آخر تحديث:16:52(بيروت)
الإثنين 29/07/2019
share

لاجئو اليونان: القلق واجب؟

عدنان نعوف | الإثنين 29/07/2019
شارك المقال :
لاجئو اليونان: القلق واجب؟ عرفت مجموعة "ديلتا" بتدخلها السريع، وتم حلها العام 2015 بسبب لجوئها للعنف
مقارنةً بقلق السوريين في تركيا إثر حملة تدقيق "الكيملك"، يبدو اللاجئون في اليونان وكأنهم ينامون في العسل، رغم أن قرارات الحكومة اليونانية الجديدة لا تبشر بالخير، ويفترض أن تدق ناقوس الخطر لديهم.


وربما تكون لهؤلاء مبرراتهم لتجنب المقارنات، ولتجاهل تبعات تسلم حزب يميني الحكم أيضاً، لأن معظمهم يرى في هذه البلاد محطة للوصول إلى ما هو أبعد، وبالتالي لن يكترثوا كثيراً بتحولات بلد لا يطمحون للبقاء فيه.

احتمالات ترحيل؟! لا شك أن الفروق واضحة بين النموذجين اليوناني والتركي. ومع أنه لا شيء مستبعداً في المدى الطويل، فالأكيد أن أي معالجات لموضوع اللجوء في اليونان لن تخرج عن إجماع أوروبي يقوم على تقاسم الأعباء. وفضلاً عن ذلك، توجد بديهيات أخرى تصعب عمليات الترحيل الجماعي، لأن الحديث يخص بلداً لا يملك حدوداً برية مع سوريا.

كل هذه أسباب قد تؤدي للشعور بالارتياح ولو مؤقتاً، يضاف إليها عامل يعول عليه اللاجىء في اليونان وهو البيئة الاجتماعية "غير المعادية للأجانب" والتي اعتادت وجود المختلفين والملونين. لكن السؤال هنا يتعلق بإن كان التسامح والاعتياد سمة غير قابلة للتغيير أم لا، وإلى متى يمكن أن تصمد في ظل خطوات حكومية مقلقة تسمم الأجواء.

والحال أن إلغاء وزارة الهجرة ونقل مسؤولياتها إلى وزارة حماية المواطن كان خطوةً أولى في مسار بدأه حزب "الديموقراطية الجديدة" الفائز في الانتخابات مؤخراً وأظهر مساعيه لتحويل اللجوء من قضية "تضامن إنساني" إلى قضية "حفاظ على الأمن"، لينطلق سيلٌ من الانتقادات لهذا القرار كونه "يبرر العنف ويشجع العنصرية". وكان أبرز ما جاء في هذا السياق على لسان النائب في البرلمان الأوروبي "ديميتريس فيتاس" الذي حذر من "معاملة المهاجرين واللاجئين كـ"غزاة". 

وضمن مجموعة قرارت "مريبة" في الآونة الأخيرة، تم تسليم إدارة السجون إلى وزارة "حماية المواطن" بدلاً من وزارة العدل، ليصبح اللاجئون إلى جانب السجناء من مسؤولية جهة "قمعية" واحدة.

وفيما تحمل هذه الإجراءت أبعاداً وأهدافاً تنظيمية، فإن الهدف الأعمق لها هو "إشاعة الخوف والتهديد" بحسب رأي الكاتب اليوناني في صحيفة "إيافجي"، كريستوس سيمو، الذي اعتبر أن تحركات حكومية كهذه هي "تحذيرٌ يهمنا جميعاً لأنه ينذر بما هو قادم".

وفي مقال بعنوان "صناعة الأعداء" اعتبر سيمو أن الأمر يتعدى "الكره التقليدي للأجانب" إلى تحويل "الغريب" إلى "عدو" يتم تمييزه وفق معايير اجتماعية أو ثقافية أو دينية أو سواها. وانتقد الكاتب، أشكال التمييز التي تضع احتياجات المهاجر في مواجهة مكاسب المواطن، كالتعميم الذي صدر حديثاً عن وزارة العمل، وقضى بحرمان اللاجئين والمهاجرين من الخدمات الصحية المجانية والرعاية الاجتماعية التي كانت متوفرة لهم في السنوات الماضية وفق نظام الضمان المعروف باسم "Amka".

ومنذ تسلمها مهامها قبل أقل من شهر، لم تتأخر حكومة رئيس الوزراء الجديد كرياكوس ميتسوتاكيس في الإفصاح عن خطتها لإدارة البلاد، عبر التصريحات أو التسريبات، والتي تركز على أولوية إرضاء اليونانيين، وتتميز، بالإضافة إلى رؤيتها الاقتصادية، بطابعها الأمني، حيث تتمحور حول عدم التسامح مع الجريمة، والتعامل الصارم مع الهجرة غير الشرعية.

ولتنفيذ ذلك سيتم تعزيز دور الشرطة في الحياة العامة عبر تجنيد مزيد من العناصر والضباط، وإعادة تفعيل "مجموعة دلتا" وهي وحدة من الشرطة اليونانية تأسست العام 2009 بهدف التعامل مع "الحالات الخطيرة". عرفت بتدخلها السريع، وتم حلها العام 2015 بسبب لجوئها للعنف والقمع الوحشي.


وفي ما يخص الهجرة غير الشرعية، ستشمل التدابير تشديد مراقبة الحدود عبر تكثيف الدوريات البرية والبحرية باستخدام أحدث الوسائل التقنية. كما تعتزم حكومة "الديموقراطية الجديدة" تفعيل نظام "الاستقبال والاستضافة المؤقتة" لاستكمال عملية طلب اللجوء والبت بها في غضون أسابيع.

نظرياً قد تثير بعض هذه التدابير تفاؤلاً لدى طالب لجوء بات يعاني من طول فترة الانتظار والتي تمتد لسنوات أحياناً بهدف الحصول على الإقامة. غير أن ملامح الخطة الحكومية اليونانية تشي بالأسوأ، إذ أنها تستعير مفردات وزير الداخلية الإيطالي اليميني الشعبوي، ماتيو سالفيني، وتعاطيه الحاسم مع ملف الهجرة واللجوء. وبالتالي، فمن المنتظر أن نشهد المزيد من تقليص مراكز الأيواء المعتادة، كالمخيمات المفتوحة والمدارس، لصالح إنشاء مراكز مغلقة.

ليس هذا وحسب، بل إن ضغط الفترة المطلوبة لمعالجة طلبات اللجوء "يهدد بشكل خطير مصداقية العملية وحقوق اللاجئين" كما يقول الكاتب ديميتريس أنغيليديس الذي وصف السياسة الأمنية لحكومة بلاده الحالية بأنها "مصدر قلق، وخطوة إلى الوراء". وتساءل في مقال له: "هل يريدون إخبارنا أن المهاجرين واللاجئين يشكلون تهديداً؟"

ربما لا توفر التصريحات الرسمية إجابة قطعية لسؤال استنكاري كهذا. لكن ما قد يجيب جزئياً ويمهد لمرحلة مقبلة، هو مقطع فيديو انتشر في الأيام القليلة الماضية، ووثق عملية إعادة قارب يحمل مهاجرين إلى تركيا. وهي، وإن لم تكن المرة الأولى، فإن الفيديو يظهر قيام خفر السواحل اليوناني، بالتعاون مع نظيره التركي، بأخطر المناورات لإجبار قارب، يسهل إغراقه، على العودة، فيما تتعالى صرخات الرجاء من المهاجرين مرددةً عبارة: "No تركيا No.....please".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها