آخر تحديث:20:27(بيروت)
الجمعة 13/09/2019
share

إسراء غريّب.. وقد اختبَرت حُكمَ السلطة الفلسطينية "الرشيد"!

أدهم مناصرة | الجمعة 13/09/2019
شارك المقال :
إسراء غريّب.. وقد اختبَرت حُكمَ السلطة الفلسطينية "الرشيد"! قيادات في السلطة تعتبر أن "جهات لها أجندات خارجية" تستغل الحادثة
بعد جدال وشكوك وأحكام مسبقة غزت السوشال ميديا على مدار أسبوعين، بسبب قضية الشابة العشرينية إسراء غريّب التي توفيت الشهر الماضي متأثرة بإصابات بالغة.. جاء النائب العام الفلسطيني اكرم الخطيب، الخميس، ليحسم إدانة ثلاثة أشخاص بـ"الضرب المفضي إلى الموت".

إدانة النائب العام لهؤلاء الأشخاص (شقيقَي غريّب وزوج شقيقتها) شكّلت إرضاء ولو محدوداً لمتعاطفين مع إسراء؛ كونهم خشوا من إخراجٍ للحكاية بطريقة تبرئ من اقترفوا جُرماً بحقها؛ بينما حكم "فايسبوك" منذ البداية وقبل خروج تقرير النيابة بإتهام هؤلاء.

ولكن.. سرعان ما انتقلت حالة التشكيك، بُعَيْدَ مؤتمر النائب العام، بإتجاه نقطة أخرى مرتبطة بإدانتهم على أساس مادة قديمة من قانون العقوبات الفلسطيني لسنة 1960؛ باعتبارها ستفترض أن إسراء توفيت نتيجة عنف جسدي ليس بالضرورة كان مُقترفُه قد عمد-أساساً- إلى قتلها. وهذا يعني أن حكم المتهمين لن يتجاوز سجنهم خمس سنوات، وهو حكمٌ- لو تم- سيكون غير عادل وأقل بكثير مما يستحق المتّهمون، وفق النشطاء. 

الواقع، أن رواد التواصل الإجتماعي استبقوا المراحل القانونية وإجراءات المحاكمة، ليستنتجوا هذه المخاوف من خلال منشوراتهم. وبذلك، عبّروا عن عدم ثقتهم في القوانين الرادعة للمجرمين. وجاء الرد على ما سلف بمنشور كتبه رئيس الوزراء محمد شتية، في صفحته الفايسبوكية؛ إذ شدد على أن "مواقع التواصل الإجتماعي ليست محاكم، ونَعِد المرحومة إسراء غريب بالعدالة، وكذلك المهتمين بقضيتها".

فيما تساءل ناشطون آخرون: "لماذا قتلوها؟!"، وكأنهم أخذوا على النيابة العامة أنها أبقت العديد من الأسئلة بلا إجابة. في المقابل، ردت النيابة بالتأكيد على أن هناك معلومات لا يمكن الإفصاح عنها ما دام التحقيق مستمراً، والمحاكمات لم تبدأ، فضلاً عن "حرصها على صون خصوصية المغدورة إسراء وعائلتها".

والحق، أنها اكتفت بتكذيب رواية سقوطها عن شرفة المنزل و"التلبّس بالجن"؛ ذلك أنها استُخدمت من قبل أحد المتهمين لتضليل المحققين.

بيدَ أن ناشطات نسويّات، أبدينَ عبر منشوراتهن الفايسبوكية وتغريداتهن في "تويتر"، إحباطهن إزاء إكتفاء النيابة بحسم مسألة وقوع جرم القتل من عدمه، فضلاً عن الإشارة إلى المتهمين، من دون أن تشير في تقريرها أيضاً إلى كل الجهات المقصرة وتسببت بوقوع هذه الجريمة مكتملة الأركان.

بالنظر إلى الطريقة المشهدية التي اختارتها النيابة العامة لتعلن للرأي العام، خلاصة التحقيق واستنتاجات التقرير الخاص بتشريح جثمان إسراء، فإنه يَشي بقرار من أعلى مستوى في السلطة؛ ذلك أن القضية باتت عابرة للحدود ووضعت السلطة برمتها ومهنيتها وشرعيتها ومصداقيتها على المحك وتحت الرقابة.. 

وكأن النيابة بمؤتمرها الصحافي، في مقر وزارة الإعلام في رام الله، حاولت أن توجه رسالة ضمنية للداخل والخارج، مفادها "أنها مهنية واحترافية وشفافة"، والدليل إتاحة المجال للصحافيين بشكل غير مسبوق في مثل هذا النوع من القضايا، لطرح ما لديهم من أسئلة على النائب العام.. فقد ظهر الدفاع الضمني عن "مهنية السلطة وشفافيتها" وكأنه منوط بـ"النيابة".

وللتأكيد على "مهنيتها ودقتها"؛ فصّلت النيابة الفلسطينية مستنداتها حتى توصلت للحقيقة؛ إذ استجوبت أقارب إسراء وصديقاتها والعاملين في المستشفيات التي أدخلت إليها قبل وفاتها، وضبطت جميع الأجهزة الإلكترونية الخاصة بهم، كما استخرجت مواد محذوفة من أجهزة إسراء غريب، واستندت إليها في تحقيقاتها.

الواقع، أن أطيافاً شعبية فلسطينية تفاعلت مع قضية إسراء إنطلاقاً من "نظرية المؤامرة" منذ الوهلة الأولى.. ويُجمع مراقبون أنه لا يُمكن لوم ومحاسبة هذه الأطياف على ذلك، لأن سلوك السلطة ومؤسساتها عبر سنوات متراكمة بموازاة عدم إقرار قانون "الحق في الوصول الى المعلومات" قد ولّد حالة من عدم الثقة فيها وفي كل ما يخرج عنها.

لا أحد ينكر أن هناك مهنيين ومحترفين في السلطة؛ غير أن الإشكالية تكمن في "السيستم"، ويتجلى هذا الإنطباع إزاء كثير من الأمور، فما بالك بقضايا الرأي العام.

ولهذا، فتحت قضية إسراء الباب على مصراعيه أمام مطالبات بإعادة تقييم لعمل وهيكلية مجمل المؤسسة الرسمية، خصوصاً قطاع العدالة.. إذاً، الحاجة هنا إلى ثورة سياسية وإجتماعية وقانونية شاملة لتصحيح المسار واستعادة الثقة- كما يطالب حقوقيون.

النائب العام الفلسطيني بدا وكأنه تولى بإسم السلطة كلها، مسألة إيصال رسائل بين السطور لجهات عديدة، وليس فقط الحديث المجرد عن معلومات فنية تخص القضية.. فقد انتهز الفرصة ليقول لمؤسسات نسوية وحقوقية- كانت قد افترضت أن القتل وقع في سياق ما تعرف بـ"جرائم على خلفية الشرف" والتي لم تردعها السلطة رغم طرح نفسها كنموذج للحكم العلماني "المتنور"- إن القضية لم تكن على خلفية ما يُسمى "الشرف" إطلاقاً.

اللافت أن تسريبات هائلة غير معروفة المصدر- بغض النظر عن مدى مصداقية بعضها- كانت قد استبقت مؤتمر النائب العام وأثارت بلبلة، بينها صفحات غامضة تحدثت عن خفايا للقضية وإشاعات، مروراً بتقارير عن استقالة "أطباء شرعيين" وربطها بسياق عدم رضاهم عن "لعب بنتائج التشريح"، وصولاً إلى تسريب تقرير الطب الشرعي قبل يوم من المؤتمر. 

النائب العام كان حريصاً على التأكيد بأن استقالات هؤلاء الأطباء لم تكن مرتبطة بقضية إسراء، ثم توعد مَن سرَّب تقرير تشريح الجثمان بالوصول إليه ومساءلته قانونياً.. هو يحاول أن يشدد على "أننا دولة القانون وأننا جديرون بالحكم الرشيد"، ولو أنه لم ينطقها.
الحق؛ أن هناك مستويات قيادية بالسلطة تعتبر أن ثمة "جهات لها أجندات خارجية" تستغل في هذا الوقت تحديداً، كل حادثة وفي خضم الفجوة الحاصلة بين السلطة والشارع؛ كي تقلل من أهلية السلطة للحكم..

وقد وضعت هذه القيادات طريقة تعاطي السوشال ميديا والإعلام مع قضية إسراء في هذا القالب، وكذلك الحال بالنسبة لإنتقاد جهات أميركية ودولية لوعيد الشرطة الفلسطينية لأي تجمعات ينظمها "مثليون جنسياً" في مدينة نابلس؛ حيث اعتبرته أنه تحريض على القتل والمساس بالحريات.

وحتى لو كان ذلك صحيحاً، فإن هذا لا يعفي السلطة الفلسطينية من مسؤولية مساهمتها هي من تلقاء نفسها في تثبيت رواية منتقديها.. فهي تحاول كلما حانت الفرصة أن تلجأ إلى استغلال مناسبات من قبيل القبض على "مفطري رمضان نهاراً" في أحد مقاهي رام الله والسماح بتصويرهم مكشوفي الوجه، مروراً بشكل خطابها وماهيته حيال اجتماع مفترض للمثليين جنسياً بنابلس.

إنها تمارس بذلك "الشعبوية" سلوكاً وخطاباً حتى لو اضطرت للمبالغة؛ فقط لتخبر الشارع الفلسطيني بأنها "وحدها حامية العادات والتقاليد والقيم والسلم الأهلي" .. هي "شعبوية" تتقرب بها السلطة-بائسة- إلى الشارع؛ لتغطية فشلها السياسي في الإجابة على السؤال الإستحقاقي الصعب "إلى أين نحن ذاهبون!". 

مع العلم أن الأجهزة الأمنية المختصة كثيراً ما تحجب عن الإعلام المحلي معلومات ذات صلة بقضايا قتل النساء بحجة "السلم الأهلي وحقن الدماء"؛ لكنها بذلك تحجب معلومات قد تنصف المرأة المغدورة بعد مماتها. وهو الأمر الذي يعني أن خطاب الأجهزة المختصة يعمل أحياناً على استدامة هذه الجرائم عبر مجاراة المفاهيم المجتمعية والعشائرية الضيقة، بدلاً من لجمها.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها