آخر تحديث:18:36(بيروت)
السبت 17/10/2020
share

جريمة فرنسا: الأزمة في الإسلام؟!

وليد بركسية | السبت 17/10/2020
شارك المقال :
جريمة فرنسا: الأزمة في الإسلام؟! متى سنعيش زمناً لا ينتهي فيه انتقاد الإسلام بجريمة قتل أو عملية إرهابية؟ (غيتي)
لعل الجريمة الإرهابية التي قام بها متطرف إسلامي في فرنسا بقتله أستاذاً فرنسياً في العاصمة باريس إثر عرضه رسوماً كاريكاتورية للنبي محمد أمام التلاميذ في حصة دراسية، تبدو أقل وطأة من التبريرات التي تساق لها في العالم العربي، عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو في وسائل إعلام على حد سواء والتي تظهر مجدداً أن العالمين الإسلامي وغير الإسلامي باتا لا يتسامحان مع بعضهما البعض، وهي فكرة يمكن تعميمها نحو الأديان عموماً التي يقول مفكرون أنها باتت عائقاً أمام التطور البشري بعدما كانت في يوم من الأيام عاملاً دافعاً للحضارة الإنسانية بمساهمتها المباشرة في تشكيل الدول والإمبراطوريات التاريخية.


وإن كانت النتيجة السابقة عبارة مكررة عند الحديث عن السياسات الشعبوية التي باتت آفة عالمية في السنوات الأخيرة منذ وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب للبيت الأبيض العام 2016 إثر حملة انتخابية جدلية، فإنها لم تعد حكراً على السياسة والخطاب الدعائي الذي تصدره دول مثل تركيا وإيران في الشرق الأوسط على سبيل المثال، بل أيضاً على المستوى الفردي الأضيق كما يظهر في حادثة باريس الإرهابية، اليوم. وإن كان ذلك يأتي مدفوعاً بالعامل الأول، لأن رجال السياسة من أمثال رجب طيب أردوغان أو ترامب، يميلون لمخاطبة أصحاب الآراء القائمة على الخوف من الآخر، في عالم متغير تنهار فيه القوة الغربية وتنشأ فيه قوى جديدة، وتبحث فيه الدول والأفراد عن معنى جديد للانتماء والمواطنة، فإنه يتعزز بحقيقة أن المؤسسة الدينية لم تعد تحرك جموع المؤمنين، بل باتت ملتصقة بهم وتتحرك خلفهم ومعهم في آن واحد، بقوة السوشيال ميديا.

ولا يمكن القول أن المشهد مربك تماماً، بل هو تعبير عن معنى الحياة المعاصرة في العام 2020، لا أكثر. يقول أحد المبررين للجريمة في "تويتر" بأن المسألة هي ردة فعل "منطقية" على الإرهاب المسيحي التاريخي بحق "مناطق المسلمين" حسب تعبيره، وبأنه يجب عدم العبث بـ"رموزنا وثوابتنا" مهدداً بالمزيد من العنف في المستقبل. وإن كان الحديث مخصصاً هنا للحديث عن حادثة بعينها، فإنه في الواقع متكرر ويبدو نسخة كربونية من تغريدات تنتشر في مناسبات يكون فيها الجدل الديني حاضراً، مثل حادثة انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي أو حوادث الاعتداء على صحيفة "شارلي إيبدو" الساخرة وغيرها.

ومرة أخرى، انتشرت النوعية نفسها من العبارات غير الحاسمة، التي يبدو أصحابها وكأنهم يخشون من تبرير الفعل، فهم من جهة ضد قتل المدرس الفرنسي أو الاعتداء على رسامي "شارلي إيبدو"، وفي الوقت نفسه يعتبرون أن الرسومات أو طريقة التدريس "مستفزة" وبالتالي "من الطبيعي" الوصول إلى نتائج عنفية. يذكر هذا الخطاب بالمبررين للدكتاتوريات العربية في المنطقة، فبشار الأسد مجرم لكن وجود "الإرهابيين" يبرر قتل نصف مليون سوري، ومحمد بن سلمان دموي لكن جمال خاشقجي تحدث أكثر مما ينبغي ولم يمتلك رجاحة العقل الكافية للصمت والطاعة. هذا النوع من التفكير الانهزامي أسوأ بكثير من المبررين صراحة للأفعال الإجرامية، ويحيل بدوره إلى أزمة النفاق والكذب التي لا يمكن بهما الوصول إلى نتيجة حاسمة.

وهنا يتم تمييع الموضوع دائماً، نحو الحديث عن سماحة الإسلام. بحيث يصبح الإرهابيون والمتطرفون لا يمثلون الدين الصحيح وخارجين عن الدين السمح، لكن هذه المقاربة تعيد للأذهان أن معظم الأعمال المتطرفة، التي يقوم بها أفراد غاضبون أو منظمات إرهابية مثل "داعش" و"القاعدة" تستند إلى نصوص دينية بحرفيتها ولا تأتي من اجتهادات شخصية. وهو أحد الأسباب التي تمنع الأزهر حتى اليوم من تكفير أفراد "داعش" واعتبارهم إرهابيين على سبيل المثال. أما في حالة الأفراد، فهم ليسوا بالضرورة من "الذئاب المنفردة" (Lone wolf) التي تتغذى على الدعاية الجهادية مباشرة. 

وفيما يجادل الفقهاء ورجال الدين حول مكانة الجهاد نفسه، كركن من أركان الإسلام أو ذروة لتلك الأركان حسب الحديث النبوي، فإن متابعة هذا الجدل اليوم في "تويتر" تظهر أن المبررين للعمل الإرهابي، وغيره، يرون في الجهاد "فرض عين" على المسلمين، لاعتقادهم بأن "أرض الإسلام" تعيش حرباً يقودها الغرب ضدهم. وإن كان الأمر أشبه بنظرية مؤامرة تستند على أحداث تاريخية تعود إلى حقبة الحروب الصليبية، فإنها تمثل مشكلة حقيقية، لانتشارها الواسع أولاً، ولتأثيرها على الأفراد ثانياً.

وبالعودة للجريمة في باريس، فإن الأمر يتعلق ضمناً بحرية التعبير، رغم أن الدافع لها يتجاوز ذلك نحو المساس بالمؤسسة التعليمية التي تشكل أساساً للعلمانية نفسها. ويعني ذلك أن الهدف الحقيقي لقيمة حرية التعبير لا يتعلق فقط بحرية الأفراد في نشر أفكارهم والتعبير عنها، بل بأنه ليس هنالك حق لأي فرد أو مؤسسة في تقييم هذه الأفكار نيابة عن أصحابها. وهو أمر لا يتوفر في النسخة العنفية من الإسلام على الأقل، حيث تحيل التبريرات الجمعية للأفعال الإسلامية العنيفة، إلى فكرة الحق الذي يعطيه المسلمون لأنفسهم لتقييم أفكار الآخرين بناء على معتقداتهم الخاصة، بما في ذلك تماديهم في وصف الأفكار التي تنتقد الدين في إطار تاريخي وتعليمي بأنها "مستفزة"، مع مطالبتهم الدائمة بـ"احترام الخصوصية الثقافية" التي تتطلب الصمت.

وبحسب المعلومات المتداولة فإن المعلم (47 عاماً) عرض صوراً للنبي محمد نشرتها "شارلي إيبدو"، وأعلم التلاميذ المسلمين قبل عرض الصور وسمح لهم بمغادرة الحصة إن لم يرغبوا في المشاهدة، كما أن عدداً من أهالي التلاميذ اشتكوا لإدارة المدرسة، ما دفع المعلم للاعتذار لاحقاً وقال بأنه تناول هذا الموضوع وما كان عليه أن يفعل ذلك. أما المهاجم الذي قتلته الشرطة لاحقاً في مطاردة بسيطة، فهو مراهق شيشاني، ونشر صوراً للضحية في مواقع التواصل الاجتماعي، وكان يحمل ساطوراً في أحد شوارع باريس.

وتعزز الجدل في فرنسا حول النزعة الانفصالية الإسلامية والسلفية المتشددة، مؤخراً، بعد حديث الرئيس إيمانويل ماكرون عن أن "الإسلام يعيش في أزمة" عالمية. وهو في الواقع وصف يخفف من أثر المشكلة، لأنه يتخيل وجود الإسلام بشكل مؤسساتي يتخطى حقيقة أن المسلمين ليسوا جميعاً إرهابيين. وفيما يتم ربط المشكلة الإرهابية بالانغلاق الإسلامي في المجتمعات المحلية أو بمستوى الدعم الحكومي للتنمية المحلية في المجتمعات المسلمة والتسرب من المدارس هناك، وغيرها وصولاً للحديث عن سياسات الهجرة واللجوء، فإن المشكلة تعود دائماً إلى حقيقة أن التطرف يستمد جذوره من الإسلام.

وإذا كانت مشكلة الإسلام العنيف ترتبط عادة بدول الشرق الأوسط، وعائقاً امام الديموقراطية هناك، فإنها اليوم باتت تهديداً للديموقراطيات الغربية، كما هو الحال في فرنسا. لأن هناك تضارباً في رؤية العقد الاجتماعي الذي يحكم علاقة الدولة بمواطنيها، وهي في الحالة الإسلامية مازالت مرتبطة بإسلام القرن السابع الذي يفصل العالم إلى أهل الإسلام وأهل الكفر، ولا يعترف بحقوق المواطنة للجميع مثلما هو الحال في الديموقراطيات الحديثة. ويجعل الديموقراطية كفراً وهرطقة لا أكثر. ويتوسع ذلك في "تويتر" لدى المبررين والمتعاطفين للقول بأن أي عمل إرهابي هو من صنع المخابرات الغربية لتشويه صورة الإسلام والدفع بأجندات سياسية وعسكرية ضده.

قد لا يكون هنالك أي أمل بمستقبل أفضل، ولا يمكن سوى التساؤل بحسرة: "متى سنعيش زمناً لا تؤدي فيه مواد متعلقة بشارلي إيبدو والإسلام إلى جريمة قتل؟". خصوصاً أن هذا التشنج يحيل إلى تشنج مضاد لدى المؤمنين من ديانات أخرى. وإذا كان تعبير ماكرون حول أزمة الإسلام خاصاً بمشكلة محددها تعيشها فرنسا، فمن الممكن تعميمها بالقول أن الدين ككل يعيش في أزمة عالمية، لأن الأفراد اليوم لم يعودوا بحاجة إلى قوى غيبية تفسر الغموض حولهم، كما أن العلم والتكنولوجيا أسهما في وصول الأفراد إلى نظام إيماني (Believe System) منفصل عن عالم الآلهة القديم.

وتجيب مجلة "فورين أفيرز" الأميركية عن السؤال المتعلق بسبب عزوف الناس عن التدين حول العالم تدريجياً. فعندما حقق المجتمع مستوى عالياً من الأمن الاقتصادي والبدني نشأت الأجيال الشابة على اعتقاد أن هذا الأمان أمر مفروغ منه، ما أدى إلى تراجع المعايير المتعلقة بالخصوبة التي كان الدين يحددها في السابق ضمن نظام اجتماعي قديم محدد بعاملين هما ارتفاع معدل وفيات الرضع وانخفاض متوسط العمر البشري.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها