آخر تحديث:20:00(بيروت)
الأحد 25/10/2020
share

"قصصنا".. خيبات اللبنانيين وآمالهم في منصة

زكي محفوض | الأحد 25/10/2020
شارك المقال :
"قصصنا".. خيبات اللبنانيين وآمالهم في منصة
عندما يبصر مشروع شبابي جديد، مثل "قصصنا"، النور يزداد الفضول لتفقّد محتواه والاطلاع على ثمار عقليات فتية طالما كانت مرمى للتعيير والاتهام بالتهوّر عبر الأجيال. 

عقليات فتية ساهمت في "ثورة" منذ سنة، فقمعها الأكبر سنّاً لأمراض مزمنة تفتك بعقولهم التي تتحجّر مع العمر. وبعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، حملت المكانس والرفوش، وحلّت محل دولة غائبة في جيوب فاسدين وأحزاب متنطّحة وجمعيات طمّيعة، وتطوّعت في عملية إنعاش وطن يُنازع.

وفي منصّة "قصصنا"، انخرطت عقليات مرنة ورشيقة. وهي منصة شبابية حقوقية تُحاكي هموم الشباب وأحلامهم بأصواتهم. وتنفذ المشروع جمعية "دواير" بالشراكة مع مؤسسة "الجنى" و"أكاديمية دوتشيه فيله" الألمانية. 

الداخل إلى المنصة يلفته المحتوى في الشكل أولاً: كبسولات فيديو مدّة كل منها دقيقة واحدة، فلا إطالة إذاً ولا حشو. كل منها يتّجه مباشرة إلى لب الموضوع وجوهر المسألة. وهذا الإيجاز يتطلّب ممن يتوسّله طريقة لطرح مسألة معيّنة أن يبسّط فكرة المعالجة من دون أن يضيّع جوهر المشكلة. كما يدفعه إلى أن يكون كريماً في رمي ما لا لزوم له. وأما التنفيذ فيستدعي اختزال عناصره وأدواته وكثير من الابتكار.

زينب اسماعيل من الشيّاح، هي من بين "صحافيي الموبايل" الذين يغذّون منصةّ "قصصنا". وذِكْر المنطقة ضروري لأن المشروع يطاول 5 مناطق لبنانية ومخيّمات اللاجئين فيها، ويُعنى بشؤون الشبيبة (شاباتٍ وشبّاناً) وهمومها فيها. وأحد طموحاتها أن تعمل على التخفيف من الصور النمطية لمناطقها، كما ورد في فيديوهات التعريف، فضلاً عن طرح المشاكل الخاصة ومشاكل المحيط.


وبالعودة إلى عمل زينب، تناولت الصبية تحدياً، من بين تحديات فايسبوك الكثيرة، وهو محاكاة لوحات فنّية باستخدام حواضر البيت، بدعوة من المتاحف العالمية، كوسيلة لقضاء الوقت في الحجر المنزلي بسبب وباء كوفيد-19.

فكيف نفّذت زينب هذا العمل… ببراعة؟ تبدأ كبسولتها بعرض الأغراض التي ستستخدمها في المحاكاة على موسيقى فولكلورية روسية تكشف بوضوح مصدر العمل الفني. ثم تعرّف بمشروعها وتصل إلى إشهار اللوحة. إنها "ألينوشكا" (1881) للرسام الروسي فكتور فاسنيتزوف. وتظهر فيها فتاة تقعد على صخرة عند ضفة نهر، جسمها مطوي على بعضه. رأسها مرتمٍ على ركبتيها. وتبدو حزينة جداً.

أخيراً، تنتقل إلى التنفيذ وفجأة تظهر الأغراض في مواضعها الصحيحة… لمن يحضر هذا الفيديو فلينتبه إلى البصلتين الخضراوين ودورهما في محاكاة اللوحة. وأخيراً، تظهر زينب بابتسامتها المحبّبة. تجلس على صخرتها. تصفن في أفق قريب حدّدته لنفسها. تتغيّر ملامح وجهها قبل أن تحني رأسها على ركبتيها وتغرق في حزن أليوشكا. 

تنتهي كبسولة الفيديو هذه بعد أن تشرح مُعِدّته عملية البحث عن الرسام الروسي وعن قصّة ألينوشكا وسبب حزنها الذي استطاعت زينب أن تمثّله بتعابير وجهها ووضعيتها الجسمانية، خير تمثيل. 

وعمل زينب الترفيهي - التثقيفي هذا يعبّر تماماً عن أحد هموم واهتمامات الشبيبة، فهو يجمع المفيد والممتع، ما يجعل "مهنتها" جميلة، على ما وصف "الأمير الصغير" مهنة عامل الإنارة على ذلك الكوكب الضئيل. فالعمل الذي استمر دقيقة استغرق تحضيره وإعداده، أي البحث عن اللوحة والمعلومات حول الرسام والشخصية، وجمع الأدوات والمكوّنات البصرية الأخرى وإقامة الحيّز واختيار الملابس والتصوير والتسجيل وكتابة النصوص والمونتاج… استغرق أربعة أيام وكان كافياً على الأقل لقتل الملل، ناهيك بالعمل البحثي والإثراء الثقافي ونشر الوعي واستخلاص الفائدة من الاحتجاز…

هي دقيقة واحدة مكثّفة تفعل كل هذا الفعل في معدِّها ومتلقيها. وقد بدأ عدد تلك الدقائق الدسمة من صحافيي الموبايل يتزايد في المنصة، مع صدور كبسولات جديدة تتناول مسائل أخرى. والأمل معقود على أن يتوسّع فعل تلك الدقائق ليصبح أشد تأثيراً في المجتمع فتلاقي صداها في عقول منفتحة.

وقد عبّر الشبان والشابات عن المشروع بالتأكيد على أن منصة "قصصنا" تشبههم، وتعبّر عنهم من خلال تنفيذ أعمال يحبونها. كما أنها تيسّر لهم الإضاءة على مشاكل لا يتطرّق إليها الإعلام من خلال سرد قصص نجاحات وتحديات كما يرونها هم. والأهم أنها تعزز تواصلهم مع العالم وتساعدهم على بث صوت الشباب الواعي في مناطقهم، وعلى وعي حقوقهم إزاء الانتهاكات التي يمكن أن يتعرّضوا لها، كما جاء في أحاديثهم المصوّرة عن المشروع.

إلاّ أن سمة الاختزال والتكثيف لم تتحقق من دون دراسة بفضل "دواير" التي تؤدّي دور المدرّب والمشغّل. وهي جمعية نشأت في 2015، بعد أن طوّرت برامج عديدة هي: بناء السلام، حقوق الإنسان، مكافحة التنمر، صحافة الموبايل، التربية الاعلامية، الأبوة والأمومة الإيجابية. ونجحت في تنفيذ مشاريع مختلفة للشباب والأطفال، وفي بيئات يشكو معظمها التهميش من العائلة كما المجتمع.

وعبّرت الزميلة ربى أبو عمّو (هي والزميلة سارة حطيط من المدرِّبين في المشروع) عن حرص الجمعية على وضع استراتيجية عمل توفّر التمويل اللازم وتضمن استمرارية الشباب، وتالياً استمرار المنصّة في تحفيز المزيد من الشبّان والشبات، من مختلف المناطق والجنسيات. وتهدف القصص إلى تعزيز حقوق الإنسان والمناصرة بعيداً عن أسلوب إثارة العواطف أو "النقّ" الذي ينتهجه معظم وسائل الإعلام.

وتتولى الزميلتان متابعة إنتاج المحتوى، بعد أن درّبتا، مع آخرين، الشبان والشابات على التربية الاعلامية وصحافة المواطن والسرد القصصي وكتابة السيناريو والتصوير والمونتاج بواسطة الموبايل، علماً أن الجمعية تتحمّل أيضاً مسؤولية تشغيل الصفحات وصيانتها، فضلاً عن حلحلة أي تعارض يمكن أن يحصل.



شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها