آخر تحديث:19:48(بيروت)
الأربعاء 07/08/2019
share

فلسطينيات الإعلام الدولي: مُنتحِبات محتشمات.. وفي أوروبا طموحات!

أدهم مناصرة | الأربعاء 07/08/2019
شارك المقال :
فلسطينيات الإعلام الدولي: مُنتحِبات محتشمات.. وفي أوروبا طموحات! الإعلام الدولي يوفر نماذج تكون بمثابة شيء قابل للإعجاب أو الكره بناء على الطلب
"لماذا أشعر أن المرأة الفلسطينية التي تعيش في الخارج مختلفة عن تلك المقيمة في الداخل؟!".. سؤال إختزالي طرحه مؤخراً، مذيع عبر أثير راديو أوروبي ناطق بالعربية، على المحاضِرة في جامعة فرنسية والقادمة من رام الله، هديل كركر، في سياق برنامج يتحدث عن واقع المرأة في الأراضي الفلسطينية.

سؤال تجاوز مسألة التنميط المجحف أصلاً، إلى حدّ تقسيم المرأة الفلسطينية وتجزئتها، لدرجة أنه استفز كركر بشدة، ما دفعها للتصدي له بإجابة رادعة عبر الدفاع عن نساء فلسطين كوحدة واحدة وباعتبار قصصهن غنية وموضع إهتمام الباحثين والدارسين كـ"موادّ دسمة". فهي وصفت سؤال هذا الإعلامي بالعامّ وغير المفهوم في طرحه لمفارقة لا واقعية بين مَن هي في الخارج، وتلك الباقية في أرضها.

وفق متابعات "المدن"، فإن المذيع بحث مسبقاً عن ضيفة فلسطينية تقيم في الخارج لتمثل دور المرأة المتحررة والطامحة، وأخرى من الضفة الغربية لتمثل دور المكتفية بدورها "كربّة بيت".. وتحجج هذا المُحاوِر بأن هدفه من ذلك هو خلق حوار فيه جدل وندية "بنّاءة".

حاول المحاوِر أن يقسم المرأة الفلسطينية بين مَن ترى مكانها البيت، وبين تلك الطامحة لأكثر من ذلك، وبطريقة تظهرها ضمنياً أنها مختلفة حتى عن نظيرتها في دول عربية أخرى!

لماذا يستسهل تقسيم الفلسطينيات؟
وتتساءل هديل كركر في حديثها لـ"المدن": "ما دامت الموضوعية تقتضي هذا الجدل في نقاش هكذا موضوع، لماذا لم يفعل هذا المذيع ومعه مؤسسته الإعلامية الدولية، الشيء نفسه في ما يخص تباين وإختلاف المرأة الأوروبية حيال أمر ما؟ لماذا يستسهلون ذلك فقط عندما يتعلق الأمر بنظيرتها العربية أو الفلسطينية؟ ثم لماذا لا يظهر ذلك كـ"تنوع" للمرأة في بلادنا لا تناقضها؟".

أياً كانت الإجابة، فإن المُحاوِر لم يجد ضالّته المبتغاة في خلق النقاش "الإنقسامي" الذي يريده..أي بين امرأة مهاجرة ومغتربة..وأخرى في الداخل، إذ سارت الأمور عكس ما يطمح؛ فالضيفتان "المهاجِرة أو المغتربة..والمقيمة" تحالفتا لصد مآرب المذيع، وفكرته من الطرح أساساً.

تقول كركر إن فكرة هذا الإعلامي الذي نسّق معها للمشاركة في الحلقة الإذاعية المذكورة، بدت غريبة ومُضلّلة، انطلاقاً من موضوع الحلقة التقليدي ألا وهو "المرأة الفلسطينية..ربة منزل أم رائدة مجتمع؟!"، فهذا قد عَفا عليه الزمن، وتم تجاوزه منذ سنين، وبات نضال المرأة في بلدنا مرتكزاً على "مدى طموحها..لا على البقاء في البيت من عدمه".

ولمّا أخبرها عن محاور النقاش، فكّرت كركر لوهلة بالإعتذاز عن المشاركة، لكنها حسمت حضورها في النهاية؛ إدراكاً منها لضرورة حضورها للتصدي للصورة النمطية "المقصودة" عن المرأة الفلسطينية.

لهذا، تعتقد أستاذة الأدب والحضارة الإنكليزية، هديل كركر، أن اختيار المذيع المشار إليه لزاوية النقاش، وطريقة معالجته للحوار، لم تكن بريئة، وإنما عن سابق إصرار وترصد وضمن ماكينة دعائية. 

والواقع أن هذا السرد يفتح الباب على ما هو أعمق من ذلك، ويتمثل في موقف ذهني تولّد لدى المجتمعات الغربية عن المرأة الفلسطينية تحديداً، انطلاقاً من صورة نمطية كرسها الإعلام الدولي. فالأخير، بحسب كركر واظب على الترويج لصورة "إستشراقية" عن المرأة العربية عموماً، والفلسطينية خصوصاً.

وتعلل كركر طبيعة الصورة المجتزأة التي شكلها الإعلام الدولي عن المرأة الفلسطينية كـ"متباكية أمام الكاميرات وتلبس لباساً مُحافِظاً كما لو أنها مُتجاسنة بالفكر واللباس"، قائلة إنها تعود لعاملين: الأول، يعود إلى النظرة المشوهة من قبل هذا الإعلام إلى النضال الفلسطيني، فظهرت صورة المرأة في حيثيات هذه النظرة. وثانياً، غالباً ما يُظهر هذا الإعلام الدولي، المرأة الفلسطينية في حالة إنكسار وانهيار نتيجة فقدانها إبناً أو زوجاً.

مجرد لقطات!
وحتى عندما يختار الإعلام الأوروبي إظهار امرأة أو فتاة كنجمة أو بطلة، فإنه ينسى رواية القصة والحكاية.. فقط، يقدم مجموعة صور تحاكي ما يرغب المشاهد أو الجمهور الغربي أن يراه، ما يحول دون فهمه قضية فلسطين ومركباتها كما هي.

وتختصر الشابة الفلسطينية المقيمة في فرنسا، هديل كركر، موقفها من هذه الصور النمطية والإختزالية، بالقول "هذا يشعرني كفلسطينية أنني تحت الاعتداء؛ فالصور النمطية تشكل اعتداء على خصوصيتك ونظرة الناس لك".

فالإعلام يأخذ مجرد لقطات، وما يرسخ في الخيال الجمعي والذاكرة الجمعية لدى الغرب هي اللقطة.. ولا يريد أن يعرف ما بعد اللقطة، حسبما تقول كركر.

ويبدو أن الأوساط الأكاديمية النسوية في أوروبا ليست بمعزل عما يرسخه الإعلام، حيث توضح هديل كركر أن المستغرب دائماً هو التركيز على جدليات العلاقة مع الرجل وكأن المجتمع الفلسطيني ينفرد بها. إنها علاقة معقدة وفيها اضطهاد، وغالباً ما يُعزَل عن السياق السياسي والإحتلال.

وتبيّن كركر أنها واحدة من المعارك التي تخوضها في المجال الاكاديمي عبر تأكيدها المستمر على أن أي إضطهاد أساسه الإحتلال، فتغييب العامل السياسي والإحتلال كل الوقت أمر مجحف. وتتابع: "المرافق الأكاديمية في الغرب أسيرة صُور يرسمها إعلامه".

"تشييء" الفلسطينية
الحقيقة، أن الإعلام الدولي، سواء عن قصد أو عن غير قصد، يوفر نماذج تعمل على "تشييء" المرأة الفلسطينية، كي تكون بمثابة شيء قابل للإعجاب أو الكره، بناء على الطلب. وتضرب هديل كركر مثالاً بهذا الصدد، عندما طُرحت صورة الفتاة عهد التميمي، فظهرت كـ"مفاجأة" دفعت المتلقي الغربي "ليسأل بإندهاش: عندكم لون شعر اشقر وعيون زرقاء؟".

هذا النموذج لعهد التميمي، أخذ حيزاً وتعاطفاً في الإعلام الغربي.. لكن ماذا وراء التعاطف؟.. الإجابة تمكن في المفارقة التي تجلت في إهمال هذا الإعلام نفسه للأسيرة إسراء جعابيص التي تشوهت معالم وجهها. إنه يخلق نماذج حسب الحاجة، عبر التمييز بين نموذج مقاومة مقبول في الغرب، وآخر غير مقبول.. وبين نموذج "عصري" وآخر ليس ذلك. وقد استُخدمت صورة المرأة الفلسطينية لتمرير هذه الرسائل.

لكن في المجمل، تظن هديل كركر أن حاجة الإعلام الدولي لصناعة أيقونة فلسطينية، هي مجحفة وتختزل كينونة بشرية لصورة "رمز". فيما يبحث الأوروبي عن صورة استشراقية للمرأة التي تعجبه.

إعلام الإستشراق
ومجرد طرح وسائل الإعلام الدولية مفارقة مفادها أن "المرأة الفلسطينية في الخارج مختلفة عن تلك التي في الداخل"، يمثل إعادة إنتاج "للإستشراق" بإستخدام أدوات عديدة بينها الإعلام. وتضيف: "أكثر ما يستفزني في النموذج المطروح في العالم هو اختزال المرأة الفلسطينية وتقديمها كشيء يمكن أن تتغاضى عن قصته وحكاية شعبه".

وتتساءل كركر: "لماذا تُطرح المرأة العربية والفلسطينية على أساس أنها محافظة في مجتمعها، وأكثر تحرراً في أوروبا، من دون النظر في عملها وتوجهها السياسي وما تخوض من معاناة؟.. لماذا لا تُثار مسألة العنصرية ضد هذه المرأة من المجتمعات الغربية، بدلاً من الحديث عن أمور عامة تفتقر للتفاصيل وبأحكام غير أخلاقية؟".

فالأسئلة أعلاه هي أَولى بطرحها إعلامياً، لكن "الإعلام الدولي يسأل أسئلته العمومية، وهي الأسئلة نفسها التي يطرحها المواطن الغربي علينا ولكن بشكل أكثر سذاجة"، وفق هديل كركر.

وبالإنتقال إلى السوشال ميديا وما يكتب من منشورات وتغريدات عن المرأة الفلسطينية، بلغات فرنسية وأجنبية أخرى، فإن كركر تستنتج من خلال مشاهداتها المستمرة، أنه يقع هو الآخر في المطب الإستشراقي نفسه الذي ينظر للمرأة الفلسطينية نظرة فوقية وإستعلائية إستشراقية لا تخلو من الإزدواجية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها