آخر تحديث:17:55(بيروت)
الجمعة 27/09/2019
share

جاك شيراك: حليف قضايانا

حسن مراد | الجمعة 27/09/2019
شارك المقال :
جاك شيراك: حليف قضايانا شيراك معزياً أرملة الرئيس المُغتال رفيق الحريري (غيتي)
من دون شك، يعتبر جاك شيراك واحداً من أكثر الرؤساء الفرنسيين الذين شكلوا علامة فارقة على صعيد السياسة الخارجية لباريس. وتجلى ذلك مع وفاته التي تركت صدى تعدى حدود فرنسا. فإلى جانب تغريدات الفرنسيين، تفاعل المغردون العرب بدورهم مع الحدث مستحضرين مواقف الراحل تجاه قضاياهم الملحة، والتي تتجاوز الدبلوماسية نحو تأثيره على الميديا المعاصرة، لأنه كان القوة الدافعة وراء إنشاء شبكة "فرانس24" من منطلق إصراره على ضرورة أن تحجز فرنسا لنفسها موقعاً في سوق الاعلام الدولي.


وعبر هاشتاغ #جاك_شيراك، استذكر رواد مواقع التواصل الاجتماعي من لبنان إلى الكويت ومصر والسعودية، الدعم الذي وفره شيراك لبلدانهم حتى تتخطي أزماتها، إلى جانب العلاقات الثنائية التي جمعتهم بفرنسا إبان رئاسته بين العامين 1995 و2007. في هذا الاطار تنوعت التغريدات بين اللغة العربية والفرنسية كما انضم إليهم سفراء فرنسيون سابقون خدموا في بلدان عربية، فاستعادوا تجربتهم في إرساء وتمتين العلاقات الثنائية مع بلدهم الأم.

لكن أبرز ما استعاده المغردون كانت ثلاثة أحداث طبعت بشكل رئيسي علاقة شيراك بالعالم العربي: أشهرها فورة غضبه الشهيرة إبان زيارته للقدس العام 1996 حيث تناقلت تلفزيونات العالم وقتها شجاره مع أفراد الأمن الإسرائيلي بسبب الإجراءات الأمنية غير الاعتيادية، التي هدفت إلى منع الرئيس الفرنسي من التواصل مع المواطنين الفلسطينيين، ما اعتبر خير مؤشر على موقفه المؤازر للدولة الفلسطينية طرية العود في حينها. وعليه، استعاد رواد مواقع التواصل الاجتماعي هذه الحادثة للإشادة بما قدمه شيراك من دعم للموقف الفلسطيني معبرين عن حزنهم وامتنانهم له.

الحدث الثاني الذي استذكرته مواقع التواصل الاجتماعي هو موقف الرئيس الراحل الرافض لغزو العراق، ما حرم الرئيس الأميركي السابق، جورج دبليو بوش من غطاء دولي شكلي. وهو موقف نابع من ادراك شيراك لتركيبة المنطقة وتوازناتها الدقيقة، ومازال حاضراً في الذاكرة، خصوصاً أننا نعيش حتى اليوم تبعات هذا الغزو.

واستحضرت تغريدات أخرى معاداة شيراك للنظام السوري عقب اغتيال "صديقه"، رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري العام 2005. لكن وبخلاف الحالتين الفلسطينية والعراقية، لم يجمع المغردون على موقف موحد: فمن جهة انتشرت صور سابقة جمعت الحريري بشيراك للتذكير بموقف الأخير من جريمة 14 شباط. هذه الشريحة من المغردين اللبنانيين تدرك جيداً الدور الذي لعبه الرئيس الراحل في دفع المجتمع الدولي لمقارعة النظام السوري المتهم بارتكاب الجريمة.

توازياً، تداول آخرون بتغريدات تهكمية من نوع "رحل شيراك وبقي الأسد" وكأن الرئيس السوري بشار الأسد، حقق بذلك نصراً على من عاداه.  ولا يمكن فصل غياب الاجماع هذا عن الواقع الراهن الذي تعرفه سوريا: فالخصومة بين شيراك والأسد لا تلقى استحسان المؤيدين للنظام الذين يعتبرون أن ما تواجهه البلاد منذ العام 2011 عبارة عن مؤامرة.

وفي مقابل استذكار محاسن شيراك، انتشرت تغريدات لم ترى في ديبلوماسيته أي إيجابية تذكر، ابرزها التذكير بأدائه للخدمة العسكرية في الجزائر إبان الاستعمار الفرنسي. علماً أنه ليس هناك ما يدين شيراك على هذا الصعيد، بخلاف السياسي اليميني جان ماري لوبان، مثلاً، المتهم بالمشاركة في عمليات تعذيب الثوار خلال حرب التحرير الجزائرية.

واللافت هنا، كان منشورات لمعارضين سوريين ذكروا فيها بدعم شيراك لمسار التوريث في سوريا العام 2000 وأنه كان الرئيس الغربي الوحيد الذي شارك في جنازة حافظ الأسد، ما استدعى ردوداً من معارضين آخرين. لكن من يتبنى هذه النظرة السلبية يستند في منطقه إلى رأي يعتبر أن الرئيس الفرنسي الراحل لم يكن صديقاً للشعوب العربية بل صديقاً للزعماء، من المصري حسني مبارك إلى التونسي زين العابدين بن علي وحتى العراقي صدام حسين.

وفي هذا الإطار، من المفيد التوقف عند نقطة هامة وهي شخصية شيراك المزدوجة: فالرئيس الراحل ذو شخصية مرحة وبسيطة، لا يتعامل بأي فوقية ويحبذ كسر الحواجز البروتوكولية. وكل من التقى بشيراك أو احتك به من الصحافيين والسياسيين العرب سوّق، عن حق، لهذه الصورة وبناءً عليه كان الرأي العام العربي ينتظر منه مواقف أكثر حزماً. لكن، في نهاية المطاف، يبقى شيراك رجل سياسة يدرك جيداً حدود الدور الفرنسي وقواعد اللعبة والاشتباك الدولي والاقليمي، وعليه كان يفضل الإبقاء على الستاتيكو بدل "العبث به" كما جرى في الحالة العراقية. وهذه الازدواجية تفسر جانباً من الانتقاد الموجه لشيراك، حتى ضمن ردود الأفعال على وفاته، فالتوقعات كانت أكبر من الأفعال.

وتجب الاشارة إلى أن سعي شيراك لتمتين علاقات ومصالح بلاده مع العالم العربي لم يكن فقط من خلال الديبلوماسية، بل انسحب الأمر على المشهد الإعلامي أيضاً. وتجسد ذلك في إنشاء قناة "فرانس24 العربية". فخلال غزو العراق، أدرك الرئيس الفرنسي حاجة فرنسا لأن يكون لها "صوت" في أرجاء العالم، وتحديداً بعدما لمس تقصيراً من قبل الاعلام الفرنسي في تغطية مجريات الحرب حينها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها