آخر تحديث:17:15(بيروت)
السبت 10/10/2020
share

تشي غيفارا.. رجل آخر خلف الأيقونة

قاسم مرواني | السبت 10/10/2020
شارك المقال :
تشي غيفارا.. رجل آخر خلف الأيقونة
مضت سنوات على الحادثة. كنت في إحدى حانات شارع الحمرا وكانت تجلس على الكرسي المقابل لي. خلفها على الجدار صورة لتشي غيفارا. تضفي إليها الأضواء الحمراء بعداً ثورياً مميزاً. كانت المرة الأولى التي أنتبه فيها إلى التشابه بين عينيها وعيني الرفيق غيفارا.

منذ ذلك اليوم، وعلى الرغم من افتراقنا، كان لا بد أن أتذكرها مع كل مرة أرى فيها صورة له، والآن في ذكرى اغتياله التي ملأت مواقع التواصل الاجتماعي اللبنانية والعالمية. في حانات بيروت، في تظاهرات الثورة، صورته على صدور المقاتلين من أجل الحرية، وأحياناً أسمع اسمه، يقال همساً في الأزقة الضيقة لشارع الحمرا، كأنه إله لكل ثورات العالم. بات هذا الرجل القادم من حافة العالم، جزءاً من ثقافتنا، كأنه يوماً ما كان يعيش بيننا، مرشداً لنا وملهماً، هو الذي قال لجلاديه: "أطلقوا النار، لن تقتلوا سوى رجل". لكن بعيداً من غيفارا الثائر، الرمز والأيقونة، ثمة غيفارا الرجل والإنسان، الواقع المنفصل عن الأسطورة. 

"آلة القتل"
في مقال في موقع "معهد إندبندنت" وتحت عنوان: "آلة القتل"، تحدث الكاتب ألفارو فارغاس يوسا عن حب إرنستو غيفارا للقتل. ففي رسالة إلى مجلة تريكونتينانتال اليسارية العام 1967 كتب: "الكراهية كعنصر من عناصر النضال، الكراهية التي لا تقهر، والتي تدفع الإنسان إلى ما وراء حدوده الطبيعية، مما يحوله إلى آلة قتل فعالة وعنيفة وانتقائية بدم بارد". خلال صراعه ضد باتيستا، أعدم غيفارا أو أشرف على إعدام العشرات من الأعداء المثبتين أو المشتبه فيهم أو الأشخاص الأبرياء خلال محاكمات موجزة. تشير مذكراته من سييرا مايسترا إلى أنه أعدم أوتيميو غويرا لأنه اشتبه في تسريبه معلومات، قال عن ذلك: "أنهيت المشكلة بمسدس عيار 0,32 في الجانب الأيمن من الدماغ، أصبحت ممتلكاته الآن ملكي". بأوامر مباشرة من غيفارا تم إعدام العشرات من الجنود في سانتا كلارا، إعدامات يقول عنها خايمي فاسكيز، القائد السابق في الجيش الثوري، إنها كانت قائمة على الشك، حيث كانت أوامر غيفارا واضحة: "إن كنت تشكّ، اقتله".

في حديث لصحيفة الثورة الكوبية قال غيفارا: "في سييرا مايسترا قتلنا العديد من الأشخاص من دون معرفة ما إذا كانوا مذنبين تماماً، لا يمكن للثورة أن تتوقف لإجراء التحقيقات".

لكن آلة القتل، بحسب "معهد "اندبندنت" بدأت فعلاً بعد انهيار نظام باتيستا. حين كان غيفارا رئيساً لسجن "لا كابانيا" العام 1959. كان السجن يضم جنوداً سابقين، رجال أعمال وصحافيين يعانون ظروف سجن مأساوية. بحسب شهادات جمعها المعهد لأناس عملوا في السجن خلال تلك الفترة، ترأس غيفارا محكمة الاستئناف وتألفت المحكمة الثورية من رجال الميليشيات. صدرت أحكام إعدام لم يعترض "تشي" على أي منها. كان ينظر إلى الجميع على أنهم قتلة وكانت الإعدامات تنفّذ من الاثنين إلى الجمعة منتصف الليل. خلال الأشهر الستة التي تولى فيها غيفارا مسؤولية سجن "لا كابانيا"، أعدم حوالى 400 سجين.

خلال أزمة الصواريخ الكوبية، حين كان العالم يرتعد أمام حرب نووية عالمية، تذكر صحيفة "إندبندنت" أن غيفارا كان يدفع باتجاه قصف المدن الأميركية بالصواريخ النووية. في تصريح لغيفارا: "الشعب الكوبي سيشعر بالسعادة والرضا التام حتى لو كان مصيره الاضمحلال عن وجه الأرض بسبب حرب نووية في سمائه". يذكر المقال أيضاً أن غيفارا كان يعتبر سياسة الاتحاد السوفياتي ليّنة، كان يفضل سياسة ماو تسي تونغ، ويفسر ذلك السياسة الاقتصادية التي اتبعها لاحقاً.

"يجهل أبسط المبادئ الاقتصادية"
هناك صور جميلة لغيفارا وهو يزرع قصب السكر ويبني المنازل. لكنه نال فرصته لتطبيق رؤيته الاقتصادية كرئيس للبنك الوطني في كوبا العام 1959 وكوزير للزراعة منذ 1961. بحسب ألفارو فارغاس يوسا، شهدت الفترة التي كان فيها غيفارا مسؤولاً عن الاقتصاد الكوبي انهيار إنتاج قصب السكر، فشل التصنيع وبدء التقنين، بعدما كانت كوبا واحدة من الدول الأربع الأنجح اقتصادياً في أميركا اللاتينية خلال عهد باتيستا. لخّص نائبه في البنك الوطني، إرنستو بيتانكور، فترة عمله بقوله: "كان يجهل أبسط المبادئ الاقتصادية".

باسم التنوع تمّ تقليص المساحة المزروعة وتشتّت القوى العاملة في أنشطة أخرى حين حاول اتباع النهج الصيني لزيادة الإنتاج. النتيجة، بين العامين 1961 و1963، انخفض المحصول بمقدار النصف. بحلول العام 1963 تم التخلي عن جميع الآمال في التصنيع وقبلت الثورة دورها كمزوّد للسكر للكتلة السوفيتية مقابل النفط. على مدى عقود ثلاثة تالية، عاشت كوبا على الإعانات السوفياتية، وفي العام 1997، كان الكوبيون يتبعون حمية غذائية قوامها خمسة أرطال من الأرز ورطل واحد من الفاصوليا شهرياً، أربع أونصات من اللحم مرتين في السنة، أربع أونصات من معجون فول الصويا أسبوعياً وأربع بيضات شهرياً.

هل كان عنصرياً؟
قال غيفارا بعد نجاح الثورة الكوبية: "سنقدم للسود ما قدموه للثورة، لا شيء".
تعطينا نظرة إلى مذكراته فكرة عن نظرته إلى السود، ذلك قبل أن يتحول إلى الرفيق غيفارا. أثناء رحلته الشهيرة على الدراجة في أنحاء أميركا اللاتينية كتب: "السود الذين حافظوا على نقائهم العنصري بسبب افتقارهم إلى الاستحمام، شاهدوا أراضيهم يغزوها نوع جديد من العبيد: البرتغاليون". وقال أيضاً: "الأسود كئيب وحالم، ينفق أجره الهزيل على العبث أو الشراب. أما الأوروبي فلديه تقاليد في العمل والادخار". موقفه هذا مشابه لموقف الرجل الأبيض الاميركي من السود.

لكنه في ما بعد، أي بعد نجاح الثورة وتحوله إلى ما هو عليه، بات يتوجه إلى الولايات المتحدة بلغة أخرى فيقول: "أولئك الذين يقتلون أطفالهم ويميزون ضدهم يومياً بسبب لون بشرتهم، أولئك الذين يتركون قتلة السود يظلون أحراراً… كيف يمكن أن يعتبروا أنفسهم أوصياء على الحرية".

معسكر عمل قسري للمثليين.."ليصبحوا رجالاً"
هاجم فيديل كاسترو في خطابه بتاريخ 13 آذار/مارس 1963، المثليين. بعدها بعامين، أعلن موقفه بوضوح: "يجب منع المثليين من الوظائف ذات التأثير المباشر على الشباب لا سيما في المراكز التعليمية". وكان المفهوم السائد في الجزيرة الكوبية حينها أن المثليين ضعفاء وحساسين للغاية وحتى جبناء. إرنستو غيفارا لم يكن بعيداً من ذلك.

تم إنشاء معسكر غواناهاكابيبيس للعمل القسري العام 1960، شرح تشي غيفارا وظيفة هذا المعسكر: "نحن نرسل إليه الحالات المشكوك فيها، الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم ضد الأخلاق الثورية. إنه مكان للعمل الشاق وليس عملاً وحشياً". احتوى هذا المعسكر على المعارضين والمثليين وضحايا الإيدز والكاثوليك وشهود يهوه والكهنة الأفارقة... وطبعاً تلقى المثليون معاملة سيئة، ووفقاً لأحد السجناء: "تمت معاملتهم كالوحوش". وكان غيفارا يصفهم بالحثالة ووضع لافتة كتب فليها: "العمل سيجعلكم رجالاً".

ويظهر الفيلم الوثائقي المؤلم لنيستر ألمندروس: "العالم غير السليم منذ عقدين من الزمن"، معاناة الذين سجنوا في معسكر غواناهاكابيبيس.

"لا ثورة مع صحافة حرة"
يتحدث مقال في موقع "فوكس نيوز"، عن خمس حقائق غير مريحة عن تشي غيفارا، من بينها معاداته للصحافة الحرة. بحسب ماكسيم لوت، ينقل الصحافي اليساري جوزيه باردو، تصريحاً لغيفارا: "يجب أن نمنع كل الجرائد، لا يمكننا صنع ثورة مع وجود الصحافة الحرة، الجرائد أداة للأوليغارشيا".

عندما وصل غيفارا إلى هافانا، كتب الصحافي أنطونيو مونتيس عن انتقال غيفارا إلى أفخم قصر في المدينة، قام رجال غيفارا باقتياد مونتيس إليه حيث توجه إليه غيفارا مهدداً: "أستطيع أن أطلق عليك النار هذه الليلة، ما رأيك؟" بعدها هرب مونتيس من البلاد وذكر الحادثة في كتابه "La Dinastia" العام 1984.

فشل
أحد رفاق غيفارا يصفه بالقول: "عجرفته هي الشيء الوحيد الذي يمكن للجميع الموافقة عليه". نجاحه الوحيد كان استيلاءه على مدينة سانتا كلارا بعدد قليل من الجنود لكن جيش باتيستا لم يكن سوى حفنة فاسدة من البلطجية من دون دافع أو تنظيم.

نظم غيفارا بعدها حروب عصابات في نيكاراغوا وجمهورية الدومينيكان وبنما وهايتي، تم سحقهم جميعاً. أرسل الثوري الأرجنتيني خورخي ريكاردو العام 1964 إلى حتفه بإقناعه بشن هجوم على بلده انطلاقاً من بوليفيا. تعرض لفشل ذريع في الكونغو بعدما تحالف مع مجموعة من المجرمين والفاسدين لتحقيق الثورة، قبل أن يفرّ من البلاد بصورة مخزية. كان غيفارا شجاعاً بالتأكيد، لا شك في ذلك لكنه في نفس الوقت أحمق فشل في قراءة الواقع. كتابه "حرب العصابات" يقول أن العصابات يمكنها هزيمة الجيش، أنه ليس من الضروري انتظار الظروف المناسبة لأن الثورة يمكنها استحداث الظروف، لكن ذلك كله فشل. حروب العصابات باستثناء نيكاراغوا، تم سحقها.

الرجل والأب والزوج
يشرح مقال في موقع "The history collection" علاقة غيفارا بالنساء. ينقل عن أحد أصدقاء طفولة غيفارا في الأرجنتين أنه أطلق عليه لقب "الديك السريع"، لأنه كلما دخلت خادمة غرفة الطعام كان يجبرها على صعود الطاولة لممارسة الجنس. وفي كتاباته، يزدري غيفارا النساء، الإزدراء نفسه الذي يكنه للمثليين وللسود، أعطاهن في كتبه دور تحضير الطعام والتمريض. أطلق على فتاة مارس معها الجنس في كوستاريكا لقب "عاهرة". كتبت زوجته أليدا أن الحياة معه كانت صعبة لها ولأطفالها وأضافت: "كان يخرج كل ليلة، يسكر ويلتقط إحداهن".

موت
في الأساطير التي تحاك حوله يروى أن غيفارا أخبر الجنود بإطلاق النار عليه: "أنت لا تقتل سوى رجل". لكن الواقع بحسب الأشخاص الذين شهدوا الحادثة كان مختلفاً. عندما وجده رجال العدو صرخ: "لا تطلقوا النار، أنا تشي غيفارا. أنا أساوي على قيد الحياة أكثر مما أساويه ميتاً".

وفقاً لفيليكس رودريغيز الذي شارك في القبض على غيفارا: "تحول غيفارا إلى اللون الأبيض مثل قطعة ورق". تطوع ماريو تيران لقتل غيفارا لأن ثلاثة من أصدقائه لقوا حتفهم في معركة سابقة مع المتمردين. أمر رودريغيز تيران بأن يتجنب إطلاق النار عليه في الرأس، كي يبدو كأنه مات خلال القتال مع الجيش البوليفي. أطلق تيران النار عليه في ساقيه ثم جذعه مضيفاً إلى الأسطورة أن تشي غيفارا مات بشجاعة في المعركة وليس كحطام مثير للشفقة.

صورة
الرجل الذي كان يوماً ما مؤمناً بالشيوعية ومات محارباً للرأسمالية، لم يكن سوى وجه إعلامي، لم يفعل شيئاً يذكر سوى استعمال الكاريزما الشخصية ضمن آلة إعلامية. حارب الرأسمالية لكن من سخرية القدر أنه تحول بعد موته إلى علامة تجارية رأسمالية. يستعملون صورته التي التقطها ألبرتو كوردا لبيع القداحات والسلاسل والقمصان والقبعات والمحافظ وحتى الصابون. تبيعك الرأسمالية كل ما تحتاجه لتصبح ثائراً ضدها.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها