آخر تحديث:13:03(بيروت)
الخميس 29/08/2019
share

أرجوحة حسن نصر الله

زكي محفوض | الخميس 29/08/2019
شارك المقال :
أرجوحة حسن نصر الله مرّ الخطاب الأخير، ومثلما يحدث في المسرح، لم تحتك الفقاعات بعضها ببعض (عزيز طاهر)
تعليقاً على خطاب السيد حسن نصر الله الأخير، كتب أحدهم في السوشال ميديا: "مطلوب معلم باطون لصب قواعد اشتباك جديدة". 

واضح أن القول يتهكّم على إثارة موضوع تلك القواعد في المناسبات الخطيرة. وإذا كانت قاعدة الاشتباك الجديدة تتعلّق بإسقاط "المسيّرات" في لبنان، فما الذي حال دون إسقاطها من قبل؟

فهذه الطائرات معدّة بالحدّ الأدنى للتجسّس. والتجسس عمل حربي يجب إحباطه في أي وقت، مع قواعد اشتباك أو من دونها، تماماً مثل إحباط شبكة تجسس الذي لا يأخذ مكتشفوها من الأجهزة الأمنية الرسمية إذناً من أحد لتقويضها.

منذ مدة ومنسوب تهكّم المناوئين على خطابات نصرالله في تزايد، والسوشيال ميديا حافلة بالتهكمات ذات الصلة إلى درجة الهزل. ويقابل الهزل طَرَب المناصرين لاحتمال حرب "وشيكة" طال انتظارها، فراحوا يتخيّلونها وقعت، ويتسابقون على اقتراح سيناريوهات لتحرير منطقة واستدراج العدو إلى أخرى... وكأنهم خارجون للتو من فيلم "أكشن" حماسي. 

حالة طرب دفعت مذيعة مناصِرة إلى ارتداء بدلة عسكرية ووضع قناع التجهّم، أثناء تغطية حدث سقوط المسيّرتين في الضاحية الجنوبية لبيروت. وحالة هزل حدت بمناوئ إلى تصوّر عناصر "حزب الله" يتابعون صفحات مناصريهم، مدوّنين الاقتراحات لكي يختاروا منها السيناريو المناسب لـ"تسديد ضربة مدروسة إلى إسرائيل لا تشعل حرباً"، كما ورد في خبر نقلته وكالة "رويترز". وإذا اشتعلت؟ تلك الحرب؟ فهل يكفي، هذه المرّة، تكرار "لو كنت أعلم"؟

ومع عبارتي "انضبّوا" و"قفوا على إجر ونص" و"رمية الحجر"، استفاق خيال المناصرين فانبروا يمعنون في ترويع إسرائيل. "لن ينام الإسرائيليون بعد اليوم"، واكتملت فصول الهزل المميت. إنهما هزل وطرب مَرَضِيّان، يشيان بحالة فصام عامة، لأن تصرّفات اللبنانيين بعد الخطاب تنطوي، في الحقيقة، على هلع شديد، يُنكره المناصرون ولا يبالي به المناوئون، بأثر من ترقب حرب مدمّرة، لن يظهر من بعدها "مال نظيف" لشد الأزر، ولا مساعدات لإعادة الإعمار، ولن يهبّ أحد للنجدة يقولون له "شكراً..."، في ظل شحّ بعض المصادر وإشاحة نظر بعضها الآخر عن لبنان.

والطرب والهزل وجهان لخواء اللبناني. فهو قليل الحيلة بلا دولة ومؤسسات، تتناتشه قوى أمر واقع، كل منها يدفعه في اتّجاه، ويشتّته عن قضاياه الجوهرية التي هي، غير فلسطين بالطبع، قضايا النفايات والكهرباء والمعيشة والنظام العام والعيش الكريم في إطار دولة سيّدة... 
وها هو اللبناني وظهرانيه من المناصرين والمناوئين ينكفئون عن ملاحقتها (أي قضاياهم الجوهرية)، في انتظار... ماذا؟ فيجيب مناوئ: "... ها نحن نُبتلى بالانتظار الإلهي".

ولمّا قرّر السيد حسن أخيراً أن يعيد المعركة إلى لبنان، بعدما كان دعا من يريد قتاله إلى ملاقاته في سوريا، مستبيحاً ذلك البلد وكأنه حديقة خلفية، وجد اللبنانيون أنفسهم، مع رؤسائهم ونوابهم ووزرائهم وزعمائهم وأزلامهم وطوائفهم...، في رَوْحات وجيئات لاهثة وراء سيّد المقاومة، تارةً إلى الداخل وطوراً إلى الشتات، فانسحب قسط كبير منهم ولاذوا بالهزل بلسماً للتعب ونأياً عن التخبّط بلا طائل. 

وما تلا حادثة المسيّرتين الأخيرة، ينذر بأن أشواط الذهاب والإياب لن تكفّ في المستقبل المنظور، في مشهد دراماتيكي سينمائي بامتياز يتأرجح فيه ملايين الأشخاص على أرجوحة السيّد.

يتيح حضور المسرحيات الجادة لجمهور المتفرّجين الجلوس في مقاعد مريحة ومتابعة مشاهدها ومواقف شخصياتها وتبدّل علاقاتها فوق خشبة المسرح. وينعمون بسلمية الفُرجة، إذ تتشكّل فوق رأس كل متفرّج، فقاعة تظهّر تفاعلاته بصمت مع مجريات العرض، ولا تتداخل مع فقّاعات الآخرين. ومن يستطيع قراءة محتوى الفقّاعات يعرف ما الذي يدور في خُلد كل متفرّج من آراء ورغبات ومواقف...

هذا الوصف للفرجة ينطبق، مع بعض الفروق، على حال اللبنانيين من الطرفين، إزاء اطلالات السيّد حسن. الديكور نفسه يتكرر منذ 2006: شاشة عملاقة يطل منها أمين عام "حزب الله"، بينما يقبع هو في "الكواليس" في مكان مجهول، ما يزيد جرعة التشويق، فيترقّب الحضور ظهوره المفاجئ لإلقاء التحيّة، كما فعل ذات مرة. وتكون الشاشة معلّقة فوق منصة تتزيّن أحياناً بالأزهار أو تتّشح بالسواد، بحسب المناسبة.

وأمام المنصة حيّز المناصرين المباشرين الذي يضمّ كراسي المدعوين والكوادر، وخلفها مربعات مرتّبة لاحتواء حشود بالآلاف المؤلّفة، ناهيكم عن الأعلام والبيارق الصفراء المرفرفة التي ترسم حدود المربّعات. أما المناوئون فيجلسون أمام شاشات أصغر حجماً بكثير، تلفزيونات وكومبيوترات وألواح وهواتف ذكية، تستحضر الشاشة الكبيرة إلى داخل البيوت والمقاهي والدكاكين... وبعضهم ينصت للخطاب عبر الراديو، غالباً في السيارات. ومثل المناوئين يفعل قسم آخر من المناصرين من الذين لا يستطيعون إلى المنصّة سبيلاً.

بالطبع، هناك قسم آخر من اللبنانيين لا يكترث لخطابات السيّد، فيستمرون في نشاطاتهم العادية كالعمل والتشمّس والواتسآب والرومانس والتزلّج والأكل والفوتبول والنوم وريّ الزهور والتنس... إلى ما هنالك.

يبدأ العرض عادة بلقطات للحشود أمام الشاشة الكبرى، قبل أن يطل السيّد. هذه المرة، سبق العرض عمل جريء لمراهقين صغار، رموا إحدى المسيّرتين بالحجارة فسقطت، كما يقال. وكشفت فعلتهم أمرين: الأول، وجود جيل من اليافعين، في البيئة الحاضنة للمقاومة الإسلامية، يتمتّع باليقظة وروح المبادرة. والثاني، مخطط دنيء للعدو، يثير التساؤل حول خلل في المراقبة الجوية سمح بتوغّل المسيّرة في عمق الضاحية.

ثم يطلّ السيّد ببراعته الخطابية ورفعة أدائه، وجهه يملأ الشاشة العملاقة: النبرة العالية، النبرة الخفيضة، الابتسامة الجذّابة، الضحك المهذّب أحياناً، التهكّم، الازدراء، العبوس، التجهّم...، بحسب السياق. وتتخلّل ذلك سبّابته المرفوعة الشهيرة التي يهدّد بها ويتوعّد العدو الإسرائيلي و"عدو الداخل" أو الشريك في الوطن.

مرّ الخطاب الأخير، ومثلما يحدث في المسرح، لم تحتك الفقاعات بعضها ببعض خلال العرض، حتى أفرغ أصحابها محتوياتها في مواقع السوشال ميديا. وعلى عكس طقوس المسرح الجاد وممارساته، التي تحض المتفرّجين على إقامة حوارات نقدية في ما بينهم بعد انتهاء العرض، راح المناصرون والمناوئون يكيلون النعوت لبعضهم بعضاً ويواجهون الروايات بروايات مضادة.

وهذه المرة، ساهمت في استعار المُنازلات في الفضاء الرقمي، هشاشة بيانات السلطات الرسمية التي بقيت ضمن حدود الوصف، ولم تتحدث عن مكان إطلاق المسيّرتين الذي ينطوي غموضه على الكثير، واستيلاء "حزب الله" على حطامهما وعدم سماحه لأجهزة رسمية بالكشف عليها، فضلاً عن تعارُض المصادر حول هدف "العملية": اغتيال نائب سابق (رواية لم يؤكدها أو ينفها الحزب)، في مقابل تدمير مصنع لمكوّنات الصواريخ الدقيقة (رواية الصحافة الغربية). وما فاقم الهلع التبنّي الرسمي لردّ "حزب الله" على عملية المسيّرتين.

وفي هذه الدوّامة، لم يعد يعرف اللبناني، الذي يتعثّر في سعيه اليومي، ما هي الثقة أصلاً لكي يثق في أحد. فهو يتدبّر أموره تدبيراً. يظل قلقاً مما يخبّئ له اليوم التالي. يعيش على الحافة. وفوق ذلك كله، يُطلب منه تحرير فلسطين، ويُهدَّد باشتعال بلده، في حال اعتدى آخرون (أميركا) على بلد آخر (إيران).

يرى الشاعر الفرنسي بول فاليري أن "الحرب هي مجزرة بين أناس لا يعرفون بعضهم البعض، من أجل أناس يعرفون بعضهم البعض، لكنهم لا يقتلون بعضهم البعض".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها