آخر تحديث:12:50(بيروت)
الأحد 18/08/2019
share

أيها اللبنانيون... هووووو!

زكي محفوض | الأحد 18/08/2019
شارك المقال :
أيها اللبنانيون... هووووو!


عندما كنا أطفالاً وتشتد ضراوة اللعب في البيت، كانت والدتنا تصرخ فينا: "يا اولاد شو في هُووووو". لاحقاً، فهمنا أن "هوو" الممدودة كانت تختزل عجز الوالدة عن تحمّل صخب فوضانا، فتتعطّل لغة كلامها ولا تجد لتهدئتنا سوى تلك اللفظة الصامتة... والمحبّبة.

و"هوو" ليست غريبة على اللبناني، ولكنه ألِفها رادعة وعنيفة، فلا تعود لمجرّد التهدئة، إنما للإخضاع، وأسبابها مصالح ومآرب. آخر "هوو" كانت تلك التي صدحت بها السفارة الأميركية بشأن حادثة قبرشمون، وقبلها "هوو مجيدة" في 7 أيار 2008، والقرار 1701، و"هووات" النظام السوري ومندوبيه، والعرب والأميركيين والإسرائيليين والإيرانيين والروس... فضلاً عن "هووات" داخلية.

وكل هذه تحيلنا على قول زياد الرحباني في مسرحيته "نزل السرور": "أنا بعرفو تاريخنا، ناطر كف من غيمة". ذلك أن "هوو" (في السياسة) هي، في الواقع، صفعة قوية كانت ولا تزال تُكرِهنا على القبول بقالب جاهز جديد لحياتنا السياسية والاجتماعية كلّ مرة، سرعان ما يتشقق ويفتت، فنكرر حروبنا، منذ الاشتباكات الطائفية في 1840 قبل لبنان الكبير وحتى... متى؟ ونكرر أسفنا ونتمنى أن نكون تعلّمنا الدرس، لنجد أنفسنا نعيد الكرّة واستجلاب "هوو" جديدة علينا.

ويعود فشل القوالب المتناسلة إلى غياب الدولة ككيان لاحتواء الأزمات وتصريف نتائجها، وغياب المواطَنة التي تنشر ثقافة الحقوق والواجبات بين الأفرد فيقيمون شراكة في قضايا أساسية يتصرّفون حيالها بتلقائية، ومن دون واسطة. 

دولة لبنان قائمة ولكنها أطلال دولة أعجز من أن ترعى رعاياها في الداخل كما في الخارج، ومن أن تتجاوز إملاءات قوى الأمر الواقع الطائفية والمصلحية الداخلية والخارجية. 

وأما المواطَنة، فلا تنطبق علينا نحن اللبنانيين، بدليل عجزنا عن تحديد أولوياتنا المطلبية والتوحّد تلقائياً لمواجهة أزمتي النفايات والكهرباء، مثلاً. ذلك أن الانتماء إلى زعيم أو طائفة او حزب هو ما يحدد وجود الأزمة، فترانا منقسمين على كل شيء من الفساد إلى السلاح المتفلّت. وحدها "هوو" تخفف من الانقسام ولا تلغيه.

نحن في لبنان لسنا مواطنين، نحن أفراد وجماعات متنافرة، تجمعنا الجنسية اللبنانية من خلال بطاقة الهوية البلاستيك، وليس من خلال الهوية كانتماء إلى وطن هو أساساً خلطة نيئة من انتماءات إلى طوائف ومصالح، لا ترقى حتى إلى تشكيل "فسيفساء"، على وصف معهود. ومن الدلائل على ذلك، عبارة دارجة في السوشال ميديا "شو هالشعب"، "مللا شعب"... التي تنطوي بكل تنويعاتها على انفصال كاتبها اللبناني عن ظهرانيه، وتنصّله من المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية المشتركة حيال أي قضية.

جملة أحداث جرت في لبنان، تستحق التوقف عندها كقضايا عامة، والتساؤل عمّا عطّل عموميتها وحصر الفعل وردّ الفعل بـ "الجماعة المعنية"، أي الطائفة أو الطرف السياسي. ومن هذه القضايا: الشاب شربل أنطونيوس الخوري وفريق "مشروع ليلى" والصحافيون محمد زبيب وحنين غدار وفداء عيتاني (حرية تعبير)، والمسرحي زياد عيتاني (فضيحة أمنية وقضائية)، والسيدة غدير الموسوي ومثيلاتها (ظلم المحاكم الشرعية)، فضلاً عن حق الأم في منح جنسيتها لزوجها الأجنبي وأولادهما والمثلية والزواج المدني الاختياري والعنف الأسري...

لدينا نزعة إلى التخلي سريعاً عن القضايا التي "توجع الرأس" والكف عن متابعتها والاستمرار في حملها. فبدلاً من الالتفاف أخيراً حول قضية مكب جبل تربل شمال لبنان واستغلال التحرّك لإعاد طرح المشكلة والمطالبة بحل، أداينا واجبنا من بعيد وأشعلنا المواقع الإعلامية والاجتماعية المختلفة بفيديو لامرأة معترضة يضربها شرطي متوحّش، تبيّن أنه شقيقها يردعها بـ "هوو" عائلية. ترى، ما الذي يحدد أهمية كل قضية وأولوية كل تحرّك؟

لدينا نزعة إلى أن نترك كل منطقة "تقبّع شوكها بيدها"، على قول عامّي، وننأى بأنفسنا عن الالتفاف، بنَفَس طويل، حول قضايا أساسية، كالنفايات والكهرباء والمعيشة والفساد... ناهيكم بقضايا فلسطين وسلاح حزب الله وسوريا والبحرين والعراق واليمن... والعالم أيضاً، خصوصاُ بعدما قرر تنظيم "المرابطون" اللبناني مؤازرة الصين ضد ما يحصل في هونغ كونغ.

لدينا نزعة إلى نترك كل طائفة تمعن في قمع مؤمنيها الخوارج، مثلما حصل للشاب شربل أنطونيوس الخوري، أو إلى أن نتفرّج عليها تستقوي بحرّاسها الأوفياء على يوميات الناس، مثل حادثة منع العزف على الطبلة ومنع حضور العناصر النسائية لفرقة فنية وإلغاء حفلة لفريق "مشروع ليلى"... ومن ثم يصدر بيان – أضعف من "هوو" - حول الإلغاء الذي شنّ حملته "صليبيون معاصرون"، عن "مثقفون مسيحيون لبنانيون"، بدلاً من التجرّؤ والارتقاء بالاعتراض إلى مستوى وطني جامع.

واستطراداً، لا... لم ينجح "... لبنان الفن والحرية والشباب، في استعادة معنى بيروت..."، كما عبّر الكاتب الياس خوري عن تفاؤله بحفلة "صوت الموسيقى أعلى" تضامناً مع "مشروع ليلى". فلو مسّت الإشكالية، التي ألغيت على أساسها الحفلة في جُبيل، أطرافاً أخرى من ممارسي القمع، "لما وجد منظمو [التضامن]... مرقَد كمنجة في بيروت الغربية"، كما كتبت الزميلة رشا الأطرش في مقال عنوانه "حريّات الحرب".

هذا هو الواقع الحقيقي المرير لمناصري الدولة المدنية، فأهل السلطة في لبنان، منذ الاستقلال، أذكى من أن يقيموا دولة ترعى شؤون الناس، لكي يظلّوا متحكّمين في مصائرهم. وهم جهّزوا كل الوسائل الناجعة للدفاع عن هذه "اللا دولة": مواجهة أي تحرّك بالتخوين أو القمع أو الإفساد، فضلاً عن سرعة توحّدهم، بما يخدم مصالحهم الشخصية ومصالح الطوائف، في مواجهة التحرّكات التي قد تهدّد وجودهم.

يجب الاعتراف بالواقع المريرأولاً وبالهزيمة، ثم التحضير لإقامة فسحة وجود، والكف عن التشرذم والتشتت عن "المهم"، وعن خوض معارك انتخابية عقيمة لمجرّد تسجيل نقاط، واللجوء إلى توثيق حالات النجاح للبناء عليها: "بيروت مدينتي" كنموذج لتحقيق تقدّم يبنى عليه في الانتخابات البلدية، تبدّد كله مع خوض بعضهم الانتخابات النيابية، فراحوا يهذون بعدد الأصوات التي أحرزوها وبدنوهم من الاختراق، والأدهى، بحلمهم بالفوز في المرة المقبلة، متخلّين عن نجاحهم في خوض المعركة البلدية.

في الأثناء، أعلن النائب محمد رعد أن "إسرائيل تتهيأ لشن حرب علينا"، وأكد على "جهوزية المقاومة لملاقاتها برجالنا، بمجتمعنا، بقدراتنا، بكل ما حضرناه لها". تُرى لمن يعود الضمير المتصل "نا"؟ هل يعود للبنانيين ككل، فرعد نائب عن الأمة ومن حقه التوجّه إلى كل الشعب؟ أم، ينحصر في "حزب الله" وبيئته لأن الرجل ينتمي أيضًا إلى المقاومة الإسلامية؟ في الحالتين، استئثار. كيف السبيل إلى التفاهم حول هذه النقطة؟.. في الحالتين، ثمة "هوو" طويلة جداً تتربّص بنا.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها