آخر تحديث:16:54(بيروت)
الأربعاء 18/09/2019
share

انتفاضة العملاء

زكي محفوض | الأربعاء 18/09/2019
شارك المقال :
انتفاضة العملاء نصر الله يتفقد زنزانة سهى بشارة في معتقل الخيام بعد تحرير الجنوب (تصوير: محمود الزيات)
في 9 أيلول/سبتمبر 2015، ظهر بوست فايسبوكي للكاتب حسام عيتاني يقول فيه: "أقل الناس حساسية وفهماً لما يجري هم جماعة #كلن_يعني_من_عدانا". وينطوي الهاشتاغ على تنزيه جماعتِـ"ـنا"، وتنصّلـ"ـنا" من المسؤولية لرميها على الآخرين، كالسلطة أو الفريق الثاني، إلخ...
ويمكن القول إنه وصف يصيب اللبنانيين منذ 1943، مروراً بحاضرهم، وارتحالاً مع الزمن إلى مستقبلهم إذا لم يتغيّر شيء. وذلك الهاشتاغ المبتكَر واكب هاشتاغ "#كلن_يعني_كلن" الذي راج كثيراً في محاولات للتصويب على جميع أهل السلطة بلا استثناء، وللدعوة إلى الخروج على الانتماء الأعمى. لكنها فشلت بسبب سوء التصويب، وعمى المنتمين وتفضيلهم البقاء في منطقة أمانهم.

ومع دخول المناضلة سهى بشارة والعميل عامر الفاخوري بقعة الضوء أخيراً، يُثبت هاشتاغ "#كلن_يعني_من_عدانا" صحّته من جديد.

كان يكفي سهى بشارة أن تنتقد سلوكاً لجبران باسيل، النائب والوزير ورئيس "التيار الوطني الحر" وصاحب أكبر كتلة نيابية وحصة وزارية، وصهر الرئيس، والطامح إلى كرسي الرئاسة... حتى تُمعن جماعته تشكيكاً في وطنيتها، وتكشيراً عن موقفهم (الحقيقي) منها ومن مسيرتها النضالية المستمرة، ومن المقاومين الأوائل لإسرائيل حين كان أسلاف باسيل في السياسة في ضفّتها.

ولم يخفف من غيرتهم على زعيمهم، التقدير الذي يكنّه حسن نصرالله، حليفهم الكبير، لسهى، بدليل الصورة التي يظهر فيها "متأمّلاً" زنزانتها في معتقل الخيام بعد تحرير الجنوب، كما جاء في التعليق. والعونيون، في المقابل، لم يبالوا بإشهار نصرالله ولاءه لإيران، ولم يشككوا في وطنيته... وحذا حذوهم الطقم الحاكم وأركانه.

هذه الفورة، المتوقّعة بسبب انتقاد الزعيم "المعصوم"، تثير التساؤل حول ورقة "تفاهم مار مخايل". لكأن في طيّاتها، وبحبر خفي، توزيعاً للاختصاصات بين "مقاومة" إسرائيل و"تثقيل التعامل" معها: اختصاص المقاومة استأثر به "حزب الله" من زمان وبدعم إقليمي. وأما اختصاص تثقيل التعامل، فخضع لعملية تجميل ألبسته قناع "المبعدين قسراً". وأجرى الجراحة "كونسولتو أطباء" من عونيين وقواتيين للاستئثار بهذا الملف لدواعي مصلحية داخلية، وربما خارجية أيضاً. فالتّماس مع إسرائيل، ولو بفقازات طبية وكمّامات وأثواب بيض معقّمة، أمر مربح دولياً.

والحق أن الدولة هي الجهة الوحيدة المخوّلة وضع المعايير لفتح باب العودة أو إغلاقه أمام العملاء، إلى أي جهة انتموا. والطرف الذي يحتكر أياً من الاختصاصَين، مصيره الوقوع في الاستنسابية: هذا "عميل مؤكّد" وتلك "عميلة ولكن"، وذاك "عميل دفع فنجا"، و"من كان عميلاً بالأمس بات حليفاً اليوم"، والعكس صحيح... وفقاً لمصالح مادية وليست وطنية.

في آخِر مستجدات قضية العميل الفاخوري، وردّاً على سؤال وجّهته صحافية إلى رئيس حزب "القوات اللبنانية"، الدكتور سمير جعجع، أثناء بثّ حي عبر صفحته في "فايسبوك"، أجاب جعجع: "لمّا تقولي لي رأيك بسليم عيّاش، أقول لك رأيي بعامر الفاخوري". جواب بديهي من رئيس حزب، في غياب دولة ناظمة ترعى شؤون مواطنيها، وفي بلد يقوم على #كلن_يعني_من_عدانا. وعيّاش، المنتمي إلى "حزب الله"، اتّهمته المحكمة الدولية بتنفيذ محاولتي اغتيال، واغتيال ثلاث شخصيات لبنانية.

بفضل ظهور الفاخوري، تجرّأ كثيرون، وفي شكل لافت، على التعبير عن نظراتهم المتعارضة بشدة إلى مسائل سياسية حسّاسة، كان الحديث عنها شبه محرّم (وإلاّ فالتخوين الفوري)، وأبرزهها تحديد العدو والعميل. وهذه المرّة، ليس نفياً للعداوة بين إسرائيل ولبنان، إنما لإضافة دول أخرى، كان يستحيل اعتبارها عدوة، في لائحة الأعداء، وإدارج المتعاملين معها في لائحة عملاء إسرائيل.

وذلك في حين أن اللبنانيين المتنافرين لا يزالون، منذ الاستقلال، يحفظون تلك المسائل في نُسخ تناسب قناعات كل منهم. ولم يبذلوا جهداً لإعادة النظر فيها، مهما تغيّرت الظروف والمعطيات. فعلى سبيل المثال، كلمة "تكفيريين" تكفي لإرباك كل من يتراجع قليلاً ليتفقّد من بعيد مشاهد الاقتتال في المنطقة، فيجد أنها "صفة" تنطبق أيضاً على مُطْلقيها.

ولا ننسى تعبير "عملاء الداخل" الذي يتشقلب كالعلكة في فم كل ممانع، كإشارة إلى أي متسائل أو مناهض أو منحرف أو مشكّك... ويقابله تعبير "تحسسوا رقابكم" الذي يهدر الدماء. ثم جاء فوتوشوب ليزيد من رهبة التعبير الأخير، فوُضعت رؤوس صحافيين لبنانيين مناهضين لـ"حزب الله" في زيّ الجيش الإسرائيلي، على لوحة خلف "الحريص الإسرائيلي على لبنان" أفيخاي أدرعي، مع تعليق يشير إلى أنهم عملاء. وأخيراً، غرّد أحد مناصري "حزب الله"، متسائلاً عن المراكز التي ستقترع فيها شخصيات لبنانية مناهضة أيضاً في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، كضرب من السماجة "المقاوميّة".

"... منذ 1990، لم يجلس الخاسرون من ضفّتي الحرب، أمام من قتل ابناءهم أو أخفاهم ودمّر ممتلكاتهم لكي يعرفوا حقيقة ما حصل لهم"، يكتب الصحافي عمر حرقوص في "فايسبوك"، ويضيف: "المتعامل مع الاحتلال الإسرائيلي للبنان مثل المتعامل مع الاحتلال السوري، والذي عذّب الناس في سجون انطوان لحد مثل الذي عذب في سجون الميليشيات كافة من دون استثناء، وسجون عنجر والبوريفاج و"أمن فتح الـ17" وحتى مؤسسات رسمية". ووافقه كثيرون.

وظهرت فئات أخرى من المُفسكبين والمغرّدين، تطالب بإضافة سوريا والعراق وإيران والسعودية وليبيا إلى لائحة أعداء لبنان، خصوصاً بعد الأهوال التي عصفت بسوريا، واعتبار المتعاملين معها عملاء من عيار عملاء إسرائيل. وذهب بعضهم إلى وضع حتى نضال سهى بشارة ورفاقها في الحركة الوطنية (الاشتراكي والقومي والشيوعي...) وحركة "أمل" و"حزب الله"... على خلفية العمالة للجهات المموّلة والراعية التي كانت تتبدّل كاتجاهات الرياح، ليبيا إحداها، والعراق وإيران...

لعلّها المرة الأولى التي يضج فيها الفضاء الرقمي بهذا الكم من النقاشات والسجالات ذات الصلة بمسألة العمالة والعداوة. ومعظمها جاد هذه المرة، إذا استثنينا المساحات التي أُفرِدت للسفاهة والنكايات المتبادَلة. وهذا يدلّ على الكبت الذي تعانيه الأطراف المغلوبة، و"خشبية" الأطراف الغالبة التي نامت على انتصارها ولم تسعَ لبناء دولة رحبة رؤوفة. فبعد كل ما يحصل إقليمياً ودولياً، ألم يحن الوقت لمراجعة الأفكار البائتة، والتحقق من اتجاه البوصلة لعلّ عقربها صدئ، والتساؤل عن الفشل في التلاقي على أي شيء بغية كسر الجليد؟.. وإلاّ سيبقى سائداً منطق #كلن_يعني_من_عدانا.

كأن ما "فسبكه" الباحث والأكاديمي د.أحمد بيضون، في موضوع محاكمة عامر الفاخوري الجارية، أتى للإحاطة بتداعيات "معركة العمالة" تلك، وللمساواة بين أصناف العملاء في "جرائر" ممارساتهم. وكتب بيضون: "غيرُ محتَمَلٍ أن يخضعَ الفاخوري لمحاكمةٍ عَلَنيّةٍ متأنّيةٍ يلقى بنتيجتها عقوبةً جِدّيةً. لا يناسب أمراءَ الحرب ِالذين ما زالوا، هم أو خلفاؤهم، أركاناً للحياة السياسيّة في البلاد أن ينتبهَ الجمهورُ مجدّداً إلى كون الفاخوري لم يفعلْ شيئاً إِلَّا وفعلوا أو رعوا ما هو أدهى منه. هذا ينذر بتمزيق ورقة التوت المسمّاةِ قانون العفو ويرُدُّ إلى دائرة الضوءِ كونَ العنْفِ في الحرب اللبنانيّة لم يكن "قتالاً" وحسبُ، بل كان، في جانبٍ عظيمٍ جدّاً منه، جرائمَ حربٍ موصوفةً لا ينجو من جرائرها، على الأرجح، أيٌّ من أطرافِ حربنا الفاخرة". 

خلاصة القول، يكاد اللبنانيون كلهم أن يكونوا عملاء. فلو أردنا حَلبَ فكرة العمالة إلى آخر نقطة، نجد أن حتى الذين يتمنّون الهجرة من لبنان، مع الذين هاجروا واكتسبوا جنسيات أخرى، يمكن اعتبارهم عملاء، نظراً إلى أن ولاءهم لم يعد (فقط) لبلدهم. وكل ذلك الهذيان الرقمي والواقعي سببه عجز الطوائف عن إقامة دولة... إذاً، كلنا عملاء فلنعلنها انتفاضة على أنفسنا!

وفي الأثناء، من غزّة، في فلسطين "بوصلة" الممانعين، وعبر ما اصطُلح على تسميته "الخاص" في وسائل التواصل الحديثة، ترد رسائل من هذا القبيل: "لا تصدّقوا أننا صامدون، نحن أشباه أحياء، البنت تشتهي علاقة غرامية قبل أن تموت، والشاب يتمنى أن يهاجر ليفرّ من الضيق، ومن الذين يشاركون في "مسيرات العودة" من يسعَد إذا إصابه الجنود الإسرائيليون في ساقه، لكي يقبض 100 دولار، كتعويض من السلطات، تكفيه للعيش شهرين"...

أخيراً، وحفاظاً على خط الرجعة ولئلاّ نتندّر مستقبلاً على دولة صديقة، يبدو أن فرنسا وألمانيا واسكندنافيا "زمطت" من لائحة الأعداء!

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها