آخر تحديث:13:11(بيروت)
الجمعة 10/01/2020
share

طوكيو: ضاحية بيروت الجنوبيّة

باسل الأمين | الجمعة 10/01/2020
شارك المقال :
طوكيو: ضاحية بيروت الجنوبيّة انتقام بالفارسية (المدن)
استيقظ سانشو في الصباح، كان دون كيشوت قد فارق الحياة. يفكّر سانشو أيّ طريق يسلك بعد موت سيّده. لم يجد غير أنّه وحيد، والطريق موحشة. لا يريد أيّاً من المال الذي تركه له، يريده أن يعود كي يتبعه بصدق. في ذلك الطريق القريب، وفي أحد شوارع الضاحية الضيقة، يصرخ علي كركي: "برّا برّا برّا..أمريكا اطلعي برّا".

مَن يعرف علي، يعرف خفّة عقله. بإمكانه أن يمدح أيّ شخص أو أيّ شيء، بشرط أن تدسّ في يده ألف ليرة أو أكثر بقليل. لا يعرف علي شيئاً عن سعر الصرف. ثقافته مقتصرة على بطولات فريق النجمة، وعلى كوب شايٍ ساخن يقدمه له "الترشيشي" في محلٍّ صغير على مدّ أرصفة عين السكّة. لا يعرف محمد زبيب، ولم يشاهد وثائقي ثورة أوكرانيا في "نتفليكس". كل ما يريده أن يستيقظ كلّ صباح مجهّزاً جعبته من هتافات مدويّة وشعارات ساخنة لا حصر لها، ليسعّر الواحدة منها بألفٍ فقط. هل يعرف علي أنّ صباح الحزن قريب.. وأن الطيور الجارحة تشمّ الموت عن بعد أميال.. وأنّ الليرة الخضراء قد تفارقنا في أيّ لحظة.

حينها لن يتغيّر هتاف علي كركي، لكنّه سيبدّل تسعيرته.. سيضعون في جيبه دولاراً أميركيّاً مقابل أن يستمر في شتم أميركا. "أمريكا برّا برّا".. لكن الدولار "جوّا جوّا".

أمّي اليوم تجمّع علب الفول في الخزانة بحجة أنّ الإنهيار الكبير آت، وبحجّة أنّ الأمل ضاع وأنّ قرص الشمس الأحمر سيغيب وسيغيّبنا معه. أقول لأمّي، ثمة شعب بعيد سرقوا شمسه أيضاً، وضعوها على صفيحة بيضاء وأسموها علَماً. هناك يموتون مثلنا، لكن من كثرة العمل، أمّا نحن فنموت من قلّته. في اليابان، يقول موراكامي عن علي كركي: "كان على العجوز ناكاتا ألّا يضلّ طريق العودة إلى المنزل، لأنّه لو فعل، لن يبحث عنه أحد". علي كركي يهتف أكثر مما يعمل اليابانيّون، لذا أرجو ألّا يخنق نفسه يوماً بكل تلك الهتافات حين ينهار كل شيء. لأنّه في الضاحية التي تشبه طوكيو بعين سكّانها.. لا مكان للمنتحرين. لا أحد يبحث عنهم ولا يسأل.

على مهلك يا سانشو على مهلك. كذبوا حينما قالوا أنّنا حينما نموت لأجل قضية ما، يلفّنا الله بذراعيه. وحينما ننتحر يلفّنا بحبل من نار. كذب دون كيشوت يا سانشو، لم تكن هنالك وحوش أو دولارات ولا حتّى بون بنزين رخيص. لا رجال إستخبارات أميركيّين يختبئون تحت أسرّتنا، وكل ذلك الموت كان بلا معنى.. ذهبوا سدىً. المنتحرون يستشهدون أيضاً، والمستشهدون انتحروا بدورهم. قبل فترة، سخر بعض سكّان طوكيو من ثلاثة شبّان انتحروا. لم يقل لهم أحد أنّ ناطحات السحاب المثبّتة في المدينة، شُيّدت لكيّ يحرز الموت أكثر.. أنّها منصّات إعدام. لكن الضاحية الجنوبيّة لبيروت، ليست طوكيو، ولا ناطحات سحاب فيها حيث يقطن الشامتون بالموت. هناك الموت منخفض جداً وقريب من الطريق، لكنّهم اختاروا أن يغلقوا نوافذهم عليه. وإذا ما سقطت صورة مرتفعة لشهيد، سيهرعون لإلتقاطها غير آبهين لجثث الفقراء المكدّسة أمامهم.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

باسل الأمين

باسل الأمين

مسرحي وناشط حقوقي لبناني

مقالات أخرى للكاتب