آخر تحديث:13:32(بيروت)
الإثنين 05/08/2019
share

نقابة لمهرّبي البشر

عدنان نعوف | الإثنين 05/08/2019
شارك المقال :
نقابة لمهرّبي البشر "سيلفي" لاجئين في اليونان
كالأشخاص الغامضين الذين يُخفُون ارتباطاتٍ خطيرة، اختار "أبو شذى" لنفسه هذا اللقب الغريب، مُضيفاً إلى شخصهِ عامل غرابة آخر! 
بِبَعضٍ مِن تصرّفاته، يَستطيع مُهرّب البشر هذا أن يَنسف نظرية داروين ونقائضها على السواء، ليؤكد أن "أصل المهرّب غير آدمي تماماً"، فهو عديمُ الرحمة كالضواري "آكلات اللحوم"؛ جَشِعٌ بشكلٍ مَرَضيٍّ كـ"آكلي التراب" في طفولتهم، ومَنْ عانوا من مُركّبِ نقصٍ استفحلَ عندما كبروا.

عِند هذا الحدّ لن يتوقف "أبو شذى"، وسيَذهَب بكَ إلى ما هو أبعد، ليُثبتَ بسلوكه نظرية "كُرويّة الإنسان مُحدَثْ النعمة"، حين تنفُخُه الظروف، وتَصنَعُ منه بشراً بطريقة سيميائيّة؛ تُشبه صُنع الذّهَب من المعادن الرخيصة.

إنْ كُنتَ أيها اللاجىء مِمّن عبروا اليونان نحو أوروبا الشمالية، فلا شك أنك سمعتَ بهذا المهرّب، أو حظيتَ بتجربةٍ معهُ، فطِرتَ عبر "خطوطه الجويّة" مُستعيناً بأوراقه وأساليبه، أو اكتفيتَ بالتحليق على صهوة وعوده الورديّة.
حكاياتٌ لا تنتهي ينسُجها اللاجئون حَولَ "أبي شذى" وأقرانه، لكنهم يَخُصّونه بالفريد والاستثنائي. وحتى بعد الحملة الأمنية الأخيرة في أثينا، لا يزال الناس يرفضون احتمالَ اعتقاله كباقي المهربين!

"قصقصولو جناحاته بس... اختلفو معه على حصتهم....". سَوف تَسمَعُ من هذه التحليلات الكثير، وقد يأتيك أحدهم بالخبر العاجل :"السلطات اليونانية اتّبعت في حملتها هذه المرّة سياسة شطف الدرج من الأعلى، فانتهى دَور أبي شذى وشبكته".  

لا شيء مَنفياً أو مؤكّداً عندما يتعلق الأمر بصاحب مقهى احتضنَ "مفاوضات" تهريب المهاجرين عَلَناً، وفي مكان ليس ببعيدٍ من مخفر شرطة، ما عزّزَ قناعة اللاجىء بوجود علاقة نفعية بين أهل القانون وأهل التزوير.

اعتماداً على هذه الفرضية، فإن جماهير النفرات (من سوريين وعراقيين وفلسطينيين وجزائريين وسواهم...) يَجزُمون بفكرة تبادل الخدمات بين "الأعداء الإخوة"، بل إنهم (اللاجئون) لن يَجدوا حَرَجَاً لو أتيحت لهم الفرصة لمطالبة الحكومة اليونانية بتنظيم عمل المهربين بدلاً من هذا المشهد الرمادي، والذي يتزامن مع تشديد القيود على اللجوء القانوني، وتوقف عمليات إعادة التوطين.

ولهذه المُطالبة غير المعقولة والمنافية لتصنيف التهريب كأحد أفظع الجرائم ما يبرّرها بنظر النفرات، فملاحقة مُهرّبي البشر أوروبياً لا تبدو بهذه الجديّة، وأحياناً تسير بإيقاع أبطأ، قياساً بالإجراءات المتخذة بحقّ مَن يُنقِذون اللاجئين (كما حدّث مع القبطان الألمانية بيا كليمب، والسبّاحة السورية سارة مارديني).
اقتراح "التنظيم" مُستفِزّ وانفعالي ولا شك! لكن لو تخيلنا الأمر تطبيقيّاً فسيُصبِح للمهرّبين إتحاد أو نقابة على غرار الفلاحين والعمال، وبالنتيجة سيحظى اللاجئون غير الشرعيين بـ"جهة" تُمثّلهم في ظل غياب المنظمات الإنسانية التي يفترض بها أن تقوم بهذا الدور.

إنها صورة هذيانيّة، لكنها أكثر ما يليق بالواقع. كما أنها تنسجم مع كَون تهريب البشر تحوّل بمرور الزمن إلى "مِهنة" وذلك مُنذ عصر المهرّب الأول "زيوس" (الذي جاءَ الأميرة الفينيقية "أوروبا" في هيئة ثَور، ونَقلَها إلى كريت بعد أن أغواها، بحسب الأسطورة) وصولاً إلى "أبي شذى" الذي يَصلُح أن يكون نقيباً للمهربين حاليّاً، ففيه تجتمع كل الصفات التي تُميّزُ "المحترفين". 

غير أن كلمة "صفات" لا تؤدي الغرض لدى الحديث عن مُهرّب البشر، فقد تنزلق معها - في لحظة وصف طائش - كلمة "حميدة"، أو تُقيّدها كلمة "سيئة"، وهو ما سيَمنَع الإحاطة بذلك المخلوق غير المحدود.

إنها "أدوار"، "قدرات"، "إمكانات" تتجاوز الأخلاقي والقانوني والمألوف، وتضَع المُهرّب في مَصافٍ لا يشاركهُ فيها قَتَلة متسلسلون أو رجال مافيا كلاسيكيون.
لهذا السبب أو لغيره، ينبغي أن يخضع المتقدمون إلى "النقابة" المفترضة لاختبارات حاسمة تُبيّن مدى تمتُّعهم بتلك "القدرات". وبالطبع يجب أن تكون البداية باختبار إتقان الكذب. وهنا على المُتقدّم أن يُثبت امتلاكه لموهبة مذهلة تصل إلى مرحلة إقناع الناس بأن "قطعة خشب عائمة أمام عيونهم (قد تكون من بقايا معارك الإغريق والفُرس قبل الميلاد) هي ليست كذلك. وإنما هي يَخت سياحي يتّسع لخمسين شخصاً، ويوفّر لهم كل مستلزمات الراحة والأمان".

قدرةٌ "إقناعيّة" من هذا النوع تنسحب عادةً على مختلف الحالات، لتُظهِر كيف أنّ المُهرّب يحمِل مؤهّلات مدرّب "تنمية بشرية"، إذ بمقدوره مثلاً حَثّ النفَر على "إخراج السَبّاح مايكل فيليبس الذي في داخله"، حتى لو لم يَعرف هذا اللاجىء السباحة في حياته، وكان يخشى الغرق في حوض استحمام (بانيو)! أو ربما يؤكد له، في أحيان أخرى، أنه نفر "أنيق" ولو كان يرتدي ثياب متسوّل! على هذا المنوال يُصبح ما أنت عليه كلاجىء غير مُهمّ طالما أنك تملك اليوروهات.  

أنت كيسُ نقودٍ إذاً! ستَعِي ذلك عاجلاً أم آجلاً، ومع عبورك المرحلة الأصعب وبقاء خطوة لك لتحقيق حلم اللجوء، عليك أن تستعدّ لرؤية مواهب "عَالِم الأنثروبولوجيا" لدى مُهرّب البشر، حين يُلقي نظرة سريعة عليك، ليعطيك خلاصة حول سِماتك الشكليّة وأثرها على فُرص سفرك: "انت بتطير إذا حاولت بالمطار لأنو ملامحك فرنسيّة"، أو "إنت ما بتنفد لأنك أسمر وأنفك مفلطح متل قبائل الهوتو..بدك جواز سفر أفريقي.. ولازم تحكي لغتين؛ انكليزي وسويحلي!!".
لمسةٌ إضافية لا بد من تواجدها لتكتمل خصائص المُهرّب، ألا وهي "الحالة  الإيمانية" الاستعراضية التي يُشِيعُها، مستثمراً فكرة "القدَر الإلهي" لتحفيز اللاجئين على المخاطرة بكل ما يملكون من جهة، ولتبرير كل الدَّناءات المتوقعة وغير المتوقعة من قِبَله مسبقاً من جهة ثانية. وعليه، لن تستغربَ إصراره على وضع كل الاحتمالات في "يد الله الواحد الأحد"، ليختلط الأمر عليك في بعض الأوقات، وتُتمتِمَ قائلاً له :"برَكاتَك مولانا..!". 

مَحظوظٌ أنت يا مَنْ لم تُقابل مخلوقاتٍ كمهرّبي البشر تجعَلُك تُحارِبُ الخوف بفكاهة مرتجفة، فحينَ تشعر بأنكَ وَرَقة لَعِبٍ في يدِ "مهرّب" يُقامِر بالمصائر، فعلى المنطق والعقل حينها أن يُغادرا، وعلى الأمنيات أن تتضاءل إلى حدود تنظيم الخراب وحسبْ.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

عدنان نعوف

عدنان نعوف

كاتب سوري

مقالات أخرى للكاتب