آخر تحديث:17:06(بيروت)
الأربعاء 28/08/2019
share

قمة مجموعة السبع: نجاح غير متوقع لفرنسا

حسن مراد | الأربعاء 28/08/2019
شارك المقال :
قمة مجموعة السبع: نجاح غير متوقع لفرنسا أجمعت الصحف الفرنسية على "حنكة ماكرون الدبلوماسية" في تعاطيه مع واشنطن
اهتمام الصحف الفرنسية بتغطية مجريات قمة مجموعة الدول السبع الصناعية (G7) كان ملموساً. اهتمامٌ لا يمكن تفسيره فقط باستضافة مدينة بياريتز الفرنسية لهذا الحدث، بل لأن الوسط الإعلامي الفرنسي لم يكن يتوقع أصلاً نجاح القمة. 

في الواقع، حضر قادة الدول السبع إلى بياريتز وفي جعبة كل منهم استحقاقات داخلية تقيد حريته: فحملة ترامب للفوز بولاية ثانية انطلقت، كذلك بالنسبة للكندي جاستن ترودو الذي يتحضر لاستحقاق انتخابي عسير في تشرين الأول/أكتوبر المقبل. في إيطاليا، انهيار الائتلاف الحكومي دفع بالبلاد نحو أزمة سياسية حادة. من جهته، يدرك البريطاني بوريس جونسون حجم التحديات السياسية والاقتصادية الداخلية التي تنتظره بفعل البريكسيت، أما الألمانية ميركل فتعيش ولايتها الأخيرة. 

استحقاقات داخلية لا تحفز قادة الدول على المضيّ بتعهدات والتزامات بعيدة المدى، فكيف إذا كانت الملفات المعروضة أمامهم أساساً من النوع الساخن (الملف النووي إيران، المناخ، إعادة ضم روسيا للمجموعة، الحرب التجارية الأميركية - الصينية...)؟ فحُكم على قمة بياريتز بالفشل المسبق.    

لكن وبإجماع شبه تام، اعتبرت الصحافة الفرنسية أن ماكرون نجح في قلب هذا المشهد من خلال اضطلاعه بدور الوسيط و/أو المحايد لا سيما في الملف الإيراني حيث نجح في احداث اختراق ولو شكلي. فقد توقفت الصحف الفرنسية مطولاً عند الحضور المفاجئ لوزير الخارجية الايراني إلى بياريتز بناءً على دعوة رسمية فرنسية. صحيحٌ أن اللقاءات التي عقدها ظريف مع الجانب الفرنسي لم تكن ضمن إطار فعاليات القمة، لكن مجرد تواجده في بياريتز دلّ على محورية الملف الإيراني.

وعليه، عنونت الصحف الفرنسية كلها على الموضوع، واصفةً خطوة ماكرون بـ"الضربة الموفقة" على المستويين السياسي والإعلامي إذ سمحت بخلق أجواء إيجابية، لا سيما مع إبداء ترامب في ختام القمة استعداده المبدئي للقاء نظيره الإيراني. 

علاوة على ذلك، أرسل الرئيس الأميركي بإشارات إيجابية حيال الحرب التجارية المستعرة بين بلاده والصين، إضافة إلى إعلان ماكرون عن التوصل إلى اتفاق مع واشنطن حول الضرائب على عمالقة الإنترنت ومبادرة المجتمعين إلى تقديم مساعدات مالية لمواجهة حرائق الأمازون.  

في هذا السياق، أجمعت الصحف الفرنسية على "حنكة ماكرون الدبلوماسية" خصوصاً لناحية تعاطيه بحكمة وواقعية مع واشنطن: فالحضور المفاجئ لمحمد جواد ظريف في بياريتز ما كان ليتم من دون ضوء أخضر أميركي، كما الدفع باتجاه عدم إصدار بيان ختامي تفادياً لتكرار سيناريو العام الماضي حين رفض ترامب التوقيع على البيان الختامي للقمة التي انعقدت في كندا ما دفع بصحيفة Le Parisien إلى تشبيه الأمر بانعقادٍ لقمة G2 على هامش الـG7. 

في المحصلة، نجح ماكرون على المستوى الشكلي في إشاعة أجواء من الوحدة والتجانس، أما على صعيد المضمون فالإيجابية تلخصت في تمكن الرئيس الفرنسي من تفادي أي اصطدام دبلوماسي بين ضيوفه ليس أكثر، أجواء افتقدتها هذه القمم منذ انتخاب ترامب. 

على الرغم من ذلك، أضفى ماكرون لمسته الخاصة على جدول أعمال القمة، فالتركيز على الملفات الجيوسياسية والبيئية لم يرق لترامب ولا لفريق عمله الذي كان يحبذ التركيز على تناول المسائل الاقتصادية، لكن وجهة النظر الفرنسية فرضت نفسها، ففرنسا لا ترغب بتحويل هذه القمم إلى ما يشبه "اجتماع محافظي البنوك المركزية" على حد وصف Le Figaro بل تسعى للحفاظ على طابعه السياسي والتأكيد على فكرة أن حل النزاعات هو الممر الالزامي للازدهار الاقتصادي وليس العكس. 

واللافت أيضا أن الصحافة الفرنسية لم ترَ في هذه الديناميكية الدبلوماسية مجرد سعي لإنجاح القمة، فقد اعتبرتها مؤشراً على مرحلة جديدة من السياسة الخارجية الفرنسية عنوانها إعادة الاعتبار لفرنسا كوسيط في النزاعات. 

إذا ما تمعنا بين السطور، نستشرف أن تطرق الصحافة الفرنسية لهذه النقطة يحمل في طياته شيئاً من المقارنة مع "دبلوماسية الأسلاف": فحتى اليوم، لا يزال الرأي العام الفرنسي منقسماً حيال التدخل الفرنسي في ليبيا إبان ولاية ساركوزي كما موقف هولاند من الأزمة السورية، انقسام ازدادت حدته عقب كل اعتداء ارهابي شهدته فرنسا في السنوات الأخيرة.

من جهتها ذهبت صحيفة Le Croix أبعد من ذلك فاعتبرت أن ماكرون "يهندس" لنظام عالمي جديد، على اعتبار أن السياسة الخارجية تدخل في صلب صلاحيات الرئيس الفرنسي، صورت الصحف فعاليات القمة على أنها مكسب شخصي لماكرون سيتم تجييره داخلياً. تجيير لاحت معالمه منذ اليوم الأول لانعقاد القمة حيث توجه بخطاب متلفز للفرنسيين، في خطاب يعتبر سابقة على صعيد الحدث والمضمون: 

فقد عرض الرئيس الفرنسي لمواطنيه التحديات السياسية والاقتصادية والبيئية والاجتماعية التي تنتظر القادة المجتمعين في بياريتز ولأي مدى تأثر هذه الملفات في الحياة اليومية للفرنسيين، متعهداً بأن يحمل صوتهم ويدافع عن مصالحهم. وعليه، يمكن القول أن ماكرون تمكن وبشكل ملموس من إعادة تلميع صورته، فالنجاح الشكلي غير المتوقع للقمة دفع الصحف الفرنسية لأن تواكب الحدث بإيجابية لتغرس هذا الانطباع لدى القارئ. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها