آخر تحديث:19:15(بيروت)
الخميس 22/08/2019
share

محمود عباس وصورته "النخبوية".. لماذا المقارنة مع أبو عمار؟

أدهم مناصرة | الخميس 22/08/2019
شارك المقال :
محمود عباس وصورته "النخبوية".. لماذا المقارنة مع أبو عمار؟ لو تبدد صورته السابقة التي تراكمت عبر سنوات بوصفه شخصية ادارية ونخبوية
المُتتبع للمشهد السياسي الفلسطيني في هذه المرحلة التي توصف بأنها "صعبة" ومفصلية، يلمس أن السلطة تحاول في هذه الأثناء اللجوء إلى "الشعبوية" ولو عبر خطاب أو صورة، علّهما يقلصان الفجوة المتسعة بينها وبين الشارع في الضفة الغربية، خصوصاً في ظل الأزمة المالية الحاصلة ودفعها نصف راتب لموظفيها منذ عدة أشهر.

والواقع، أن هذه الحالة التي بدت السلطة بحاجة ماسة لها في هذا التوقيت تحديداً، لا سيما أن ثمة ضغطاً أميركياً وإسرائيلياً وحتى إقليمياً يُمارس عليها، دفع رأس السلطة وهو محمود عباس إلى الانخراط في هذه الحالة مضطراً وقدر الإمكان، رغم أنه يُنظر له كرجل "نخبوي ومكتبي" لا يجيد أن يكون "شعبياً" كما كان عليه الحال بالنسبة للرئيس الراحل ياسر عرفات.

"صورة شعبية طارئة!"
على غير المعتاد، وبعدما أثارت صور زيارته لحي "الطيرة" في رام الله نقداً لاذعاً من أوساط شعبية فلسطينية ونشطاء في "فايسبوك"؛ بإعتبار "أن عباس يختزل لقاءاته الشعبية بأماكن قريبة وفارهة وتعكس طبقة إجتماعية معينة"، قرر عباس أن يجري زيارة لمخيم الجلزون شمال رام الله عشية عيد الأضحى المبارك؛ بغية خلق "صورة شعبية ولو طارئة له"، تحت عنوان "لزوم المرحلة".. فالمطلوب أن تساهم هذه الصورة في إرضاء الفلسطينيين وتخفيف غضبهم بسبب ما يرون أو يسمعون عن مظاهر فساد ورفع لرواتب الوزراء بشكل غير قانوني فيما هم يُعانون "الأمَرّين" في خضم الضائقة المالية.
ليس بزيارة واحدة
بيدَ أن هذه الصورة التي أرادها عباس خصوصاً، والسلطة عامة في مخيم الجلزون في هذا الوقت، لا يظهر أنها نجحت فعلياً في تبديد "الصورة النُّخبوية" السابقة حوله والتي تشكلت تراكمياً طيلة سنوات، حتى لدى المنتمين إلى قاعدة "فتح"... ورغم محاولات عباس أن يعزز لقاءاته الجماهيرية في هذه الفترة، ومروراً بقراره الأخير بشأن استعادة الأموال التي أخذها وزراء سابقون بغير حق، لم تكن كافية لنشهد "طلاقاً" بينه وبين صورته التقليدية السابقة؛ وذلك لسببين رئيسين:

الأول، أنها لم تتحول لنمط دائم وإستراتيجي. فزيارة واحدة تُنسى، لكن لو أعقبتها زيارة لمخيم بلاطة في نابلس مثلاً، ثم زيارة للخليل، وقلقيلية، وغيرها من المدن والبلدات- كما كان يفعل أبو عمار بإستمرار- لكانت هناك فرصة، إن لم يكن تبديداً نهائياً للصورة السابقة، فعلى الأقل أن تُوازن "ذهنية المواطن" ولو متأخراً بين صورتين لعباس "النخبوي أي المكتبي..والشعبي أي الميداني". 

علماً أن هناك مدناً فلسطينية لم يزرها عباس طيلة فترة رئاسته للسلطة منذ 14 عاماً.

ولهذا، قصرُ هكذا زيارات ولقاءات جماهيرية على المناسبات ومخيم هنا ومنطقة هنا، والتغاضي عن شموليتها وإستمراريتها، لن يكسر الفجوة بين الشارع والسلطة.. ولن يخلق صورة جديدة لعباس، لا سيما في ظل الوضع الصعب الذي تواجهه السلطة حالياً، في مقابل سخط الشارع من الظروف الإقتصادية جراء ما يقول إنها "مظاهر الامتيازات للمسؤولين والأخبار عن رفع رواتبهم".. فهذا ضرب مصداقية السلطة. 

أما السبب الثاني لعدم نجاح "زيارة الجلزون" في تبديد الصورة السابقة لعباس، فيتعلق بالتوقيت والسياق، إذ يدرك المواطن الفلسطيني أن هكذا لقاءات وزيارات شعبية حتى لو تعززت، تبدو "مصلحية" ولا تُمثّل إيماناً عميقاً من قبل القيادة بأهميتها وجدواها للتقرب إلى المواطن وجسر الهوّة. ناهيك أن "الزيارات والخطابات الرومانسية وحدها لن تكفي لتعزيز الجبهة الداخلية في وجه الأزمة"، بحسب ما غرّد أحد الناشطين في "تويتر".

وإذا ما عُدنا إلى الوراء وما قبل نشوء السلطة الفلسطينية، فإن عباس انتقل من كونه أستاذ مدرسة في قطر، إلى العمل في منظمة "التحرير" حيث تخصص في التفكير السياسي وإجراء وتنسيق الإتصالات مع مختلف الدول والجهات، وليس العمل الجماهيري والميداني، إذ كان الأخير من اختصاص قيادات أخرى في "المنظمة". وعندما كانت تُعقد اجتماعات لحركة "فتح" ومنظمة التحرير في بلدان عربية إبان الثورة، كان عباس يطلب أن يتم الحجز له في فندق، وليس في شقة مشتركة؛ لأنه بذلك سيكون "مرتاحاً أكثر".

هذه الخلفية المعلوماتية، تعطينا تصوّراً إضافياً كي لا نفهم فحسب، بل ونتفهم بطريقة أو بأخرى، سبب المفارقة بين صورتي عباس وأبو عمار، فالأخير كان يواظب على زيارة بيوت الشهداء والجرحى، فضلاً عن المخيمات والمدن.. ولا ننسى أن "مقر المقاطعة- الرئاسة" في رام الله كان مقصداً للمحتاجين والزائرين للرئيس أبو عمار، وهو الأمر الذي تغير كلياً في عهد عباس الذي ركّز على المكتب لا الشارع.

صورةُ الإقصاء
لا أحد ينكر أن محمود عباس، شخصية مفكرة ومثقفة وهو فاهم جيد للسياسة المحلية والدولية، وقد ألف كتباً عديدة، وبعضها سيُنشر بعد مماته، وفق ما تقوله شخصيات مقربة منه..غير أنه يُنظر إلى العلاقات الفلسطينية الداخلية على أساس أنه شابها الكثير من الخلل والتدهور في عهده، علاوة عن صورة "الإقصاء" التي تشكلت عنه، بمعنى إبعاده لأي شخص يختلف معه، كما أنه يسمع لعدد قليل جداً من المستشارين.

وبنظرة موضوعية ومهنية، فلسطينيون كثر لا يستطيعون فهم عباس لإعطاء حكم نهائي عليه، وذلك نظراً لإنعزاله عن الشارع، ومتابعاته فقط في إطار خطابات لا تخلو من الانفعال أحياناً حول الوضع الداخلي وما آلت إليه القضية الفلسطينية.. بيدَ أن البعض ممن يدافعون عن عباس، يقولون إنه رجل واضح ومباشر وهو ودود جداً مع من يتحدث إليه عن قرب. وفي خطاب ألقاه في مؤتمر فتح السابع، بدا فيه أنه يعرف كل "شاردة وواردة".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها