آخر تحديث:20:02(بيروت)
الأربعاء 15/01/2020
share

"سانا" تغطّي تظاهرة السويداء... العواطف لا تصنع ثورة ثانية

وليد بركسية | الأربعاء 15/01/2020
شارك المقال :
"سانا" تغطّي تظاهرة السويداء... العواطف لا تصنع ثورة ثانية
من المبكر الجزم بأن النظام السوري يتخوف فعلاً من انتقال الموجة الثانية من الربيع العربي، التي يشهدها جاراه لبنان والعراق، وحليفته إيران، إلى مناطق سيطرته، حتى مع الأخبار التي نقلتها وكالة "سانا" الرسمية، بشكل نادر، عن وجود تظاهرات محدودة ضد الحكومة في محافظة السويداء جنوب البلاد، تطالب بتحسين الواقع المعيشي، هتف فيها المتظاهرون: "بدنا نعيش بدنا نعيش".

ورغم الاحتقان الواضح في مواقع التواصل الاجتماعي، وبعض الحوادث المتفرقة في البلاد، ككتابة شعارات معارضة على الجدران هنا، أو تصوير بعض الهتافات الثورية وبثها عبر مواقع التواصل هناك، وصولاً إلى حديث ناشطين معارضين عن اقتراب تجدد الثورة السورية، فإن الحديث عن "ثورة الجياع" في البلاد، قد يكون أقرب للتفكير بالتمني "Wishful thinking" على اعتبار سوريا الأسد دولة مشرعة للعنف وإطلاق النار، ليس بفعل الحرب المستمرة فقط، بل كجزء من الحمض النووي للنظام السوري نفسه، الذي حمى نفسه من الانهيار قبل 9 سنوات عبر هذا العنف الممنهج.

واكتفت "سانا" بنشر صورة من السويداء تظهر تجمعاً مع عدد من السيارات التي تغلق شارعاً وسط المدينة، وكتبت: "تجمع بضعة أشخاص في ساحة السيد الرئيس أو في ما تعرف بساحة السير وسط مدينة السويداء وبدؤوا بالهتاف: بدنا نعيش بدنا نعيش اعتراضاً على الواقع المعيشي"، علماً أن البلاد تعاني من تدهور اقتصادي حاد مع انهيار قيمة الليرة السورية أمام الدولار الذي تجاوز سعره صرفه حاجز الألف ليرة مؤخراً.



ولا جدال في أن الثورة السورية كسرت حاجز الخوف من النظام، لكن مستوى العنف الذي قدمه النظام وحلفاؤه بالمقابل، كان مهولاً، عبر اتباع سياسات الحصار والتجويع والأرض المحروقة، وهي أساليب مازالت تطبق اليوم في إدلب، بموازاة عدم تردد النظام في ارتكاب مجازر عنيفة في مناطق متفرقة قد تشهد نزعات ثورية حقيقية، آخرها رنكوس بريف دمشق هذا الأسبوع. بالإضافة لسطوة الأجهزة الأمنية وانتشار الاعتقالات التعسفية التي طالت حتى الأصوات الموالية للنظام مثل الناشط وسام الطير أواخر العام 2018.

ومن المحتمل أن مستوى جديداً من الخوف تشكل لدى بعض السوريين، من الثورة نفسها، لا بوصفها مصدراً لكل المشاكل المعيشية التي يعاني منها السوريون في حقبة ما بعد الحرب، وهي فكرة نشرها النظام وحلفاؤه على نطاق واسع، انطلاقاً من عبارات مثل "كنا عايشين"، بل أيضاً كعامل قادر على تفعيل أقصى درجات العنف لدى النظام والتي يمكن تجنبها بالخضوع والرضى والقناعة والصمت، ويتقاطع ذلك إلى حد ما، مع ثقافة الخوف لدى السوريين التي تكرست تحديداً بعد أحداث مدينة حماة في ثمانينيات القرن الماضي.

وعلى الأغلب، فإن "سانا" نقلت الخبر لأنه يتوافق فقط مع السردية السائدة في الإعلام السوري خلال الأسابيع الأخيرة، والتي تركز على فكرة "محاربة الفساد"، ويمكن تلمس ذلك في الصفحات الموالية في "فايسبوك"  لتي نشرت الخبر نقلاً عن الوكالة، حيث ركز الجدل في التعليقات حول مشروعية التظاهرات وضرورة توسعها في كل المحافظات السورية "كي يتدخل الرئيس بشار الأسد ضد تجار الأزمة"، وهو تعليق تكرر عشرات المرات في صفحات مثل "مراسلون سوريون" و"أخبار الساحل السوري" وحتى في الصفحات المحلية في السويداء نفسها، بينما أشارت مجموعات أخبار معارضة مغلقة إلى أن التظاهرات لا تخرج عن ذلك الإطار، بل أن بعض المتظاهرين طالبوا في هتافاتهم بتدخل الحكومة ضد التجار.

اللافت هنا أنه حتى أواخر العام الجاري، كانت الاحتجاجات الاقتصادية المماثلة عبر مواقع التواصل، موجهة بشكل مباشر للحكومة ووزرائها، لدرجة أن الموالين للنظام السوري نشروا مطلع العام الماضي رسائل شخصية إلى الأسد، من بينهم فنانون معروفون مثل شكران مرتجى وأيمن زيدان، للتدخل ضد الحكومة وإنقاذ المواطنين من البؤس الاقتصادي المتمثل حينها بأزمات الكهرباء والوقود، لكن النظام نجح في قمع تلك الأصوات أولاً ثم حول الاستياء كله نحو طبقة "التجار الفاسدين" حسب وصفه. فتكثفت الأنباء تدريجياً حول مشروع مكافحة الفساد منذ الخريف الماضي، وإن بدأت كشائعات تكررها مواقع التواصل، إلى حين نشر أنباء عن الحجز الاحتياطي على أموال رجال أعمال مقربين من النظام مثل رامي مخلوف أواخر العام 2019.

ومع مرور الوقت، تبدلت صورة الحكومة إلى حد ما، وتراجعت كمية التعليقات المتكررة الداعية لإقالة رئيس الوزراء عماد خميس. وبشكل مواز عمل إعلام النظام على تلميع صورة الحكومة عبر طرق مختلفة، آخرها مقطع الفيديو الذي تداولته صفحات موالية، الثلاثاء، لوزير النفط علي غانم وهو يشرف بنفسه على توزيع جرات الغاز المنزلي في ضاحية قدسيا بريف دمشق. في محاولة للقول أن الحكومة توفر كل الاحتياجات للسوريين، بعكس الواقع، وأن المشكلة تكمن في فساد التجار الذين طالبتهم وزارة الأوقاف مؤخراً بتخفيض الأسعار ضمن حملة #زكاتك_خفض_أسعارك التي لعبت على الوتر الديني ترويجاً لبراءة مسؤولي النظام من أي اتهامات بالتقصير أو الفساد، مقابل لوم صغار التجار وحتى المواطنين أنفسهم، على الانهيار الاقتصادي في البلاد



ومنذ العام 2011 يحافظ الموالون على موقف ثابث يفصل بين النظام وبين المسؤولين الفاسدين فيه، وبين الرئيس الأسد كشخص "نبيل" و"الأشرار" المحيطين به في الحكومة التنفيذية ممثلة بالوزراء، وبين النظام ككيان سياسي وبين طبقة التجار كيكان اقتصادي، رغم أن حدود الفصل بين تلك التقسيمات تكاد تكون معدومة. فعلى سبيل المثال مازال النظام حتى اليوم يدافع عن طبقة التجار ورجال الأعمال في خطابه الرسمي، لا الإعلامي، وهو ما تجلى في تصريحات بثينة شعبان، المستشارة الإعلامية للأسد، مطلع الأسبوع، عندما قالت أن الاقتصاد السوري اليوم أفضل مما كان عليه العام 2011 "بـ50 مرة" وأن سعر صرف الدولار ليس مرتفعاً بل هو ارتفاع وهمي فقط.

وبينما برر بعض الموالين تصريحات شعبان في وجه من انتقدها من الموالين أنفسهم متحججين بوجود "مشروع رئاسي لمكافحة الفساد"، فإن ذلك الموقف الرسمي لا يعتبر مفاجئاً، لأن حكومة النظام منذ العام 2017 وقفت بحزم "كلاسيكي" ضد إرادة مواطنيها الذين طالبوا بإصلاحات اقتصادية عطفاً على ترويج النظام لـ"انتصاره" في الحرب، وتم تبرير موقف التجار حينها بالقول أنه "من غير المعقول" أن يخسر التجار في حال نزول الأسعار بشكل مفاجئ لكونهم "اشتروا البضائع بالسعر القديم". وعكس ذلك الموقف حينها تشابك المصالح بين النظام وبين طبقة التجار، السنة تحديداً، بما في ذلك طبقة التجار ورجال الأعمال الجدد الذين ظهروا بعد العام 2011.



اللافت هنا، أن التجار ساعدوا النظام على الاستمرار عبر رعاية الحاضنة الاجتماعية له منعاً من انزلاقها نحو الجوع الذي يحيل بدوره نحو الاحتجاج. ويبدو أن النظام يحاول اليوم استرداد ذلك الدور، عبر توزيع المواد الأساسية المدعومة من خلال "البطاقة الذكية"، وتصدير صورة الدولة القوية والمركزية التي نجت من "الحرب الكونية" وتستطيع إدارة البلاد بكفاءة، وخلق الوهم بعدم وجود سطوة للميليشيات المرتبطة برجال الأعمال وطبقة التجار الأثرياء، علماً أن جذور هذه السياسة قديمة وليست طارئة.

ويعني ذلك أن التحكم بمقدار الثروة ومعايير والفقر والغنى، كان أسلوباً برع فيه النظام، قبل وصول بشار الأسد إلى السلطة العام 2000، لأن الدولة السورية قبل ذلك قامت على أسس اشتراكية، على الأقل في الظاهر، بتقديم خدمات عامة مجانية للمواطنين، بغض النظر عن جودتها، فضلاً عن دعم المواد الأساسية مثل الخبز والأسمدة والمحروقات وغيرها. لكن ذلك تغير في الألفية الجديدة، مع تحول النظام إلى الخصخصة والميل نحو الليبرالية، مع احتفاظ الدولة بصلاحيات واسعة على الشركات، ما أدى إلى ظهور تكتلات اقتصادية تتحكم بالبلاد، كشركات رامي مخلوف ابن خال الرئيس السوري بشار الأسد.

ومع انهيار سوريا كدولة توقفت بالفعل عن الوجود، تحول النظام بعد سنوات الحرب إلى كيان متهالك لا يمثل نفسه ولا مواطنيه، مثلما كان الحال سابقاً، بقدر ما يمثل مصالح الآخرين، بداية من مصالح حلفائه الروس والإيرانيين على صعيد السياسة الخارجية، وصولاً لمصالح رجال الأعمال على صعيد السياسة الداخلية، ويعمل الإعلام الرسمي وشبه الرسمي على تضخيم دوره الفعلي في الحياة اليومية وإخفاء تلك الديناميات الجديدة، مع الارتكاز على الإرث البعثي القديم لحكم البلاد بقبضة حديدية، وخنق السوريين اقتصادياً ومعيشياً وتعبيرياً لمنعهم من تحدي السلطات، ويصبح الحديث عن المشاكل المعيشية اليومية "في حال وجودها"، مثل حالة السويداء اليوم، بالتالي، عرضاً لمجرد قضايا وحالات فردية تستوجب الشفقة والمساعدة الإنسانية وليس الانجرار نحو عواطف التمرد، وإلا كان العقاب.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها