آخر تحديث:18:39(بيروت)
الإثنين 12/10/2020
share

بهاء الحريري.. الاستثمار ليس مدخلاً للسياسة

نذير رضا | الإثنين 12/10/2020
شارك المقال :
بهاء الحريري.. الاستثمار ليس مدخلاً للسياسة
طوال 15 سنة، كان بهاء رفيق الحريري يجمع أوراقه الاقتصادية، ويبحث عن فرص الاستثمار وتطوير ثروته وأعماله خارج لبنان. كانت السياسة بالنسبة إليه ترفاً. يراقب، بعيداً من البلاد التي استبعدته بعد اغتيال والده، مفتقداً لحاضنة شعبية.
 
ولم يكن لبنان بالنسبة إليه، فرصة استثمارية كبيرة. فالتقاسم السياسي والطائفي الذي كان قائماً، وتمدد حتى جفاف مصادر تمويل الكيان في 2014، لن يُبقي له فرصة الدخول بلا خسائر، وهي الخسائر التي تجرّعها شقيقه سعد الحريري، إسوة بالسمّ السياسي، وأعلن عنها في مقابلة تلفزيونية في الاسبوع الماضي. 

كان بهاء حريصاً على عدم خوض مواجهة داخل السيستم. فلبنان، يتكتلّ المتعايشون فيه ضد الغرباء، او الأجسام الطارئة، منا في قفص للطيور، حيث يتعرض الداخل لهجمات ويُدمّى قبل أن تقبله الجماعة فرداً منهم، مع الاعتذار من ابن المقفّع على التشبيه. وفي هذا الوقت، كان بهاء يفتح ابواب الاستثمارات في العالم العربي، مستبقاً حلول الأزمات، لإنجاح استثماراته عندما تحين الحلول. 

في زحمة الأزمة اللبنانية، ومطالب الناس بتغيير جوهري في سيستم البلاد السياسي والاقتصادي، ظهر بهاء الحريري في المشهد اللبناني. كان قابعاً في الظل، منذ الربيع الماضي، يمهّد لحضوره الإعلامي في بيان، أو في منصة الكترونية "صوت بيروت انترناشيونال" التي استقطبت وجوهاً إعلامية لا بأس بشعبيتها، وأبرزهم طوني خليفة، وماريو عبود اللذان يطلان ببرنامجين عبر القناة الالكترونية. وقد استعانت المنصة، باعلاميين وتقنيين ممن كانوا يعملون في تلفزيون "المستقبل" شبه المقفل والذي لم يسدد لموظفيه حتى الآن كامل مستحقاتهم، ووسائل اعلام أخرى. 

وبعد انفجار بيروت، وتدويل الأزمة اللبنانية، تطلّب المشهد الاعلامي حضوراً مباشراً لبهاء الحريري، جرى التمهيد له خلال الأسبوعين الماضيين ببيانات صادرة عن مكتبه أو عنه، وظهور مقربين منه مثل جيري ماهر في وسائل الاعلام. وبدت الحملة مدروسة، إثر نقل تصاريح لماهر نفسه في وسائل اعلام لبنانية مثل "ال بي سي" خلال الأسبوعيين الماضيين ليتحدث عن موقف بهاء، قبل أن يطل الرجل مباشرة في الاعلام. 


الإطلالتان المباشرتان خلال الاسبوع الماضي، استهلهما في مقابلة عبر "او تي في" بلغت 16 دقيقة، وعلى "الجديد" ليل الأحد. وبدا من خلال الاطلالتين أن الرجل يمهّد لمشروع سياسي خاص به. لم يكشف عن معالمه، بقدر ما ركز على فكرتين: إعادة الإعمار، والتغيير في السيستم القائم، وهما فكرتان متناقضتان، وتنمان عن قصور معرفة بتجربة والده رفيق الحريري في السابق الذي لم يستطع أن يطلق ورشة اعادة الاعمار من غير توافق سياسي داخلي – اقليمي، ولم يتمكن من احداث تغيير جوهري في السيستم، إلا بتمتين العلاقة مع الجهة الموكلة دولياً بتوجيه السياسة اللبنانية، وهي دمشق في تلك الفترة، وتعزيز علاقاته بالسياسيين اللبنانيين تكريساً لعمل مضنٍ منذ العام 1982 بعد الاجتياح الاسرائيلي، تكرس بدوره خلال اتفاق الطائف 1989، مروراً بالخدمات، وبينها تعليم عشرات آلاف اللبنانيين في الجامعات ما خلق له بيئة تتقبل دوره وشخصه.  

وعليه، فإن نظرة بهاء الحريري لتجربة والده بوصفها قابلة للتكرار من منظور الهبوط بالمظلة، هي نظرة مجتزأة. فالعبور الى السياسة، لا يقوم على الصدام السياسي، بل يحتاج الى توافق، وهو ما لا يراعيه بهاء في خطابه الإعلامي. 


فهو، خلافاً لوالده، لم يحضر في الساحة اللبنانية لاختبار تناقضاتها ومساراتها العرجاء. ويبني على تصورات لا تتوافق مع العمل السياسي في لبنان، ويتبنّى أدبيات تبريرية لم تعد مقنعة، مثل التهديدات الأمنية، في وقت انتفى ذلك الخطاب منذ العام 2009 وحضر جميع السياسيين الى لبنان حيث يمارسون حياتهم بشكل طبيعي. 

والحال ان فكرة إعادة الإعمار ترتبط بالاستثمار. لكن الاستثمار في الداخل، يختلف عما هو في الخارج. هنا، لا يمكن أن يكون المستثمر شريكاً استثمارياً فاعلاً من غير ظهر في السلطة يستند عليه. وغالباً ما لا يكون الظهر إعارة. يتطلب أن يكون المستثمر جزءاً من السلطة، ليتمكن من تخطّي كل العقبات، والتناقضات وتضارب المصالح في مجلسي الوزراء والنواب. 

وعليه، يدخل بهاء الحريري السياسة اللبنانية مستثمراً، بما يتخطى كونه سياسياً. الاجتزاء في تجربة والده، واختلاط المفاهيم، يعقدان مهمّته. فتجربة الأشهر الماضية، اثبتت أن البلاد لا تُحكم بالمواجهة، حتى أن المؤسسات الدولية لا تستطيع العبور بلا توافقات وتعهدات سياسية وطوائفية داخلية. ما يعني أن عبوره الأول، لن يكون فعالاً، كما لن يكون مؤثراً الإعلان عن المشروع السياسي الذي قال عبر "او تي في" أنه آت مع نهاية العام الحالي. 

فالسياسة في لبنان، لا يمكن أن تُدخل من بنية تجارية. يحتاج بهاء الى الكثير من تصحيح المفاهيم ليفرض نفسه لاعباً، وهو أمر غير متاح، حتى الآن، بفعل خطاب إعلامي غير موفّق.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها