آخر تحديث:17:57(بيروت)
الأحد 04/08/2019
share

ماذا فعل "الشعب يريد إسقاط النظام"... بمشروع ليلى؟

زكي محفوض | الأحد 04/08/2019
شارك المقال :
ماذا فعل "الشعب يريد إسقاط النظام"... بمشروع ليلى؟ العبث والاستهتار بالقضايا أوصلانا إلى حالنا المزرية



بعد ثماني سنوات على تحركات إسقاط النظام الطائفي وتحقيق العدالة الاجتماعية، ذاب الثلج وبان المرج، ولكنّه مرج قاحل. فَشَلُ التحركات قتل الأمل المتبقي في قيام دولة مدنية، وأفسح المجال أمام تغوّل الطائفية، ففسد اللقاح وأصابنا الشلل أمام الفظائع التي ترتكب مذذاك.

في 2011، عجز "ثوار الربيع" في لبنان تسجيل نقطة واحدة على نظامه الطائفي الذي وصفه المفكر فواز طرابلسي بأنه "أقدم نظام حكم عربي بامتياز... استولده قناصل الدول الست عام 1861. وهو يحكمنا منذ ذلك الحين..."، أي منذ نحو 160 سنة. وقِدَم هذا النظام يمنحه من الصلابة والمرونة ما يضمن له البقاء أزلاً، فواجهناه بالاستخفاف.

آنذاك، شاركتُ وزوجتي في بعض جلسات النقاش وفي جميع التظاهرات التي جابت شوارع بيروت، حتى تلك التي أمطرتنا فيها غيوم شهر شباط بوابل من مياهها الباردة، ومشينا أيضًا في آخر تظاهرة ضامرة هزيلة اخنتقت فيها الهتافات وتبدّدت الشعارات قبل أن تنفضّ "الثورة". كلانا أراد ممارسة حق التظاهر، خصوصاً بعدما فشل جيلنا في تحقيق طموحاته لأسباب تمنّينا أن تكون انتفت عندما قامت تحرّكات 2011.

في البداية، تداعى "الفسابكة" اللبنانيون الى رص الصفوف وتسيير مسيرات في شوارع بيروت مطالبين بتحقيق الشعارين إياهما... ونيّف. ولم تأتِ تلك التحركات من عدم، فقد سبقتها "17 جانفي" في تونس، و"25 يناير" في مصر ونجحتا، على الأقل، في إطاحة رموز نظاميهما. ويبدو أن شباب وصبايا لبنان قرروا اللحاق بهؤلاء، فاستعجلوا ووقعوا في التقليد من دون أن يحسبوا حساباً لاختلاف البيئة السياسية اللبنانية عن غيرها ولا لمعطيات ثمينة متوفرة بين أيديهم، وما لبث أن ظهر قصر نظرهم ونَفَسهم.

ولم ينتبه اللاهون والعابثون من بينهم إلى أن تخلّيهم عن تحرّكهم في النهاية سيكون له عواقب وخيمة، خصوصاً على مصداقيتهم كقادة ومؤثّرين محتملين. وهي مصداقية أخذ انهيارها يتفاقم مع كل تحرك لاحق، حتى تلاشت. ومن العواقب الوخيمة للخيبات، وبخاصة بعد فشل تحرّكات أزمة النفايات، عجز الأسماء التي "تألّقت" وقتها، وقرر أصحابها لاحقاً خوض معترك السياسة، عن بناء أي تجمّع سياسي و/أو اجتماعي قابل للعيش. وهو الأمر الذي يسّر لأسماء مجهولة شق طريقها إلى لوائح الانتخابات بمباركة الزعماء الذين أحبطوا محاولات بعض المجتمع المدني للتسلل إلى تلك اللوائح. والخيبات أتاحت أيضاً التوريث السياسي، فحضر أولاد مسؤولين إلى بازار النيابة والزعامة، من دون أي اعتراض ذي قيمة، ما عدا "التلطيش" عبر السوشال ميديا.

واحتدم الخلاف على موقف التحرّك من "حزب الله": طرف أول أعطى الأولوية لنزع السلاح الذي هو سبب الاستئثار بالقرارات المصيرية. وطرف ثانٍ عارض الأول لأن في أولويته استهدافاً للمقاومة الإسلامية التي لا بدّ من مناقشة وضعها على مستوى وطني، في ظل الغموض الذي يكتنف توجّهات الحزب وسياساته. وشُنّت حملات التخوين (التي ستتكرر لاحقاً ضمن نهج قمعي في قضية النفايات).

يكفي أن "حزب الله" مكوّن طائفي من مكوّنات النظام اللبناني وينبغي التعامل معه على هذا الأساس. فما سبق وتلا من مواقف للحزب في الزواج المدني الاختياري والعنف الأسري، مثالاً لا حصراً، فضلاً عن تركيبته، يؤكّد طائفيته ورفضه الطبيعي لتحرّكات من هذا النوع. أي، أنه خصم بديهي للتحرّكات المناهضة للطائفية، تماماً مثل بقية الأحزاب والتيارات والجماعات الطائفية.

وكان يكفي، على رأي عقّال كثيرين ممن تابعوا "الشعب يريد..."، الاحتكام إلى الدستور اللبناني ومحاولة فرض تطبيقه للتوصل إلى تشكيل "الهيئة الوطنية العليا لإلغاء الطائفية السياسية". ولكان شكّل ذلك ضغطاً على السلطة وعزّز قدرة تحركات 2011 على الاستقطاب. لكنّ أولياءها فضّلوا الغوغائية وتجاهل مساهمات قيّمة قدّمها خبراء ومتخصصون في القانون والاقتصاد ومجالات أخرى، ما فضح غياب التخطيط والتوجّهات والرؤى والأهداف.

وما زاد الطين بلّة، مواقف "الأوصياء" على النضال المطلبي ومحترفيه الذين تنازعوا في ما بينهم على قيادة التحرك وشدّه في اتجاهات مختلفة حتى تقطّع أشلاءً. فأخذت تظاهرات إسقاط النظام تتشرذم وتتقلّص عدداً وتتضارب شعاراتها وتتناقض وتتغيّر حناجرها وتخفت أصواتها، مع إصرار مُتهالِك على أنها "ثورة".

تخلّل كل ذلك محاولات ناجحة من وسائل الإعلام لاصطياد وجوه من التحرّك وإبرازها عبر شاشاتها. ويبدو أن الأمر راق لبعضهم فنصّبوا أنفسهم، من دون مبايعة ولا تشاور، مسؤولين عن قطاعات من التحرّك. وهو الأمر الذي حدا بالمبعَدين، عمداً أم سهواً، عن الشاشات إلى السخرية عبر السوشال ميديا من رفاقهم "المحظيين"، وصلت إلى حد التجريح الشخصي في الخُلُق والخَلْق. فكيف يمكن ائتمان هؤلاء على مصير بلد؟

بعد أربع سنوات، وكان الشباب والصبايا قد كبروا، تكرر الحراك ولكنه هذه المرة لحل أزمة النفايات. ومن جديد، تشعّبت المطالب وتناثرت، ودار التخوين، وحلّ الشقاق، واستعيدت بلا سبب شعارات التحرك ضد النظام الطائفي، وقُمعت تظاهرات بالقوة على يد السلطات الأمنية وعناصر حزبية. وانفضّت "الثورة من جديد، والأخطر هذه المرة أن الناس عادوا وحضروا في بداية تحرّكات أزمة النفايات بأعداد كبيرة، لكنّهم ما لبثوا أن تراجعوا حين أيقنوا أن لا جدوى منه للأسباب القديمة نفسها.

بين 2011 و2019 ثماني سنوات كانت لتبشّر اللبنانيين بوجود حلول وأفكار مختلفة، لعلّها أجدى وأنفع، لو خلّفت تحرّكات 2011 حراكاً هادفاً حيوياً يعرّف بحسنات الدولة المدنية كحل لأزمات لبنان، حراكاً ثقافياً هدفه التلاقي وتبديد المخاوف ليس إلاّ... أم لعلّه تفكير ساذج! 

بعد ثماني سنوات وتحركين فاشلين، تلاشى الإيمان بأي احتجاج، بدليل تقلّص عدد المشاركين وانتمائهم إلى فئات وزعامات محدّدة، فكيف يبرَّر التشرذم في الاحتجاجات الأخيرة على مشروع موازنة تقشّفية تطاول الجميع: كلٌّ نزل إلى الشارع لـ "شدّ اللحاف إلى صوبه"، على قول دارج. وبات مشهد التحركات يوحي بأن لكل قضية صاحباً يحتكر معالجتها.

وبمراجعة مواقع السوشال ميديا خلال تلك السنوات، يتّضح انفصال روّادها عن الواقع، مفضّلين المشاركة بطرف السبّابة عبر شاشات الأجهزة الذكية، وما أسهلها بضغط زر Interested أو Attending أو بكتابة تعليقات فهلوية، على التلاقي وجاهياً وإطلاق بحث جدّي في أي قضية.

العبث والاستهتار بالقضايا أوصلانا إلى حالنا المزرية. قضايا كثيرة سجّلتها السوشال ميديا في الآونة الأخيرة، منها غدير الموسوي ومشروع ليلى. لم تُستغل الأولى بالزخم المتوقّع للمطالبة بتفعيل قانون العنف الأسري. وأما الثانية، التي شُنّت عليها "حملة صليبية"، فقد قوربت بالتحزّر إذا كان الفريق يستحق الدعم أم لا، في حين أنها قضية حرّية وبدا التحرّك الداعم لها في ساحة سمير قصير نوعاً من الترف. وذلك في حين تجلّت "داعش" بأبهى حللها، إذ فردت أجنحتها كلها وظهرت بثلاث نُسخ: النسخة الأصيلة والنسخة "الجُبَيْلية" وأما النسخة الثالثة التي كانت خافية على بعض الجماهير، فبرزت مع ورود خبر منع العزف على الطبلة لأنها تثير المشاعر. ولا ضرورة لذكر بقية الهرج والمرج الدائرين في الرقمي والواقع.

ثمة قول يقول "الخريطة غير الأرض". نحن بتنا نقيم في الخريطة، بينما الأرض تذوي... من الحوادث الطائفية التي جمعتُها وزوجتي في 2011، اعتقاداً منا بأنها ستكون مفيدة في مسيرة إسقاط النظام الطائفي الطويلة، بالضرورة والمنطق، هذه القصة باختصار: "معلّمة شابة حيوية أحبّها التلاميذ كثيراً وتعلّقوا بـ "المِيسْ" لسنوات. ذات يوم، قصد مفتش تربوي المدرسة لإجراء تقييم. حضر المفتّش صفّها، ثم أعلن في النهاية اسمها الثلاثي قبل أن توقّع على أوراق التقييم... فتبيّن أن ديانة "المِيسْ" تختلف عن ديانة تلاميذها. خرجت لتستقل سيارتها فوجدتها مكسّرة وقد كُتب على بدنها كل أنواع الشتائم. وكان الفاعلون التلاميذ الذين أحبّوها"... انتهت القصة... لا لم تنتهِ.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

زكي محفوض

زكي محفوض

صحافي لبناني

مقالات أخرى للكاتب