آخر تحديث:19:45(بيروت)
السبت 21/09/2019
share

وقت العصر

تيريز دحدح | السبت 21/09/2019
شارك المقال :
وقت العصر لوحة حسن جوني
بدأت الصيفيّة هذه السنة من دون أمّي. 
تنام على مقعدها خديجة، تساعد حماتي في أمورها التي اقتصرت على شرب الدواء والانتقال إلى الحمّام ورفع ساقيها أو انزالهما، وضع مخدّة صغيرة او اثنتين وراء رأسها وتدبير الكراسي والحرامات الصغيرة اللازمة لجلسوها في الخارج، عند العصر، في طقس جبليّ ينتقل بين الحرّ والبرد.

فقدت رفيقتها اليوميّة في هذه الجلسات، فانتقلت تسأل عن الجارة، وإذا لم تأت تشكو وحدتها وعدم قدرتها على مغادرة المنزل.

وجودي معها لا يكفيها، فأنا أحبّ الصمت ولا أهوى نقل أخبار الناس المحزنة، ولا حتى المفرحة منها، فهي أيضاً تؤجّج الغيرة وتعب القلب، السكوت عنها أفضل. مثل أمي، نادراً ما أسأل أو أتساءل، بل أخاف السؤال، وإذا وصلني خبر محزن أخفيه وأنساه. 

تتعبني المآسي. أعمل ما بوسعي للابتعاد عن أخبارها خلال النهار لأنها تنتظرني كلّ ليلة على المخدّة، تمرّ أمامي في استعراض مخيف، بسيناريوهات متعدّدة ومتنوّعة، تبدأ بالأمراض ولا تنتهي بالحوادث. عبثا أبددّها إلى أن تترك لي هي المجال لألجأ إلى عمليات حسابيّة أخترعها وأنام أثناء حلّها. يبدو أنني هكذا أكبر في السنّ.

تحلو الجلسة في حديقتي عند العصر، عندما يأتي الأحفاد وأصدقاؤهم يلعبون تحت نظر الخادمات الأثيوبيات، يجلسن على الدرج المؤدّي إلى الطريق العام يقفلنه بوجههم ويبدأن جَدلَ شعر بعضهنّ. 

تجلس حماتي وجهها للطريق تتسلّى بما يمكنها رؤيته وتتحسّر في سرّها من عدم قدرتها على الانتقال إلى شرفة من شرفات المبنى القائم أمامنا حيث تلتقي النساء عند عصر كلّ يوم حول فنجان قهوة وأخبار الناس. أجلس بقربها بين يديّ كتاب يمنعني صخب الأولاد من قراءته فأنتقل إلى قطعة قماش من "الأورغاندي" أخرّم عليها بالإبرة ضمّة زهور صغيرة بـ "قطبة الظلّ" التي أحفظ لها معزّة خاصّة. 

صراخ الأولاد يعلو، ويعلو فوقه صوت الأثيوبيات العالي جداً، إذا أردن الكلام في الوقت نفسه. أطلب منهن بالنكتة تخفيف حدّة الصوت أما حماتي التي أنهكها العمر فتبقى على مزاجها الصارم: "غيرنا كان كحشون".

تأتي خديجة بصينية القهوة مع صحن وضعت فيه قطعة من خبز "الدابو" يشبه الخبز الإفرنجيّ تصنعه مع قليل من السكر وحبّ البركة، تأكله مع الشاي. خبز طيّب للعصرونيّة وخفيف. أناول حماتي قطعة صغيرة وأحاول بلا نتيجة أن أجعلها تتذوّقه. "كُلي إنت صحتين". تعوّدت أن أشارك خديجة بعضاً من أكلها مثل طبخة العدس الأحمر مع البصل والفلفل الحرّ الأثيوبي.

شاركت زملاءها في يوم التقين عندي حول أكلة "تشاتشابسا"، وهي كناية عن عجين مرقوق ومقطّع إلى نتف صغيرة تطبخ مع الزيت والحرّ. كلّ ما تطبخه الأثيوبيات لونه برىقالي بلون البهار الحرّ أو أصفر بلون الكركم. حماتي لا تعلّق على تصرّفاتي هذه، لكن سكوتها يدلّ على عدم رضاها وربما أعتبرتني متهوّرة في جرأتي. نختلف كثيراً في الأسلوب.

أستأنس بالأطفال وحاضناتهم. يجتمعن أحياناً حول تاجر ثياب سوري متجوّل على درّاجته الناريّة ليصل عددهنّ إلى أكثر من عشرة. واحدة تحمل طفلاً ملفوفاً بحرام على ظهرها، وثانية تمسك كلباً يلبس ثياباً جميلة ويقف على قائمتيه الخلفيتين في استعراض يضحكني ويسلّيني. لا بأس! جوّ لطيف بعيد من أخبار المرض، وتفكّك الأسرة، والفضائح المحليّة والعالميّة المدعّمة بصور وفيديوهات، زد إليه الإستياء الحادّ من فساد السياسة وأطماع السياسيين، كمّ من الأخبار تدمن عليه الناس وتغرقني في يأس لست في حاجة إليه على أبواب الليل.

زهرة أنتهي من تطريزها، أو قراءة كلام جميل وحقيقي: هذا ما أحتاج اليه. في الكتاب الذي بين يديّ يصف Alex Khan مجموعة كبيرة من أزهار الأوركيدية البريّة التي فاجأته على علو 1500 متر، بأنها "خلاصة جمال العالم الواهي". ويتابع: "هل أستحقّ فعلاً هذه السعادة؟ أتيحت لي هذه الفرصة وها أنا أرتجف لشدة التأثر". وبعد أن يستفيض في وصف ألوانها وأشكالها المختلفة عن بعضها، يكمل: "توصّلت أيضاً إلى فكرة بديهية ومجهولة أحياناً: طالما أنّ مثل هذه الأزهار موجودة وتكشف عن نفسها، لا يمكن لمن يتقن تأملها أن يتعرّض لأيّ مكروه". أتقن تأمل الأزهار وأزورها في الحقول والأحراش، تماماً كما أزور بيت أهلي، لتعود إليّ عافيتي ونشاطي، لكني لم أتوهّم يوماً أنني سأكون بذلك بعيدة من "أي مكروه".  

أجلس بالقرب من حماتي على غير عادتي، على كرسي يلتصق بكرسيّها. انتبهت لذلك بعد وقت قليل من جلوسي وفوجئت. دائماً أترك مسافة بيني وبينها بشكل تلقائيّ، أو أجلس بمواجهتها فأكون بذلك بعيدة من مشاعرها وأفكارها السلبيّة، ربّما تجاهي، وبمأمن منها. ربّما مرور العمر وضعنا في معجن واحد، تقوى فيه سطوة القدر المحتّم ويختفي الأمل في الأفق، فلا يبقى في اليد أكثر من تمرير الوقت بأقل نسبة من الأضرار. أهتمّ براحتها وتشكرني بالدعاء لأولادي، وطلب الرّحمة لأمي، فترتاح كثيراً عندما أقول لها: "هي التي أوصتني بك". تردّ مع شيء من الضحك:" قربت الأيام تانصير جيران بسيّدة الحارة".

تمرّ على الطّريق العام، النوريّة ليلى، تقف لحظة تُمسّينا وتنتظر قليلاً ربما دعوناها لتقرأ لنا الفنجان. لم يعد في الفنجان ما يفاجئنا، فالأحلام والأماني انتهت، وما كتب فيه عن خيبات الأمل السابقة والقادمة، ومشاعرالغيرة والحسد التي تتربص بنا، لم نعد بحاجة للنوريّة لتفكّ رموزها. "عجنتنا الحياة وخبزتنا" أنا وحماتي ولا يفرّقنا سوى الأسلوب.

"شفتي هالمطربيّة (النوريّة) المبهدلة.. أنا بحسدا لأنها فيها تروح مطرح ما بدا". تتحسّر على أيام كانت فيها حرّة في تنقلاتها وأعمالها. تاجرت بعد وفاة زوجها، قصدت أسواق طرابلس وتجّارها الذين أحترموها و"قدروا" عملها. تذهب إلى المصارف تزيد على المال.

قابلت البطريرك صفير تشكو له جهات غريبة عن المنطقة تنوي إقامة منتجع سياحي في مشاع جرود إهدن، وأعطته "كتاب" المشروع، وكانت خيبتها عظيمة عندما أعرب لها عن إعجابه بهذا المشروع الذي يؤمّن عملاً لأهالي إهدن. وقفت ضد المشاريع "العمرانيّة" التي تخرّب إهدن برأيها، وتحمّست "لقضية الكتلة"، ساحة كنيسة مار جرجس، عندما حاول الوقف تجويفها وتحويلها إلى كاراج للسيارات، وغيرها. تردّد الآن بعد تعبها ويأسها: "نحنا عنّا بيت بإهدن بس حدا يقرّب عليه ما بيكون مبسوط وخلص يصطفلو". 

غابت الشمس وبرد الطقس قليلاً. لفّت رأسها بشال الصوف على أمل أن تبقى الجلسة في الخارج مستمرّة، وعلّه يزورنا أحد. طلبت من خديجة أن تلفّ رجليها جيّداً بالحِرام، وقبل أن يقسو البرد وتنتهي جلستنا، تذكَّرت يوم عرسها وأخبرتني للمرّة المئة: "لبّسوني الأبيض وقبل أن يأتي الكاهن ويبدأ الإكليل أخذوني عند عمّي فؤاد لأنه مقعد بسبب كسر في رجله. أعطاني 20 ليرة. في طريقهم عرّجوا على عمي قبلان، وأعطاني 15 ليرة. أصبحوا 35 ليرة. صرّيتهم في يدي جيداً وعندما عدنا الى البيت أخذتهم أمي منّي عنوة". تبدأ بالبكاء كالأطفال كما في كلّ مرّة وتقول: "أمي كانت قاسية". 

اشتدّ البرد، ولم يزرنا أحد. "خديجة!"، تنادي حماتي بلهجتها الزغرتاوية وبصوت عال وصاف، رغم سنيّها الثماني والتسعين وتهالك جسمها. تأتي خديجة تلملمها مع أغراضها وندخل إلى البيت.  

عندما أخبرتني حماتي أنها تحسد النوريّة، نبّهتني أنني أحسد الذين ألتقي بهم يوم الأحد في طريقي إلى الفرن لخبز الكبّة. يضعون قبّعات القشّ على رؤوسهم ويحملون العصيّ، يبدأون مشواراً في الحرش أو يعودون منه. أحمّلهم سلامي لرائحة الحرش وعين "النّعصا"، وأمنّي النفس برحلة ربّما أقوم بها إليه إذا ما دعاني أحد إلى مرافقته. لا أذهب إليه وحدي، الوحدة  في البريّة قاسية، كيف بي وأنا عندما كبرت في السنّ أغرق فيها يوماً بعد يوم.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

تيريز دحدح

تيريز دحدح

كاتبة لبنانية