آخر تحديث:14:52(بيروت)
الأربعاء 28/10/2020
share

تلفزيون الثورة: تجربة فاشلة تتخبط بالاستقالات والتبييض للسلطة

يارا نحلة | الأربعاء 28/10/2020
شارك المقال :
تلفزيون الثورة: تجربة فاشلة تتخبط بالاستقالات والتبييض للسلطة تعهد في اعلان قرأته غريس الريّس بإزالة الخطوط الحمراء، قبل أن تظهر استثناءات السياسة والمال: على من الثورة إذن؟
غير موفقة هي إنطلاقة تلفزيون "الثورة اللبنانية" التي إستمرّ التحضير لها طوال أشهر من دون أن تُرى ثمارها. 

وبينما عزا القيّمون هذا التأخير، إلى أوضاع البلد وكورونا، يبدو أن تنظيم البيت الداخلي كان أحد أسباب تعثّر إنطلاق هذا المشروع مرات عديدة على مدى العام الماضي. فالإستقالات من التلفزيون سبقت إقلاعه، والأخطاء التي وقع فيها في أولى إعلاناته الترويجية أكبر من أن يغتفر لها، هذا بالإضافة إلى إلتباس أهدافه وغاياته، ناهيك عن مصادرته صوت الثورة واللبنانيين عامةً.


أخطاء فادحة

تلفزيون الثورة الذي تعهّد، بلسان غريس الريس، بأنه سيتجاوز كل الخطوط الحمر عبر انتقاد فساد السياسيين ورجال الدين والمؤسسات الناهبة والأجهزة الأمنية، بدأ مسيرته بالدفاع عن- وليس الهجوم على- بعض أركان النظام اللبناني المذكورة. فبعد إختياره، على نحو إعتباطي لم تُفهم أسبابه، تبييض صفحة الوزير العوني الياس بو صعب باعتباره "أنجح الوزراء باعتراف معظم اللبنانيين"، لجأ التلفزيون في إعلانٍ لاحق إلى الدفاع عن المصرف المركزي، لكن ليس بالأسلوب المباشر ذاته لفيديو بو صعب. 


فقد جاءت محاولة تبييض صورة مصرف لبنان من خلال حصر تهمة الفساد في جمعية المصارف. وقد ركّز الفيديو على أنه لا يد لمصرف لبنان بوضع سقف للسحوبات بالليرة اللبنانية وأن "الجمعية كذبت" حين عزت هذا القرار إلى المصرف. وعليه، بحسب التلفزيون، قام حاكم مصرف لبنان باستدعاء الجمعية و"توبيخها لأنها اتخذت إجراء ضد مصلحة المواطنين"، كما طالبها بالتزام المصارف بتلبية حاجات المودعين واكّد إستعداد المصرف المركزي تأمين المبالغ المطلوبة لإستيراد السلع الأساسية.

في رواية "تلفزيون الثورة"، يظهر رياض سلامة حليفاً للمودعين وحامياً لمصلحة اللبنانيين من أنياب المصارف. بصرف النظر عن مصدر هذا القرار (سقف السحوبات)، ليس هناك ما يستدعي رسم هذه الصورة الحسنة لرياض سلامة، حتى إن كان ذلك في إطار الهجوم على جمعية المصارف، ذلك أن شرّ أحدهما لا ينفي مسؤولية الآخر. 


وعليه، لا يمكن فهم هذا الخطاب المريب لـ"تلفزيون الثورة" سوى أنه محاولة لتبرئة حاكم مصرف لبنان، ما يشي بأن عنوان "الثورة" يخبىء خلفه أجندات كامنة وغير معلنة لا تمتّ للثورة بصلة بل أنها قد تجسّد الثورة المضادة.

فوضى البيت الداخلي
أعلِن للمرة الأولى عن إنطلاق تلفزيون الثورة في شباط/فبراير الماضي، ثم أرجئ هذا الموعد إلى آب/أغسطس، ومن ثمّ إلى شهر تشرين الأول/اكتوبر، تزامناً مع الذكرى السنوية للثورة. كورونا، الإنهيار الإقتصادي، الأوضاع الأمنية، وإنفجار المرفأ هي، وفق فريق التلفزيون، بعض أسباب تأخر إطلاق التلفزيون ما يقارب سنة كاملة. 

إلا أن هذه الحجج لا تبدو أسباباً مقنعة لعرقلة منصة إلكتروينة، خصوصاً أنها تتضمن أسماء كثيرة ووجوه معروفة. وعندما إنطلق التلفزيون أخيراً، تبيّن أن سلة برامجه خفيفة جداً وما زالت غير مكتملة، ولم يرَ منها المشاهد بعد سوى إعلانات تتعهّد وتتوعّد، بالإضافة إلى برنامج كوميدي منفرد هو "برنامج الشو اسمو"، من كتابة زياد سحاب وتقديم وسام كمال ولمياء مغنية. 

وكي لا ندخل في متاهة نقد هذا العمل وقيمته، سنكتفي بالقول بأنه لا يتناسب بتاتاً مع إنطلاقة وسيلة إعلامية، ناهيك عن كونها وسيلة تدعي الجدية. فاذا كان هذا البرنامج هو أفضل ما لدى التلفزيون لتقديمه، فإنه في ورطة فعلية.


كما شاعت أخبار كثيرة عن تعثّر إقلاع هذا التلفزيون بسبب الفوضى الداخلية التي تعمّه، على المستوى السياسي المتجسّد بتحديد توجهات وأهداف الخطاب السياسي لهذه المنصة، وأيضاً على المستوى العملي مع إنعدام خبرة المؤسسين في إدارة وسيلة إعلامية. وقد ثبت صدق هذه الأقاويل مع إنسحاب عدد من الإعلاميين في اللحظات الأخيرة قبل الإقلاع، ومنهم ماتيلدا فرج الله، والتي كان من المفترض أن تشغل منصب الإشراف على البرامج لـ"الأخبار"، وجنيد زين الدين الذي كان من المقرر أن يقدّم برنامجاً كوميدياً. 

وفي إتصالٍ "المدن" مع فرج الله للإستفسار عن أسباب إستقالتها، إكتفت الأخيرة بالحديث عن "إختلافات حول آلية العمل"، مشيرةً إلى أنها لا رغبة لديها بتقديم أي إيضاحات أو تعليقات بشأن التلفزيون. هذا بالإضافة إلى تنصّل البعض من أي علاقة تربطهم بالمشروع، مثال الإعلامية ورئيسة "حزب سبعة" السابقة غادة عيد، التي ظهرت ضمن وجوه التلفزيون في البرومو الترويجي، لكنها أكّدت للإعلام أنها ليست جزءاً من المشروع وقد فوجئت حين إكتشفت الترويج لإنخراطها فيه.

مشاكل كثيرة تعتري إنطلاقة تلفزيون الثورة، بدءاً من فكرته وعنوانه ووصولاً إلى مضمونه وأدائه. فهو تجربة محكومة بالفشل منذ ما قبل ولادتها، ذلك أنها تَعِد بما لا يمكن تحقيقه (أن يكون التلفزيون "المساهم الأول لبناء لبنان جديد")، وتختزل بغرورها ما لا يمكن حصره في منصة إعلامية واحدة. فتقديم ثلة من الوجوه الإعلامية البارزة، والتي لطالما كانت وجوهاً لإعلام السلطة، لا يعطي هذه المنصة قيمة تمثيلية للثورة، ولا يجعلها أداة من أدواتها. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها