آخر تحديث:15:41(بيروت)
الأربعاء 14/08/2019
share

"للعبث ياطلائع": ذكريات الطفولة وحاضرها في "سوريا الأسد"

وليد بركسية | الأربعاء 14/08/2019
شارك المقال :
"للعبث ياطلائع": ذكريات الطفولة وحاضرها في "سوريا الأسد"
مع موسيقى حزينة، لكنها مألوفة، ينطلق فيلم "للعبث يا طلائع" الذي اجتاح مواقع التواصل الاجتماعي منذ مطلع الأسبوع، موقظاً شيئاً من "التروما" الموجودة في قلب كل سوري عايش نظام التعليم الرسمي في ظل "سوريا الأسد"، وقضى جلّ طفولته في المدارس الحكومية التي عملت بشكل ممنهج على قولبة السوريين منذ طفولتهم، وتحويلهم إلى "روبوتات" صغيرة مسلوبة الإرادة، تطيع قادتها بلا أسئلة تحت شعارات حزم البعث الحاكم المعروفة.


بعد لحظات تتوضح ماهية الموسيقى الافتتاحية وتأخذ موضعها في الذاكرة بكلمات رتيبة مزعجة: "للبعث يا طلائع.. للنصر يا طلائع". هي الكلمات التي تشكل النشيد الرسمي لمنظمة طلائع البعث، التي كان الطلاب السوريون من عمر 6 سنوات وحتى 12 سنة، أي طوال فترة المرحلة الابتدائية، مجبرين على الانضمام إليها وحفظ نشيدها الرسمي. وفيما لا تتردد الكلمات في مقدمة الفيلم، إلا أن هنالك ذكاءً في إبطاء إيقاع النشيد، وتحويله لشيء قريب من لحن تضامني حزين مع الذين يعرفون الإيقاع الأصلي "العسكري".

يلعب الفيلم على فكرة العنف ضد الأطفال في المدارس السورية، التي قد تتحول في لحظة ما إلى شيء يشابه أقبية المخابرات سيئة السمعة، عطفاً على أساليب العقاب التي يتبعها الأساتذة ضد التلاميذ، سواء عند تقصيرهم الدراسي أو عدم انضباطهم الأخلاقي الذي يوازي طرح أسئلة أو تعليقات بشأن التوجيهات الرسمية وصولاً لمخالفة القوانين المدرسية المتعلقة باللباس الصارم وليس انتهاء بالتعرض للقائد الخالد حافظ الأسد أو ابنه بشار من بعده، بطريقة أو بأخرى، والتي تشكل في الواقع محور الفيلم.

عقاب الطلاب الوحشي في الفيلم بالضرب على الأيدي والأقدام، يأتي بسبب لعبهم كرة القدم في غرفة الصف، حيث لا يتوافر أي وقت للمرح و"العبث" في المدارس الرسمية التي تجعل من كل شيء محرماً وممنوعاً من الجري الطفولي إلى الضحك البريء. والكارثة الأسوأ هو أن الكرة تصيب صورة بشار الأسد المعلقة في كل صف مدرسي أمام الطلاب مباشرة، لتقع ويتكسر زجاجها في كل مكان، ما يجعل العقوبة مضاعفة، ليس فقط لتربية التلاميذ وتثقيفهم بالغلط الفادح الذي قاموا به ضد "المقدس"، بل أيضاً لإبعاد أي شبهة بالتواطؤ قد تحيط بهم في ظل الأجواء المخابراتية المعروفة في سوريا.


ورغم أن ذلك كله يشكل جزءاً من الماضي المظلم الذي ثار السوريون من أجله العام 2011 قبل أن يرد عليهم النظام بسياسة الأرض المحروقة، إلا أنه مازال يشكل حاضر البلاد وربما مستقبلها، في ظل "انتصار" النظام العسكري بمساعدة حلفائه وعدم وجود أي طروحات دبلوماسية دولية لتشكيل ضغوط قد تقود إلى حل سياسي شامل في البلاد، علماً أن الأساتذة في مدارس النظام باتوا يتباهون بتنفيذ العقوبات عبر مواقع التواصل، حيث يتم تصوير عمليات ضرب التلاميذ ومشاركتها في "فايسبوك" أو "تويتر"، وهو ما يبرزه الفيلم أيضاً.

ويشير الفيلم إلى ذلك بطرح مقاربة ذكية مع دول اللجوء الأوروبي، حيث تبدأ الأحداث بطالب جديد يدخل إلى الصف في يومه الأول بعد عودته مع عائلته من السويد، ووسط احتقار الأساتذة البعثيين له بسبب كونه "لاجئاً" تخلى عن الوطن، يفسر الطالب ببراءة سبب عودة عائلته إلى البلاد، متحدثاً عن إصرار والده على كليشيهات الإعلام الرسمي حول العودة لحضن الوطن وأرض الياسمين وعناق الهلال للصليب، وبالتحديد فكرة "عدم وجود كرامة في السويد"، وهي الكلمات التي تتردد في رأسه عندما يتلقى الضرب مع بقية التلاميذ، لأن العقوبة في سوريا الأسد جماعية دائما حتى لو كان الخطأ فردياً.

"السويد ما فيها كرامة".. تتردد في ذهن الطالب المسكين وهو يتلقى الضربات ويشاهد الضرب الوحشي لزملائه الجدد في الصف. وتذكر بخطاب إعلام النظام بحق كل دول اللجوء، وكأن سوريا الأسد كانت منبعاً للكرامة واحترام حقوق الإنسان، فالنظام عبر سياساته المختلفة، عمد بشكل ممنهج إلى إذلال السوريين كأساس لإخضاعهم، ولهذا السبب بالتحديد حملت الثورة السورية اسم "ثورة الكرامة". وتجب الإشارة إلى أن فكرة الكرامة نفسها تم تشويهها في خطاب النظام، لتصبح مرادفة إلى الولاء للوطن البعثي فقط، وبذلك يصبح كل من عارض النظام فاقداً للكرامة. ولعل الفيلم في هذا السياق يشكل الرد المثالي على كل من يهاجم المعارضين للنظام بأنهم جاحدون وناكرون للجميل، لأن الدولة السورية علمتهم وطببتهم وقدمت لهم الخدمات بشكل مجاني.

ويجب القول أن هذه الوحشية الممنهجة تبدو لوهلة وكأنها غير قابلة للتصديق، من طرف أشخاص لم يعايشوها، خصوصاً انها تتعلق بأطفال تتراوح أعمارهم بين 6 و12 عاماً فقط. وهي تستحق شرحاً موسعاً وتأكيداً على أنها أمور واقعية تحدث وليست مجرد مبالغات درامية. ومن هنا تأتي أهمية الفن في إيصال تلك الأفكار خصوصاً أن الحديث عنها بشكل شخصي قد يكون صعباً أو معقداً بعض الشيء، لأن تكرار هذا النمط ربما حوله في الذاكرة السورية الجمعية إلى شيء طبيعي يجب تجاوزه بتحويله إلى نكتة على سبيل المثال.

ورغم تقديمه ضمن قالب درامي إلا أنه في الواقع أقرب لتوثيق معنى الحياة في ظل "الدولة السورية" التي يتباهى بها إعلام النظام ودبلوماسيوه والموالون له، وهو من كتابة وإخراج يمان عنتابلي (21 عاماً). ويؤكد الفيلم في بدايته على أن الجانبين الواقعي والتخييلي يكملان بعضهما، علماً أنه مستمد من من ذاكرة أكثر من 20 مليون سوري دخلوا المدارس التابعة لنظام الأسد، وعايشوا انتهاكات النظام لاتفاقية حقوق الطفل التي وقع عليها العام 1989، والتي تنص على حق الطفل بالتعلم من دون استغلال، واحترام حرية الطفل وحقه في الحياة والنمو، من دون الحديث حتى عن العنف الجسدي.

ومع التسليم بأن ما يطرحه الفيلم يشكل للأسف ماضي سوريا وحاضرها، يجب القول أن ما يقوم به النظام في مناطق سيطرته اليوم، لا يشكل استعادة فقط لذلك الواقع المظلم الآتي من أدبيات حكم حافظ الأسد للبلاد، والتي خفف منها بشار في سنوات حكمه الأولى، بل نقلاً لتلك الممارسات إلى الدرجة التالية، وتخلياً عن "ملامح الضعف" قبيل الثورة السورية، من أجل فرض "هيبة الدولة" على السوريين مجدداً، وهو ما تجلى في طرح خطط رسمية لإعادة التربية العسكرية إلى المدارس وفرضها على التلاميد ضمن محاولة (إعادة) أدلجتهم، بالإضافة لمقاطع الفيديو التي تنتشر باستمرار حول العقوبات التي تطبق ضد التلاميذ المخالفين، والتي تتحدى قرارات وزارة التربية حول منع الضرب في المدارس.

وتشير إلى ذلك مقاطع فيديو انتشرت العام الماضي لفرض الأساليب البعثية العتيقة في المدارس مجدداً، ويبدو النظام في كل ذلك، وكأنه يعترف بأن "أخطاءه" بعد وفاة حافظ الأسد هي التي أدت إلى الثورة السورية. ولعل تلك الأخطاء تعني، بالمنطق البعثي، "التساهل" مع الشعب في بعض الحريات المدنية خلال حقبة بشار.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها