آخر تحديث:12:22(بيروت)
الجمعة 26/07/2019
share

"البوط العسكري" فوق خان شيخون.. صورة الهزيمة العسكرية

وليد بركسية | الجمعة 26/07/2019
شارك المقال :
"البوط العسكري" فوق خان شيخون.. صورة الهزيمة العسكرية

طوال سنوات الحرب السورية، قدم جنود النظام السوري والناشطون التابعون له عشرات الصور التي يتباهى أصحابها بقتل المدنيين العُزّل، كإلتقاط مراسلين حربيين صوراً بين الجثث أو التقاط صور سيلفي في الطائرات التي تلقي البراميل المتفجرة على المدن والقرى. لكن الصورة الأخيرة التي انتشرت، وتظهر جندياً داخل طائرة مروحية فوق مدينة خان شيخون بريف إدلب، تحمل معنى مختلفاً عن ذلك التباهي الآتي من فائض القوة وحتى عن التهديد المستمر بالإبادة واتباع سياسة الأرض المحروقة.

وفي الصورة التي نشرتها صفحات موالية للنظام مثل "اللاذقية الآن" و"مراسلون سوريون"، يظهر الجندي جالساً على حافة طائرة مروحية وموجهاً قدميه إلى الأسفل حيث تظهر الأحياء السكنية لمدينة خان شيخون جنوب إدلب. وأشارت التعليقات وإعادة نشر الصورة إلى الرمزية التي تحملها، وهي أن "خان شيخون تحت البوط العسكري"، بينما أكدت صفحات معارضة أن الصورة التقطت فعلاً فوق خان شيخون بمقارنتها بصور للمدينة عبر الأقمار الصناعية.



والحال أن حملة القصف التي قام بها النظام السوري المدعوم من الكرملين منذ نيسان/أبريل الماضي في إدلب وأجزاء من محافظة حماة المجاورة خلفت مئات القتلى وشردت عشرات الآلاف من المدنيين، لم يربح النظام السوري سوى القليل من الناحية الاستراتيجية. وبات هذا النوع من الدعاية الموجهة للبيئة الموالية للنظام مطلوباً، للتغطية على طول أمد المعركة التي وعد مسؤولو النظام وإعلاميوه قبل أشهر بأنها ستكون "خاطفة".

ومازالت البيئة الحاضنة للنظام تعبر عن امتعاضها من مسائل مثل طول أمد الخدمة العسكرية وسوء الخدمات الأساسية وأزمات المحروقات المستمرة. وتصبح مثل هذه الصور مثل الأبر المخدرة التي تستخدم "الرموز الوطنية" مهما كانت تلك الرموز وضيعة كـ"البوط العسكري" الذي تصاعدت درجة "تقديسه" لدى الموالين للنظام تدريجياً منذ انطلاقة الربيع العربي.

معركة إدلب تظهر الضعف النسبي للنظام السوري من دون حلفائه، ويعود ذلك الى حقيقة أن إيران لم تلزم وكلاءها بالمعركة البرية في إدلب، كما كان الحال في معارك سابقة انتصر فيها النظام خلال الأعوام الماضية. ويذكر ذلك بحقيقة أن نظام الأسد بشكله الحالي بات مجرد قوة وكيلة للحلفاء في طهران وموسكو، خصوصاً أنه يفتقر للقدرات البشرية بعد إفراغ البلاد من سكانها والخسائر البشرية الكثيرة التي لحقت بجيشه منذ العام 2011.

في ضوء ذلك، تقول دعاية النظام الموازية لصورة الجندي فوق خان شيخون، أن النظام قادر على إعادة سيطرته على البلاد بالقوة العسكرية، بطريقة أقسى مما كان عليه الحال قبل الثورة السورية. وفيما يبدو ذلك وكأنه حقيقة في مناطق كالعاصمة دمشق والساحل السوري، إلا أنه يبقى ادعاء مبالغاً فيه وسابقاً لأوانه، حيث تنتشر حالة من عدم الاستقرار والنقمة الشعبية في أماكن أخرى يسيطر عليها النظام كدرعا والسويداء، بالإضافة الى وجود مناطق خارجة عن سيطرته بالإضافة إلى إدلب، مناطق سيطرة قوات سوريا الديموقراطية في شمال شرقي البلاد

وخلال الشهر الجاري، كرر خبراء غربيون في وسائل إعلام مثل "فورين بوليسي" و"واشنطن بوست" الحديث عن أن "عجز جيش النظام السوري حتى الآن عن إحراز تقدم كبير في إدلب لا يعني أنه لا يمكن أن يحقق النصر في نهاية المطاف على الصعيد الوطني لكنه يوضح أن انتصاره العسكري يتوقف على السياسة بشكل أكبر"، في ترويج لفكرة الحل السياسي التي ليست موجودة أصلاً في قاموس النظام.

ومع الإيمان بأن الحل هو سياسي، قد يصبح تراكم هذه النوعية من الصور الدعائية مطلوباً من أجل المستقبل، وكأنه الخطة البديلة التي ستقوم على تسويق ذلك الحل السياسي لقاعدة النظام المتضائلة في الداخل على أنه "انتصار لسياسة القيادة الحكيمة والتي لم تكن لتتم لولا تضحيات الجيش". وهي مرحلة مستبعدة نظراً لعقلية النظام نفسه ومراهنته على الحل العكسري منذ انطلاقة الثورة في البلاد، وعدم وجود ضغوط كافية على حلفائه، روسيا تحديداً، لدفعه نحو هذا المسار، خصوصاً أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أبعد نفسه عن لعبة النهاية الخاصة بسوريا وانشغل بتجاذبات الأزمة الحالية مع إيران، كمحدد لسياسته في الشرق الأوسط.

وحتى ذلك الوقت ستتكرر دعاية النظام السوري عبر ضخ صور ومنشورات تروج للحل العسكري وتعلي من شأن "البوط العسكري"، دبلوماسياً وإعلامياً، وستبقى سوريا، أو ما تبقى منها، "دولة" تعيش أزمة سياسية خانقة وحالة من الصراع المجمد الذي لم ينتصر فيه أحد بل يتشارك فيه الناجون الخراب والفوضى.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها