آخر تحديث:19:40(بيروت)
الخميس 19/09/2019
share

إستقطاب غير مسبوق في إنتخابات إسرائيل: الحدث الأخطر

أدهم مناصرة | الخميس 19/09/2019
شارك المقال :
إستقطاب غير مسبوق في إنتخابات إسرائيل: الحدث الأخطر
لم تكن نتيجة إنتخابات الكنيست الثانية والعشرين مفاجئة بالجوهر ومن ناحية التقارب الشديد بين المعسكرين (اليمين المتطرف، واليمين الوسط-يسار) بغض النظر عن تقدم حزب "ازرق أبيض" بمقعد أو مقعدين؛ ذلك أن استطلاعات محطات التلفزة الإسرائيلية الرئيسية قد تنبأت بهذا التقارب مسبقاً.. فبدا الإعلام الإسرائيلي قائماً بدور "المُحكّم" بهذه الإنتخابات قبلاً وبعداً. 

حتى أن نتنياهو نفسه رغم "حبه لذاته وغروره" كان حذراً جداً من مآلات النتيجة في الأيام التي سبقت الإنتخابات. وقد ظهر ذلك جلياً حينما سألته مذيعة إسرائيلية عما إذا كان واثقاً من الفوز.. فأجاب نتنياهو بطريقة تفتح الباب أمام كل الإحتمالات.

ركّزت الصحافة الإسرائيلية على زاوية مفادها أنه "حتى إنتخابات الكنيست الثانية في غضون خمسة أشهر، أبقت إسرائيل في أزمة تشكيل الحكومة نتيجة الإستقطاب غير المسبوق في الدولة العبرية". فكثفت هذه الصحافة تحليلاتها حول كيفية الخروج من عنق الزجاجة في ظل عدم الحسم المُريح لأي من المعسكرين.

وطرح إعلام إسرائيل أسئلة من قبيل: ما هي ملامح الحكومة القادمة؟.. هل الحل بحكومة وحدة بين "كاحول لافان" والليكود دون نتنياهو؟.. أم التناوب بين نتنياهو وغانتس؟

حاول نتنياهو في البداية أن يتّبع مبدأ متشدداً بأسلوب "أطلب الكثير لأحصل على المقبول"، وذلك عندما تحدث على هامش اجتماعه بحزبه الليكود، الأربعاء، عن خيارين لا ثالث لهما: إما حكومة برئاسته أو حكومة خطيرة تستند على دعم عرب "معادين للصهيونية".

غير أن نتنياهو سُرعان ما نزل عن الشجرة في اليوم التالي، وقبيل ساعات قليلة من إكتمال فرز الأصوات، فقرر دعوة زعيم تحالف "أبيض أزرق" بني غانتس للاجتماع، الخميس، قائلاً إنه ليس هناك خيار سوى تشكيل حكومة وحدة وطنية.

ربما يحاول نتنياهو بذلك أن يقطع الطريق أمام سيناريو حكومة الوحدة- بدونه- إذا ما ما قرر الليكود عزله وتكليف شخص غيره.. بالرغم من أنه لا يحب هكذا سيناريو ويصر على حكومة يمينية صهيونية، ليس من منطلق مبدأي، بل لأن حكومة الوحدة لا تمنحه شبكة الأمان لسن قانون "الحصانة" من محاكمته في حال قُدمت ضده لوائح اتهام بقضايا فساد.

بالرغم من أن أحد مقربي نتنياهو، تحدث لقناة "كان" عن خيارين؛ إما حكومة بالتناوب بين نتنياهو وغانتس أو الإنتخابات، إلا أن الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين كان قد صرح قبل يوم من انتخابات الكنيست، بطريقة أظهرته وكأنه على دراية مسبقة بالنتيجة غير الحاسمة. حيث قال "سأبذل جهدي للحيلولة دون الذهاب لإنتخابات ثالثة"، ما يعني أنه ربما سيفرض حلاّ في اللحظة المناسبة على المعسكرين وباقي الأحزاب تحت عنوان "الحل الإضطراري لإنقاذ إسرائيل".

وفي هذا المضمار، ذهبت صحيفة "يديعوت أحرونوت" في عددها الصادر، الخميس، للحديث عن سيناريوهات الليكود؛ وتتمثل بـ: شق أحزاب أخرى، وحدة مع المتدينين، أو انتخابات جديدة. لكن الصيحفة مع ذلك، لم تستبعد احتمالات عودة التناوب على رئاسة الحكومة الإسرائيلية.

أما صحيفة "معاريف"، فترى أن الوصفة السحرية لتخليص المجتمع الإسرائيلي من الواقع الذي وصل إليه، تنحصر فقط ب"تنازل نتنياهو". وركزت الصحيفة أيضاً على تصريح للرئيس الامريكي دونالد ترامب يحاول من خلاله أن يتهيأ لإحتمال إزاحة نتنياهو من المشهد السياسي، عبر القول "إنه ليس قلقاً من نتيجة إنتخابات الكنيست؛ لأن علاقته مع إسرائيل وليس مع نتنياهو".

من جهتها، طرحت صحيفة "هآرتس" تساؤلاً، هو: ماذا سيفعل رئيس الدولة، تكليف نتنياهو، غانتس أو عضو كنيست آخر؟.. بينما نقلت صحيفة "إسرائيل اليوم" عن نتنياهو وثوقه بأن "تكليف الرئيس لغانتس لتشكيل الحكومة لن يخرج منه شيء".

وفي غمرة الإنشغال بتناقل تصريحات قيادات الأحزاب الإسرائيلية وتعليقاتهم بشأن النتيجة المتقاربة بين المعسكرين سالفي الذكر، فإن صحافيين ومحللين في الدولة العبرية حسموا قول الحقيقة الأبرز بخصوص أكثر الرابحين في هذه الإنتخابات، وهما طرفان: حزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة افيغدور ليبرمان الذي حصد ثلاثة مقاعد إضافية مقارنة بالنتيجة السابقة ليحجز 8 مقاعد. 

وأما الطرف الثاني الرابح فهي "القائمة العربية المشتركة" بقيادة أيمن عودة، حيث   حصدت ثلاثة مقاعد إضافية لتحصل على 13 مقعداً بعدما زادت نسبة التصويت في الوسط العربي بعشرة بالمئة عن الإنتخابات السابقة التي جرت قبل أكثر من خمسة أشهر، لتبلغ نسبة التصويت حوالي 59.1%.

هذا الفوز لأفيغدور ليبرمان كرّسه مرة أخرى ك"بيضة القبان" التي من دونها لن تتشكل حكومة يمينية صهيونية، كما وثبتت القائمة العربية المشتركة نفسها كقوة ثالثة بالكنيست لن تكون حكومة وسطية ويسارية من دون مشاركتها.

وعزا خطاب "القائمة المشتركة" تراجع اليمين والتقارب الشديد مع معسكر بني غانتس، إلى الصوت العربي الذي كان حاسماً "وقد  وجه ضربة قوية لنتنياهو".

وحاولت "المشتركة" أن تلعب بأعصاب نتنياهو، وتطرح نفسها بأنها "بيضة القبان" الحقيقية، وذلك من خلال إعلانها عن اتصال أجراه زعيم "أزرق أبيض" بني غانتس مع أيمن عودة فور خروج نتائح الإنتخابات الأولية للبحث عن إمكانية مشاركة "المشتركة" في حكومة برئاسته. وأشار عودة إلى انه ينتظر اجتماعاً حول ذلك. ولكن.. مع استخدام عبارة "نحن لسنا في جيب أحد".

ولعل السؤال الأبرز في هذا المضمار: هل يحقق غانتس شروط "المشتركة" لا سيما "نسف قانون القومية العنصري"، مقابل الدخول في هكذا حكومة؟.. ثم، هل بإستطاعة الأحزاب العربية أن تدخل في حكومة يقودها غانتس يتنبى نفس الجوهر لمواقف نتنياهو الإحتلالية؟

لمجرد طرح هكذا أسئلة، يبدو أن القائمة المشتركة "حاسمة نظرياً لا عملياً" بخصوص إنجاح أو إفشال نتنياهو؛ ذلك أنها بالغالب لن تجازف وتدخل في ائتلاف حكومي بقيادة غانتس ولو ضمن مبدأ "للضرورة أحكام" وتحت عنوان "إنهاء حكم نتنياهو". ويبدو أن السيناريو المحتمل لما ستقوم به "المشتركة" هو قيامها برفع توصية للرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفيلين كي يكلف غانتس بتشكيل الحكومة.

بغضّ النظر عما إذا كان نتنياهو باقياً أو ذاهباً عن المشهد السياسي، فإنه يعتبر اكثر الخاسرين بكل الأحوال في هذه الإنتخابات التي بادر إليها من تلقاء نفسه بعد تعثره في تشكيل الحكومة في أعقاب المعركة الإنتخابية الفائتة.. لدرجة أن قراءات رصدتها "المدن" على ألسنة محللين في محطات التلفزة العبرية، اعتبروا فيها أن نتنياهو "أطلق النار على قدميه".

بالإنتقال إلى السوشال ميديا، فإن المنشورات والتغريدات الإسرائيلية التي غزت هذه المساحة الإفتراضية، قد كشفت بشكل لافت، حجم حالة الإستقطاب غير المسبوقة في "تاريخ إسرائيل"، وهو انعكاس لما هو حاصل واقعياً في المشهد السياسي والإعلامي والإجتماعي بها منذ أشهر. لدرجة أن بني غانتس قال إنه يريد حكومة وحدة لرأب الصدع الذي أحدثته الإنتخابات في المجتمع الإسرائيلي، وما رافق ذلك من شيوع الفرقة بين مختلف التوجهات والقوميات بإسرائيل.

 فلأول مرة، يتخلل الإنتخابات اعتداءات وعنف جسدي بموازاة تراشق الإتهامات وتحريض الأحزاب على بعضها

كما ورصدت "المدن" منشورات وتغريدات لإسرائيليين عبروا فيها عن غضبهم واستيائهم إزاء دفع مبالغ طائلة على إنتخابات ثانية بغضون ستة اشهر، ثم تنتهي بنتيجة غير حاسمة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها