آخر تحديث:16:45(بيروت)
الأربعاء 03/07/2019
share

أحداث الجبل: التلفزيونات اللبنانية تُغيّر جلدها

بتول خليل | الأربعاء 03/07/2019
شارك المقال :
أحداث الجبل: التلفزيونات اللبنانية تُغيّر جلدها (ريشار سمور)
فيما ساهمت حادثة الجبل بتغيير الأولويات التي طغت مؤخراً على المشهد السياسي وإعادة خلط الأوراق، ودق ناقوس الخطر عالياً، مع تردد صداه الذي وصل إلى مسامع كافة الجهات السياسية والشعبية، عكست التغطية التلفزيونية التي واكبت وتلت ما حدث في قبرشمون الأحد الماضي، إرباك القنوات اللبنانية لجهة طريقة تحديد موقفها وتعاطيها مع هذا الحدث.


ففي حين كانت مواقف هذه القنوات قبل الحادثة تنتهج أسلوب التراشق الإعلامي والتمترس والتموضع المتطرف ضدّ الخصوم، كتعبير انسجم وتماهى مع مواقف الجهات السياسية التي تمثلها هذه المحطات، انقلبت الصورة واتخذت شكلاً مغايراً عقب سلسلة الأحداث الخطيرة التي وضعت جميع الأطراف أمام حقيقة مفادها أن التصعيد والتوتر السياسي قد يدفع الأمور في الشارع نحو فتنة، في ما لو لم يتم تداركها قد تكون مرشحة بأن تضحي الشرارة التي تُشعل فتيل أزمة، قد تعيد لبنان إلى مرحلة أجواء الحرب الأهلية.

التلفزيونات اللبنانية، خصوصاً الحزبية منها، ارتأت التروّي والتعقّل والميل إلى الدفع للملمة ذيول الحادثة، كابحة جماح خطاب التجييش والتحريض الذي طغى على أدائها مؤخراً، الأمر الذي يعكس الاستشعار بمدى حساسية وخطورة الوضع المستجد، الذي لا يحتمل التصعيد الخطابي والإعلامي القائم على التحشيد وصبّ الزيت على النار، حيث برزت تجلياته بشكل واضح في تغطية قناة "المنار"، التي استبدلت نبرة الترهيب والوعيد بخطاب يدعو جميع الأطراف إلى التهدئة، بعدما بلغ التصعيد مداه من خلال التهديد الصريح الذي أتى على لسان وزير الدولة لشؤون النواب، محمود قماطي، وما قابله من تحدٍّ من قبل عضو "اللقاء الديموقراطي"، النائب فيصل الصايغ، وما فُهم منه بأنّ جنبلاط والحزب الاشتراكي لم يعد يحتمل التجاهل، وبات ظهره إلى الحائط باعتبار أنه يخوض معركة تهدد وجوده السياسي، ما جعل "المنار" تجنح إلى الانكفاء والكلام عن حرصها على "حفظ الجمهورية اللبنانية، التي حماها الله من شرور الفتن وخطوط النار البغيضة"، معتبرة أن "الوطن لا يحتمل إدخاله في متاهات أمنية تضاف إلى معضلات اقتصادية ومشاكل اجتماعية تعصف به".

كما برز تركيز "المنار" في نشراتها الإخبارية على ضرورة الاحتكام إلى القضاء والسلطات الأمنية، والتحذير من أن ما حصل في الجبل إنذاراً أحمراً للجميع، عليهم تلقفه بعدم الخوض في أي مغامرات أو تبادل لرسائل دموية، وذلك بعدما كانت القناة تميل في مثل هذه المواقف إلى التذكير بالسابع من أيار وعصاه الغليظة التي رُفعت وقتها فوق رأس جنبلاط، واللجوء إلى السقوف العالية القائمة على قاعدة عدم الرضا بكسر الحلفاء أو التعرّض لهم.

خطاب التهدئة ذاته سرت شروطه على قناة "إن بي إن"، التي بدا أنها تسعى لتكريس فكرة أن الحاجة إلى الحفاظ على الوحدة والاستقرار العام هو الملاذ الوحيد الذي يُمكن للبنان اللجوء إليه في مثل هذه اللحظة. فيما كان بارزاً استضافة رئيس حزب "التوحيد العربي"، وئام وهاب، الذي أطلق مواقف على غير عادته، داعياً إلى تنحية المصالح السياسية جانباً وإعطاء الأولوية للسعي إلى حفظ استقرار وأمن الجبل، والبعد عن كل ما يساهم في تأزيم الوضع، وتكريس السلم من خلال تنظيم الخلافات داخل البيت الدرزي. ويعكس هذا الموقف طموح الرجل وطمعه بوراثة الزعامة الجنبلاطية، من خلال تعمّده بالظهور، في مثل هذه المواقف، وكأنه الضامن لأمن الدروز والقادر على تولّي قيادتهم في لحظة تنحّي وليد جنبلاط أو غيابه عن المشهد السياسي، وذلك انطلاقاً من مواقف سابقة صرّح فيها عن أنه هو الأجدر بالزعامة السياسية للدروز من تيمور جنبلاط، الذي حسب رأيه يفتقد للخبرة والحنكة ولشروط الزعامة، التي يتمتع بها والده وجدّه من قبل.

وفيما يعتبر مراقبون أن طموح وهّاب وسعيه إلى الزعامة يُمكن اعتباره واحداً من أهم الاسباب لاشتداد حدّة الصراع في الجبل، كونه ينسجم مع قرار بشار الأسد بتحجيم وليد جنبلاط انتقاماً لموقفه من دعم الثورة السورية، وسعيه إلى تعويم نفوذ حلفائه الدروز والمسيحيين، على حساب تقليص دور جنبلاط وحصّته في الدولة والحكم، وأن إتمام نجاح هذه المهمة ملقاة بشكل رئيسي على عاتق "حزب الله" والوزير جبران باسيل، تمثّل هذا الأمر بشكل جلي مؤخراً في تغطية قناة "أو تي في"، التي ركّزت بشكل واضح على "مدى تمثيل التيار الوطني الحر في الجبل والشعبية الكبيرة التي يلاقيها هناك"، فيما برز تصريح للنائب سيزار ابي خليل عبر القناة قال فيه "الجبل معقلنا".

كما ركّزت "أو تي في" عقب حادثة قبرشمون، من خلال مجموعة من تقاريرها الإخبارية، على تصوير الوزير باسيل وكأنه فوق الصراع، واضعة إياه في موقع الحريص على وحدة الجبل وأمنه وسلامته، وإظهاره بمظهر الساعي إلى مدّ اليد وبسطها إلى خصومه السياسيين قبل حلفائه، مركّزة على توصيف ما يحصل في الجبل على أنه خلاف درزي-درزي داخلي، وأن كلّ المحطات التي شملتها جولة باسيل لم تصاحبها أي شائبة أمنية، دون التطرق من قريب أو بعيد إلى خطاب باسيل الاستفزازي والتحريضي والطائفي والعدواني الصريح تجاه جنبلاط، وبكون باسيل كان أوّل من تكلّم عن نيته باستهداف جنبلاط وتحجيم دوره وتقليص نفوذه في خلال اجتماعاته مع مناصريه.

سعي باسيل الدؤوب لنسج تحالفات مع قيادات وأطراف درزية بعيداً من جنبلاط، وقضمه من حصته في التعيينات لتوزيعها على معارضيه داخل الطائفة، ومحاولة تمريرها بالضغط على الرئيس سعد الحريري من خلال جلسات مجلس الوزراء، كان السبب الرئيسي لارتفاع حدّة التراشق الكلامي مؤخراً بين "المستقبل" و"الاشتراكي"، بعدما اتهم الأخير الحريري بالرضوخ لإملاءات باسيل، ما أرخى بظلاله على تغطية تلفزيون "المستقبل" لحادثة الجبل، بعدما اعتادت سابقاً مناصرة جنبلاط وتبنّي مواقف حزبه وتخصيص منبرها لقياداته. إلا أنها هذه المرة نأت بنفسها عن الدفاع عن جنبلاط أو مهاجمة خصومه واتهامهم بإثارة حفظية محازبيه وقواعده الشعبية، مكتفية بالإشادة بموقف الرئيس الحريري الهادف إلى "تنفيس الاحتقان" و"الرافض بالمس بالأمن والسلم الأهلي" و"الداعي إلى سيادة القانون"، والمؤكّد على أنّ "الحكومة لا تزال بألف خير".

هذا الأمر استتكرته "أم تي في" جملة وتفصيلاً، معتبرة أن "ما بين الكلام السياسي لرئيس الحكومة، وعدم تصويبه على حقيقة ما يحصل في الجبل، وما بين الحقيقة المرة البشعة تناقض كبير". كما أن القناة أبرزت ما عبّر عنه رئيس حزب "القوات اللبنانية"، سمير جعجع، من خلال توصيفه ما يحصل بأنه مأزق حكومي، ترجع علّته إلى تصرفات وزراء تكتل لبنان القوي وأساليبهم التعطيلية، بموازة تركيزها على الأزمة الحكومية التي يمكن أن تتحول شيئاً فشيئاً إلى أزمة حُكم، في ظل رئيس يقدّم نفسه على أنه يقود العهد القوي، في حين أن ما يحصل من إخلال بالتوازنات الداخلية، يؤدّي إلى المساس بالأمن القومي، ويهدد المصالحة التاريحية في الجبل، وينذر بتسيّب وفلتان أمني خطير لا تُحمد عقباه.

"أل بي سي" اتخذت تغطيتها مساراً آخر، إذ بدت أنها تستهيب الموقف الذي نتج عن أحداث الجبل، ما جعلها تجافي الخوض في البازار السياسي والسجالات والخطابات التصعيدية التي يمكن أن تنتج عنه، فابتعدت عن أسلوب الإثارة والتوقّع والتنبؤ، منتظرة انقشاع الصورة واتضاح المواقف التي تليها. وينطلق موقف القناة من اعتبارها بأنها شريكة في مسؤولية الحفاظ على استدامة وصيانة المصالحة التاريخية في الجبل، وأن مسؤوليتها تفرض عليها اتخاذ موقف مدروس ومتوازن بعيداً من أي استفزاز قد تهدد آثاره مصالح المسيحيين وأمنهم في الجبل، ما جعل معظم تقاريرها وتصريحات مراسليها تركّز على الدعوة لانتظار نتائج التحقيقات والوثوق بالقضاء وضرورة الاحتكام إليه.

تلفزيون "الجديد" قارب أحداث الجبل بطريقة تحتلف عن باقي القنوات اللبنانية الأخرى. إذ أنه، ومن منطلق تقديمه لنفسه على أنه منبر المجتمع المدني المتضرر من التركيبة الطائفية وسياسات الأحزاب والحكم، شنّ هجوماً شرساً على مجمل الطبقة السياسية والأطراف المعنية بالحكم والمسببة للنزاع، محملاً إياها مسؤولية الأحداث الأخيرة التي تودي بلبنان إلى حافة الهاوية. ولم تستثن القناة أحداً من كافة أطياف الطبقة السياسية، معلنة انحيازها إلى التعبير عن صوت المواطن اللبناني بأكثريته الصامتة والمسحوقة، والذي لا ينتظر من الحُكم وأهله إلا المصائب والأزمات المتنقلة والوافدة دوماً بأوجه متعددة ومختلفة.

ويمكن اعتبار "الجديد" في موقفه هذا الميّال فعلاً إلى التعبير عن فكر المواطن ورأيه وحاله، إلا أن ذلك لا يبرئه من تهمة الانخراط في أسلوب الإثارة والحماس والمواقف الشعبوية، والتي تهدف في المقام الأول الى اكتساب مزيد من الجمهور الغاضب والناقم على الأحزاب وأمراء الطوائف. لذا ليس من المستغرب، أن تسعى القناة دوماً لجذب المزيد من تعداد هذه الجمهور، الذي تحوّل في غالبيته العظمى إلى ناقم على ممارسات السلطة، بعدما نخره اليأس من إصلاح الوضع العام الفاسد والناشز على كافة المستويات.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها