آخر تحديث:20:07(بيروت)
الإثنين 12/10/2020
share

ترسيم الحدود: خلافات ما قبل التفاوض..وما بعده

نذير رضا | الإثنين 12/10/2020
شارك المقال :
ترسيم الحدود: خلافات ما قبل التفاوض..وما بعده
ليس الصراع على الصلاحيات، والكباش حول الوفد المفاوض المشارك في مفاوضات رأس الناقورة حول ترسيم الحدود البحرية مع الجانب الاسرائيلي، الا عيّنة من خلاف سياسي لبناني أوسع، تتضارب فيه الأجندات والأهواء والحسابات، ولن يُحسم في القريب العاجل. 
منذ إعلان رئيس مجلس النواب نبيه بري ،لاتفاق الاطار مع الولايات المتحدة للشروع في مسار التفاوض حول ترسيم الحدود الجنوبية، بدأت الصراعات تطفو على السطح. أعطاها رئيس الجمهورية الطابع القانوني، لجهة المادة 52 من الدستور التي تمنحه حق تشكيل الوفد المفاوض، بالاتفاق مع رئيس الحكومة. 

اليوم الاثنين، وعشية الانطلاق بالمفاوضات الاربعاء، انفجر التباين حول المادة القانونية بين رئاستي الجمهورية والحكومة. فالبيان الذي أصدره السراي الكبير، بعد اعلان الرئاسة عن تشكيل الوفد، يلمح الى مصادرة صلاحيات، بالقول ان "التفاوض والتكليف والتفاوض بالتفاوض بشأنهم يكون باتفاق مشترك بين السيدين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء"، وأن "أي منحى مغاير يشكل مخالفة واضحة وصريحة لنص دستوري مع ما يترتب على ذلك من نتائج". 


والخلاف الدستوري، تلا خلافاً ظهر منذ اليوم الاول حول الصلاحيات. فقد أعلن عون في اليوم الاول انه هو من سيشكل الوفد، فيما أعلن بري انتهاء مهمته، نافياً خرق النص الدستوري بالنظر الى انه فاوض عشر سنوات للتوصل الى اتفاق الاطار. 

ذلك الخلاف، الذي ورد في تلميحات وتحليلات في وسائل الاعلام اللبنانية، كشف الصراعات المستترة حول خيار تشكيل وفد عسكري (يدفع اليه بري)، أو وفد مدني. فالوفد العسكري، ستكون مهمته تقنية بحتة، بينما الوفد المدني ستكون مهمته أكثر من ذلك، وسط تحذيرات من توسيع المحادثات، كان أبرزها من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط. 

والحال إن بري، بإعلانه انتهاء مهمته، رمى كرة ملتهبة في ملعب عون. فالتفاوض، يعني حكماً التنازل، وليس تمسكاً بالحقوق التي تراها من منظورك. التقطها عون من باب المادة 52، وصارعته عليها رئاسة الحكومة، بينما هي في الواقع تصطدم بموانع شعبية، ورفض سياسي على مضمونها بما يتخطى عناوينها التقنية التي تحظى بموافقة الجميع، ليس أقلها التحذيرات في الصحف والمواقع الالكترونية من توسيع نطاق المحادثات الى محادثات سياسية تشبه محادثات التطبيع، التي نفتها اسرائيل أيضاً.
 

لكن المخاوف منها، تتملك جمهور الممانعة الذي يتوجس من أن يكون لبنان أمام 17 ايار جديد، في اشارة الى محادثات مباشرة عقدت في العام 1983 في جولات عديدة بين كريات شمونة وخلدة في لبنان، وأفضت الى اتفاق 17 أيار 1983، الذي لم يوقعه الرئيس أمين الجميل وأسقطته سوريا وقوى لبنانية تؤيدها في الموقف، مثل "التقدمي الاشتراكي" و"حركة أمل"، وعرف إجهاضه لاحقاً باسم "انتفاضة 6 شباط". 


والواقع إن تقديرات اللبنانيين المنقسمين، تستند الى الضغوط الدولية والمتغيرات الإقليمية والمطالب اللبنانية. فتيار الرئيس عون، الذي ضغط في اتجاه أن يضم الوفد مدير مكتب النائب جبران باسيل في وزارة الخارجية هادي الهاشم (لم يرد اسمه في عداد الوفد الذي اعلنته الرئاسة اللبنانية)، أثار اعتراضات على تحويل الوفد من عسكري تقني، الى عسكري-سياسي، ما يدفع الهواجس من فتح قنوات اتصال أبعد من ملف الترسيم. 

في الشق السياسي، هو يحمل رسالة انفتاح عوني على المتغيرات الدولية، وبالتالي استدعاء المسيحيين الى خطاب الرئيس عون بوصفه ينسجم مع طرح الحياد الذي أعلنه البطريرك الراعي. كما يمهد لإعلان انتصارات سياسية للعهد في حال نجح في التوصل الى اتفاق حول الخلاف الحدودي البحري وأطلق عملية التنقيب عن الغاز في البلوك رقم 9. 

غير أن تلك الآمال والرؤى، تصطدم بواقعين. أولهما إن ربط ترسيم الحدود البحرية بالحدود البرية، والى جانب تسهيلها لجهة النقطة الحدودية على اليابسة التي تنطلق منها الحدود البحرية في جنوب غرب البلاد، يعني التزام لبنان بـ"وحدة المسار والمصير" مع سوريا، بالنظر الى إن أحد الخلافات على ترسيم الحدود البرية، مرتبط بمزارع شبعا وما إذا كانت لبنانية أو سورية. وهو لغم ينتظر المفاوضين. 

أما الواقع الثاني، فهو حجم التنازل اللبناني عن مساحة الـ860 كيلومتراً بحرياً التي باتت منطقة نزاع، وكيف ستمر في مجلس النواب، كون الاتفاقات والمعاهدات لن تصبح نافذة قبل التوقيع عليها في مجلس النواب. 

توجه اليوم مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى، دايفيد شينكر، إلى لبنان للمشاركة في افتتاح المفاوضات بشأن الحدود البحرية. سيذهب لبنان الى المفاوضات محمّلاً بتلك الخلافات، وفي خلفيته تلك الهواجس، ما ينبئ بمادة خلافية جديدة ستُضاف الى المشهد اللبناني المعقّد. لن تمر المفاوضات من غير جدل يسبق أي جولة، ويليها. فلبنان العالق بين الخيارات وصراع الصلاحيات، سيكون مادة للتندّر دولياً، وسيبقى شعبه أسير الانتظار عند كل استحقاق. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها