آخر تحديث:14:44(بيروت)
الثلاثاء 10/09/2019
share

توافق إعلامي بين إسرائيل و"حزب الله"

أدهم مناصرة | الثلاثاء 10/09/2019
شارك المقال :
توافق إعلامي بين إسرائيل و"حزب الله" في بلدة رامية، جنوبي لبنان (عزيز طاهر)
مرت أيام على "رد حزب الله المضبوط" العابر للخط الأزرق، قبل أن ينتهز الحزب الفرصة لتوجيه رسالة إعلامية مزدوجة "لإسرائيل والداخل"، من خلال إسقاطه طائرة استطلاع إسرائيلية بعد دقائق على تحليقها في سماء بلدة رامية الحدودية جنوبي لبنان.


والواقع أن الحزب والدولة العبرية توافقا "إعلامياً" على مسألة سقوط الطائرة على الأرض اللبنانية، لكنهما اختلفا على "الكيفية" وحجم الضرر. فالناطق بلسان الجيش الإسرائيلي، تحدث عن "سقوط"، أما حزب الله فتحدث عن "إسقاط". وبينما قلل الأول من أهمية الحادثة عبر وصفها بـ"الصغيرة" وأنه لا معلومات سرية تتضمنها، منح الحزب قيمة أكبر لـ"المُسيّرة الإسرائيلية" عندما أشار من خلال قناته "المنار" إلى اشتمالها على أجهزة تجسس وأنها قابلة للتحليل لأنها "لم تتعرض لكثير من الضرر".

إذاً، ولّدت موقعة "المُسيرة" حرباً دعائية بين الطرفين، تأرجحت بين تبسيط الحادثة، وتضخيمها. غير أنها أخفت فعلياً أمراً آخر ذا بُعد عسكري وأمني، وهو "امتحان جس النبض وقدرات كل طرف".. فرصدت "المدن" تحليلات عسكرية أولية عبر وسائل إعلام عبرية، مفادها "أن إطلاق الطائرة المسيرة كان القصد منها اختبار مدى جدية حزب الله وقدرته على الإسقاط، وما يمتلك من مفاجآت".

حتى أن البعض اعتبر ما جرى بمثابة "شِرك" إسرائيلي، قُصد به الكشف عما هو في حوزة "حزب الله" من قدرات وأسلحة مخصصة لإسقاط "المسيرات". ولعل هذا ما يعيدنا إلى تحليل وثّقته "المدن"، وورد في صحيفة "هآرتس" مُستبقاً "إسقاط المسيرة"، واعتبر أن الحرب بين "حزب الله" وإسرائيل تنتقل إلى "امتحانات تكنولوجية" قائمة على دفع الحزب إلى الكشف عما يمتلك من "مفاجآت".

بموازاة ذلك، بعثت إسرائيل، ضمناً، برسالتها التي تؤكد أنها ماضية في إطلاق طائراتها الإستطلاعية والإستخبارية، لكنها ستعمل على تطوير وسائلها لإخفاء هذه الطائرات، حيث أن هنالك مشروعاً إسرائيلياً أميركياً في هذه الأثناء لصناعة طائرات مسيرة قادرة على الإختفاء ويصعب رصدها.

ورغم ذلك، فإن غالبية محطات التلفزيون الإسرائيلية لم تتعمق كثيراً في البحث والتحليل لـ"موقعة المُسيرة" خلال الساعات الأولى لحدوثها، وهنا دليل على تحكم "الرقابة العسكرية" بطريقة المعالجة الإعلامية لما جرى، رغم أن الخبر كان ضمن المواد الأولى في النشرات الإخبارية لهذه المحطات. علماً أن الجيش الإسرائيلي أراد أيضاً توجيه رسالة للداخل من وراء هذه "المسيرة"، كي يقول للرأي العام الإسرائيلي، وبالتحديد تلك الأصوات التي تنتقد طريقة معالجته لـ"خطر حزب الله"، بأنه "لم يسكت"، بل أن حربه مستمرة بشكل آخر.

بموازاة تلك الحرب التكنولوجية، يتضرع الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، إلى الله، رفقة "صديقه من طهران"، كما يصفه في صفحته الفايسبوكية، ثم يدعوه "لحماية المنطقة من الإرهاب". ثم تشتكي إسرائيل مما تسميه مصانع "حزب الله" لإنتاج الصواريخ "الدقيقة" بدلاً من اقتناص فرصة التصعيد الأخيرة مع الحزب، للهجوم عليها وتدميرها. وهذان أسلوبان جليّان للبروباغاندا المضادة الدالّة على عدم رغبة إسرائيل في كسر قواعد الإشتباك المعهودة مع لبنان على الإطلاق.

والحال أن إسرائيل بدلاً من الحل العسكري، اكتفت بالدعاية وتكذيب "حزب الله" اللبناني، ولو إعلامياً، في ما يخص مصانعه للصواريخ "الدقيقة" المزعومة، لدرجة أن أدرعي شارك جزءاً من حديث أحد الضيوف في حلقة حوارية في فضائية "او تي في" اللبنانية التابعة لـ"التيار الوطني الحرّ". وعلق عليها بطريقة وكأنه أشد حرصاً على "سيادة لبنان"، قائلاً: "في لبنان هناك أصوات تتحدث عن السيادة وكيفية استثمار أرض لبنان (لبنانياً) وليس (إيرانياً)".

أدرعي استسلم لحقيقة "كره" اللبنانيين، بمرجعياتهم السياسية، لإسرائيل، في مقابل التصدي للنشاط الإيراني في دولتهم اللبنانية، حينما قال "نعي ونعرف أن هذا الكلام ليس حباً بإسرائيل وإنما هو انعكاس لواقع مرير يدفع اللبنانيون ثمنه استقراراً ومستقبلاً"!.

إلى ذلك، كان هروب الدولة العبرية، من المعالجة العسكرية، إلى أسلوب الإحتواء للجبهة الشمالية، بدلاً من الضربات الإستباقية التي تقلل من حجم الضرر الناتج عن "سلاح وصواريخ العدو"، مثار نقد قدّمه كتّاب إسرائيليون في عدد من الصحف الإسرائيلية، بعد أيام قليلة على "موقعة هجوم حزب الله ثم الرد الإسرائيلي بقصف أراضٍ لبنانية فارغة".

يبرز هنا، مقال كتبه المحلل السياسي الإسرائيلي، يسرائيل هرئيل، في صحيفة "هآرتس" ذات التوجه اليساري، حيث اعتبر أنه، خلافاً لما يبثه الجيش الإسرائيلي وبنيامين نتنياهو، فإن المعركة الأخيرة انتهت بانتصار ردعي على "حزب الله".

لم يتردد هرئيل في وصف "الضربة المضادة الساحقة" التي هدد بها نتنياهو ضد "حزب الله" ولبنان، بأنها كانت مرة أُخرى ضربة وهمية، والأمر نفسه بالنسبة إلى مناورة "التضليل" الصبيانية، كما يصفها. قبل أن يقارن بين سياسة الإحتواء التي اتبعها نتنياهو مع "حزب الله" قبل أيام، وبين تلك التي يتبعها مع حركة "حماس" في غزة؛ الأمر الذي يجعل "المبادرة لإطلاق النار ووقفه" في يد "حزب الله"، كما هي الآن في يد "حماس".

في اليوم التالي، طرحت وسائل إعلام عبرية، أسئلة صعبة، من قبيل: ماذا تغيَّر؟!".. وهل الحيلولة دون وقوع قتلى في صفوف الجنود الإسرائيليين، وحده ما يمثل معيار الهزيمة والإنتصار؟.. ثم، ماذا عن خطر 100 ألف صاروخ "غير ذكي" يمتلكهما "حزب الله" الآن، وسيكون هدفها الوحيد هو "القتل والدمار" في إسرائيل؟

صحيفة "هآرتس" رأت في مقال، كتبه يسرائيل هرئيل، أن الضربات الإستباقية التي تقلل "خطر العدو" في المواجهة المقبلة، وتهديد إيران مباشرة كي تأمر الأخيرة "حزب الله" بوقف التسلح، هما العاملان الوحيدان اللذان يكبحان مخاطر الحزب. ورغم ذلك، حاولت صحف إسرائيلية أخرى، تحديداً اليمينية منها، الإستعاضة عن الإنتقاد، بالذهاب إلى الإستنتاجات من التصعيد الأخير في الجبهة الشمالية. وقد مثّل هذا التوجه، مقال للمحلل السياسي الإسرائيلي إرييه إلداد في صحيفة "معاريف".

غير أن إلداد، كان صريحاً لأقصى درجة، عندما رأى أن "دولة تعرض مصابين وهميين لتضليل حزب الله ووقف ضرباته، تكشف ضعفها، وأن سقوط 100 قذيفة مدفعية على هضاب خالية من الناس لا يغطي على ذلك". ولأنّ كلفة قذائف مدفعية إسرائيلية من عيار 155 ميليمتر، حتى المنتهية صلاحيتها، تصل إلى آلاف الشواكل، فإن إرييه إلداد يقترح ساخراً على إسرائيل "شيئاً آخر أوفر وأكثر أماناً"، ألا وهو استخدام الألعاب النارية في المرة المقبلة عندما تُقصف أراضٍ لبنانية فارغة!

ولاحق الإعلام العبري، خلال الأيام الأخيرة، كل تحليل عسكري أو سياسي بارز، من شأنه طمأنة الرأي العام الإسرائيلي وإبعاد شبح الحرب، وحتى "ّذلك الرد الإضافي المحتمل من حزب الله". فالإذاعة الإسرائيلية الرسمية "مكان"، تلقفت تصريحاً لوزير الشباب والرياضة اللبناني، المحسوب على "حزب الله"، محمد فنيش، يوضح فيه أنه جرى "تحريفٌ" كلام أمين عام الحزب، حسن نصر الله، مؤخراً، حول كسره الخطوط الحُمر. واعتبرت "مكان"، تصريح فنيش، تأكيداً على عدم رغبة الحزب في الحرب، بل ومحافظته على قواعد الإشتباك والإلتزام بالقرار الأممي 1701.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها