولات رمزية ذات اسقاطات تاريخية، تفيد، بما لا يحمل الشك، بأن الجريمة أبعد من رد فعل. هي جزء من اقتصاص سياسي مارسه المسلمون في معرض الغاء الآخرين منذ العصر الأموي، كامتداد للاقتصاص السياسي في القيم البدوية في الجاهلية، وهو المتمثل بقطع الرؤوس. فقطع الرأس، ليس جريمة دينية. هو جريمة سياسية، لها جذورها التاريخية وابعادها الابستيمولوجية، حتى لو أنكر المسلمون ذلك، أو ذهبوا الى استفاضة تبريرية في مواقع التواصل الاجتماعي، لا تُصرف عند أحد.

ما تناقله المسلمون من تأسف في مواقع التواصل، ليس أكثر من "رفع عتب" على جريمة لا يمكن أن تُبرر، وهو خليط من اوهام ونظرية مؤامرة، تُخرِج الجريمة من سياقيها الجنائي، وتضعها بعهدة "اجهزة مخابرات" ومصالح سياسية، فيما تصرف النظر عن موروث من الخطاب العنفي يتغذى باستنكارات وإدانات لرسوم "شارلي ايبدو". 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها