آخر تحديث:19:49(بيروت)
الإثنين 19/10/2020
share

مَشاهد من دمشق التي تتداعى

سلوى زكزك | الإثنين 19/10/2020
شارك المقال :
مَشاهد من دمشق التي تتداعى ورشة إصلاح سيارات في دمشق.. قوامها الأطفال (غيتي)
تشابه
الثامنة صباحاً بتوقيت دمشق، طفل في التاسعة برفقة أمه وعمّته، يبحثون عن مركز لبيع وتفصيل الأطراف الاصطناعية في شارع الحمراء التجاري المشهور. استدلوا إلى عنوان المركز، لكنه مغلق، فراحوا يتجولون في الشارع الطويل لتمضية وقت الانتظار.
في واجهة محل لبيع ملابس الأطفال، عامل ينزع الملابس الصيفية عن أحد مجسمات العرض، فقد حان موعد عرض الملابس الشتوية. تسقط يد "المانيكان" بفعل الشد، يلتقط الطفل المشهد ويحدق بشدة في المجسّم المعروض، ينتبه العامل ليد الطفل الغائبة، يحاول زج اليد الفالتة من المجسّم بقوة وحزن، فيفشل وتسقط اليد مراراً على أرضية الواجهة.
يصرخ الطفل منادياً أمه: هذا الولد يشبهني، يده اليمنى مقطوعة أيضاً!

حبة مسكّن
يمر الوقت، ترتفع وتيرة حركة العابرين في المكان. عامل بسطة لبيع الشراشف والمنامات يئن من وجع ضرسه، يقول لزميله، أريد أن أنام. قضى ليلته متألماً بعدما أجلّ موعد العودة إلى عيادة طبيب الأسنان الذي وصف حالته بنخر عميق يحتاج لنزع العصب، مقابل مئة ألف ليرة سورية وهو لا يملكها أصلاً.
تقترب سيدة من الشاب، تمنحه حبّة مسكن للألم، يشكرها ويعلن بأنه بلا عشاء وبلا فطور، تطلب منه تناول الطعام أولاً تجنبا لتلف المعدة، فيسألها، هل أنت طبيبة أسنان؟ تجيب لا، أنا طبيبة نفسانية، فجأة وبقسوة غير متوقعة، يقول لها: أبي مجنون وأريد التخلص منه، هل بإمكانك مساعدتي بإيداعه في مشفى ابن سينا؟
تداعت إلى ذهن الطبيبة حادثة طرد أبناء لوالدهم في أحد أحياء دمشق منذ ثلاثة أيام، رموه في الشارع، وبعد يومين وتدخل أبناء الجوار، تم الاتصال بمركز لرعاية المسنين واستلامه وإيداعه في المركز. تبكي الطبيبة، يبكي الشاب، يصرخ محاولاً تبرير طلبه: يكسر كل أثاث المنزل، يبول على نفسه، يخلط الطعام بالماء. تنصرف الطبيبة صامتة حزينة وغاضبة، يرمي الشاب حبة المسكن على الأرض ويهرسها بقدمه، ينادي على بضاعته (بيجامات عرايسية، مفارش طاولة، شراشف محجرة، وجوه تكايات).

مناوشة قميص
في الباص الأخضر الكبير، رجل محاط بولديه يجلسون خلف السائق تماماً، عند كل محطة يسأل الرجل السائق إن كان قد وصل إلى وجهته، فيردّ السائق بعصبية: حفظت وجهتك! اطمئن وتوقف عن سؤالك المتكرر! يصمت الرجل، أحد الطفلين يقول لأبيه: بلكي نِسِينا وضعنا؟ يُطمئن الوالد ابنه قائلاً: لا تخف فأنا أسمع أسماء المواقف من الناس، لن نضيع.
يصرخ السائق: حجاز، مين نازل حجاز؟ ومكث الأب وطفلاه جالسين في أمان حذر. يصرخ السائق بالأب: هنا الحجاز يا حجي. فيجيب الأب: أنا طلبت منك التوقف عند البريد. يصرخ السائق قائلاً: البريد في الحجاز. يتلعثم الرجل في كلامه وهو يرتجف، ما بين اعتذار للسائق وعتب عليه لأنه لم يوضح المسار جيداً للرجل الذي سيضطر عند النزول إلى الاستعانة بإجابات أشخاص آخرين ترشده إلى وجهته. ينهض مسرعا بعد أن يشد على يدي طفليه وكأنه يعطيهما أمراً بالانطلاق، وفور وقوفه نكتشف أنه ضرير. يسبقه الطفل الأول وهو ممسك بقميصه من الجهة الأمامية عند البطن. أما الولد الثاني فيُحكم يده على قميص أبيه من جهة الظهر أيضاً لمنع الأب من السقوط أو التعثر. يصلون عتبة الرصيف، يصرخ بهما الأب: اتركا قميصي، كاد أن يتمزق من قسوة الشَّد.

دور رعائي
لجسر الرئيس أدراج حلزونية، تتسع مساحاتها عند الجهة التي تشكل بروزاً للخارج، بروز تفرضه الاستدارة المعدنية لاكتمال تنفيذ الدرج. هنا وفي هذا البروز المتسع داخل درج الجسر، تتشكل مساحة ما، تتسع لأجساد اتخذتها مكاناً للنوم. هم ثلاثة أشقاء أو أصدقاء، لم يعد التوصيف ولا درجة القربى تشكل أي فارق. فتية قرروا أن يكون هذا المكان سريراً لهم في الليل، يتناوبون على الحراسة. كل يوم يتقاسمون الأدوار، الحارس أو الحامي، أو الأم أو الأب، لا فرق أيضاً، فكلهم غائب وبشدة، ومنذ زمن طويل. الحارس هو مَن ينام على حافة المساحة تلك، الشابان الآخران ملتصقان بالسور المعدني بوضعية رأس وعقب كي تتسع المساحة لثلاثتهم. مسؤول الرعاية، اليوم وفي كل يوم، هو صاحب الجسد المتروك بلا حماية ترتجى حتى من جسد منهك لشريك التشرد، قد يكون عرضة للانتهاك، لدعسة قدم أحد النازلين لم يتسع لها المكان، أو ليد تمرست في سرقة أي شيء وكل شيء، حتى لو كان سيجارة نصف محروقة. يبقى الحارس يقظاً ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، يرمم انحسار الأغطية الرمادية القذرة بلفتة من يده، يركز أسماعه على صوت يصرخ "كبسة!"، فيوقظ رفيقيه ويتركون أغطيتهم وأكياسهم الرثة وربما أحذيتهم البلاستيكية الرخيصة، ويهربون صعوداً، فراراً من احتمال الإمساك بهم وزجهم في مركز الأحداث أو النظارة.
في الحرب تتبدل الأدوار الرعائية، تندرج تحتها أشكال جديدة، لكنها بلا رعاية، فارغة من مضمونها، وأصحابها ضعفاء ومنهكون ومهدورون وبلا حماية. مجرد أعقاب سجائر لرجال اعتادوا دهس أعقاب سجائرهم، حتى ولو كانت مطفأة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

سلوى زكزك

سلوى زكزك

كاتبة سورية

مقالات أخرى للكاتب

2000 ليرة للغداء الأربعاء 16/12/2020