آخر تحديث:09:51(بيروت)
الأحد 19/01/2020
share

إنه الفقر ..الذي لا يوحد السوريين أيضاً

وليد بركسية | الأحد 19/01/2020
شارك المقال :
إنه الفقر ..الذي لا يوحد السوريين أيضاً
مجدداً يتحول المشهد في سوريا، كدولة متشظية، إلى انقسام جديد. فالحملات الأخيرة التي أطلقها سوريون في مواقع التواصل الاجتماعي، احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية الصعبة، بالتزامن مع تظاهرات في محافظة السويداء الجنوبية رفعت شعارات "بدنا نعيش"، اصطدمت بحملات مضادة وخطاب التخوين الذي اختبره السوريون في ثورتهم الأولى العام 2011.

وتشكل حملة "خبز حاف" التي أطلقها سوريون قبل أيام، ودعوا فيها إلى ما يشبه إضراباً جماعياً عن الطعام، عبر تناول الخبز فقط ومقاطعة جميع المواد الغذائية الأخرى التي باتت باهظة الثمن، نموذجاً على ذلك التشظي، ليس فقط ضمن التقسيم الكلاسيكي البائد للسوريين بين موالين ومعارضين فقط، بل أيضاً ضمن تلك الشريحتين الواسعتين، ما يطرح أسئلة عميقة حول الهوية السورية الجامعة، والتي أثبتت الثورة السورية وتبعاتها، أنها كانت أقرب للوهم، بفعل الحكم الشمولي لعائلة الأسد طوال أربعة عقود، والذي عمد إلى تكريس الهويات الطائفية والمناطقية كواحد من أساسات استمرار حكمه.

فالمعارضون الذين جاهروا بمواقفهم السياسية ضد نظام الأسد منذ العام 2011 انقسموا إلى قسم أول يؤيد أي مظهر احتجاجي ضد النظام حتى لو كان الاحتجاج مقتصراً على مطالب اقتصادية ولا يطالب بتغيير سياسي أشمل، وقسم ثان يرى أن الاحتجاجات الحالية تفتقر للكرامة والمشروعية كصفات ترتبط حصراً بالثورة السورية العام 2011. كما يمكن ملاحظة تعاطف أشخاص يعبرون عن ولائهم الصريح للنظام، مع أشكال الاحتجاج، ويتحدون خطاب التشبيح العلني الذي انتهجه راديكاليون موالون.

ولعل نقمة واسعة على الحملة أتت من السوريين في مناطق النظام، بعدما تبين أن الحملة تجري بالتعاون مع وزارة التجارة الداخلية في حكومة النظام السوري، وليست تحدياً لها ولطبقة التجار ورجال الأعمال المرتبطة بالنظام. وبحسب تصريحات منظمي الحملة لوسائل إعلام محلية، فإن الحملة "تنسق عبر الوزارة للتواصل مع الشركات التموينية لخلق منافذ بيع مباشرة من دون حالة دعائية، وبسعر التكلفة الحقيقي بالإضافة لنشر أسعار المؤسسات الحكومية بالمرحلة الأولى، والمادة غير الموجودة نبحث عن بديلها من المنتجات الوطنية".

وقد يعني ذلك، أن الحملة تشكل في أحد وجوهها مجرد "فشة خلق" وتنفيساً للاحتقان في مناطق سيطرة النظام، مع استمرار الأزمات السابقة المتمثلة بانقطاع الكهرباء والمحروقات عن مناطق واسعة. كما أن هذه النوعية من الحملات، تشكل بديلاً للاحتجاج الأخطر المتمثل بالتظاهر في الشارع مثلما يحصل في السويداء، ورداً ناعماً على الدعوات لتوسيع نطاق المظاهرات إلى كافة البلاد، علماً أن الحملة نفسها بدأت تتداعى مع إعلان منظميها في مجموعات مغلقة في "فايسبوك" أن التواصل مع الشركات في الداخل السوري فشل مع رفض 10 شركات تم التواصل معها الاستجابة للمقترحات رغم إبدائها موافقة أولية على ذلك.

ولعل المشكلة الأساسية في هذه المبادرات، أنها تدعو للتوفير والتقشف كأسلوب للحياة في ظل الفقر الممنهج الذي يفرضه النظام السوري، إلى جانب أنها تتصور إمكانية تقديم السلطة للحل رغم أن السلطة نفسها تتحمل المسؤولية، كما أن الحملة لا تتحدث عن الأسباب الحقيقية لانهيار الليرة والاقتصاد السوري، الذي تسارع في الأشهر الأخيرة، بل تكرر سردية الإعلام الرسمي تقريباً والتي تصل أحياناً إلى لوم السوريين أنفسهم على ما وصلت إليه حال البلاد، ولا يعني ذلك ضمن الحملة، السوريين المعارضين والثورة السورية العام 2011، بل السوريين في مناطق النظام الذين عمدوا إلى "خيارات اقتصادية غير حكيمة" يجب تصحيحها اليوم بموازاة الصبر و"الابتكار في الاحتجاج ضد جشع التجار".

في ضوء ذلك، بات ممكناً تلمس مستويات جديدة للتشظي السوري، فالسوريون في مناطق النظام السوري اليوم، من المشاركين في حملة "خبز حاف" أو متظاهري مدينة السويداء جنوب البلاد أو الداعين لتوسع المظاهرات بشكل مشابه لما يحدث في دول الجوار، وتحديداً لبنان، يعبرون في مواقع التواصل عن رأيين مختلفين، الأول يتحمس لفكرة الثورة الشاملة والآخر يتحفظ بناء على المخاوف التي خلقها رد فعل النظام العنيف ضد المتظاهرين  السلميين العام 2011، واللافت أن الطرفين باتا يتعرضان لخطاب التخوين من قبل شبيحة النظام الذين اعتبروا أي رفع للصوت في الفترة الحالية "تنفيذاً للمشروع الأميركي ومشاركة في الحرب الاقتصادية ضد الدولة السورية التي انتصرت على الإرهاب".

ونشرت صفحات موالية للنظام، عبر "فايسبوك" منشورات موحدة رجت مشاركتها من قبل "اللي خايف ع البلد". وتقدم تلك المنشورات مستويات عدة للخطاب الدعائي، الأول يقوم على تخوين كل من يتحدث عن حياته اليومية في مواقع التواصل، مع انتشار منشورات تصف الفقر اليومي المدقع الذي يعيشه سوريون، والثاني يقوم على تمجيد الفقر  بوصفه حالة رومانسية تحمل شيئاً  من الحنين للماضي عندما كان هنالك "طيبة وخير" لدى الناس، بعكس "جشعهم" اليوم. وهنا يتم وصف كل من يطالب بحياة أفضل بأنه "تابع للمشروع الأميركي" وبأنه متأثر بنمط الحياة الغربية الاستهلاكية بدلاً من الحياة الحقيقية الخاصة بدول شرق المتوسط، ويتم تحويل الخطاب كله فجأة إلى أن "الدولة السورية" و"أبطال الجيش السوري" يحاولون الحفاظ على أصالتها مقابل المحتجين المتأثرين بأفكار العولمة!

واحدة من المنشورات تضمن مثلاً عبارة: "البلد بخير بس بدو صبر وتأقلم. والناس للأسف مفكرة الحكومة هيي الي عم تغلي الاسعار وهيي الي تاركة الدولار يطير هيك. لا يا جماعة الشغلة أكبر من وزير وأكبر من حكومة. الشغلة استهداف وطن. خلونا ندبر حالنا بهالفترة ومناكل خبز حاف وبرغل ومجدرة ومهما أكلنا مامنقدم لهالوطن قطرة من قطرات الدم اللي قدمها الشهيد".

وبحسب تقارير ذات صلة، فإن هنالك عدداً من الوجوه الجديدة التي باتت تملك الثروة في سوريا، وتقدم الدعم المالي للنظام، وتسهم في بقائه في الحكم بأساليب أسهمت في انهيار ما تبقى من اقتصاد البلاد، فيما تركت الحرب في البلاد الناس منقسمين بين أغنياء أو فقراء، وبات الأغنياء قلة تتربح من الحرب، وتدير اقتصاده الذي لم يعد سوى هيكل عظمي عما كان قبل الحرب، بموازاة تمزق النسيج الاجتماعي أيضاً. وفي مثل هذه الظروف فإن الفقير يزداد فقراً ويزداد الغني غنى، وكان بالإمكان ملاحظة طوابير الناس في دمشق ومدن أخرى منذ أعوان للحصول على زيت الطعام والخبز، وسط انقطاع مستمر للتيار الكهربائي. وقال معلقون في "فايسبوك" و"تويتر" أنهم يأكلون اللحم مرة واحدة في الشهر، بينما نشر آخرون في حملة "خبز حاف" أسعار المواد الغذائية الباهظة.

ويعني ذلك أن الحرب قضت على الطبقة المتوسطة، وتوسعت الثغرة القائمة أصلاً، بين الفقير والغني داخل سوريا، حيث تعيش نسبة 80% من السكان تحت خط الفقر بحسب تقدير لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية. وتراجعت ميزانية سوريا من 60 مليار دولار قبل الحرب إلى 15 ملياراً العام 2016، كما أن الحرب والتجنيد واللجوء والموت شكلت عوامل قضت على القوة العاملة، ما أجبر الشركات على البحث عن عمالة، في الوقت الذي يواجه فيه أصحاب الأعمال مشكلات في انقطاع الطاقة، ومحاولات الدولة والميلشيات النافذة الحصول على أموال منها، كما أن التجارة الدولية توقفت بسبب العقوبات على النظام، فيما فاقم الفساد من الأزمة، حيث تصنف منظمة الشفافية العالمية، سوريا كثاني دولة فاسدة في العالم.

ولا تشير الحملات الحالية في البلاد، إلى كل تلك المشاكل، بل تتعامل مع الأمور إما بعفوية كردة فعل طبيعية على الجوع والفقر والظلم أو بطريقة تتوافق إلى حد ما مع الخطاب الرسمي، خوفاً من ردة فعل انتقامية على الأغلب، واقتصرت الحلول التي تم اقتراحها، استجداء "المغتربين" لإرسال قليل من أموالهم للعائلات السورية في الداخل، ونشر ثقافة التعاون والتكافل الاجتماعي، لا أكثر!
















شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها