آخر تحديث:15:46(بيروت)
السبت 20/07/2019
share

"مهاجرون وأنصار": هل كانت حفلة تكاذُب؟

عدنان نعوف | السبت 20/07/2019
شارك المقال :
"مهاجرون وأنصار": هل كانت حفلة تكاذُب؟ طفل سوري لاجئ في ميتم بمدينة هاتاي التركية (غيتي)
هل تغيّرت نظرة الأتراك لخِطاب "العدالة والتنمية" حول "إخوتهم" اللاجئين، أم أنهم لم يقتنعوا به أصلاً، وكانوا مستعديّن لمجاملة حكومتهم طالما أن هناك رخاءً اقتصادياً نسبيّاً؟

كل الاحتمالات واردة في سبيل فَهم ما يجري للسوريين في تركيا، وعدم الاكتفاء بالتفسيرات المعلّبة (صعود المعارضة أو قيام جِهات مُندسّة بتأجيج التوترات).

ذلك أن الاحتفاء بالخطوات الجديدة بحقّ اللاجئين، وانتقاد شعارات "الأخوّة" يعطي انطباعاً بأن ما كان يحدث سابقاً هو حفلة تكاذب من الطرفين (الضيف والمُضيف) مدفوعة بمناخ إنساني عالمي، وأن العنصرية كانت نائمة تحت رماد الوعود الحكومية! 

هكذا ومن دون مقدمات، راح يتفكّك خِطاب عاطفي (ديني-عثماني) كان يُستخدم كصمّام أمان للعلاقة بين اللاجىء و"صاحب الدار"، لتغدو الشّعارات المعلّقة كأيقونات مَوضع تدقيق وسؤال، وفي بعض الأحيان قابلة للتمزيق بعدما فقدت بريقها!

ويبرُز شعار "مهاجرون وأنصار" كأحد أهم الكليشيهات التي وضِعت تحت مِشرَحة النقد بعدما كان عنواناً راهَن عليه السياسيّون الأتراك لبناء علاقة -بالحد الأدنى- مع اللاجئين، ولمساعدة المجتمع المُضِيف على استتساغة طعم "الاستضافة".

وبغض النظر عن مدى قناعة الشعب التركي باستحضار التاريخ الإسلامي هنا، فإن الأكيد أن تشبيه الحالة السورية بالهجرة النبوية، كان لفترة من الزمن، فوق النقاش، ليصبح لاحقاً منطلقاً لمهاجمة السياسة الحكومية في ملف اللجوء.

تعليقات لا جديد فيها لجهة المقارنة بين أحوال بعض السوريين "المرفّهين" وظروف الجنود الأتراك، والامتعاض من ممارسة اللاجئين لحياة طبيعية وقضائهم "وقتاً ممتعاً"! لكن الجديد هو التصويب على شِعار وجداني لأنه حمَى اللاجىء من الترحيل.

هذه النبرة المتصاعدة لا تقتصر على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ أنّ أصواتاً أكثر "تخصصاً" أخذت تدلي بدلوها، وتفنّد منطق الحكومة "القديم" في التعاطي مع اللاجئين.
ومن بين هذه الأصوات، هناك من لم يَنسِف نهائياً صيغة "المهاجرين والأنصار"، كما هو حال الكاتب أحمد سارغين، الذي أكد أن بلاده "أمّة مضيافة تتعامل مع اللاجىء وفق ما يمليه عليها ضميرها"، لكنه رأى في الوقت ذاته أن المكان الأنسب لإقامة المعارضين السوريين هي "المنطقة الحدودية الآمنة" في الشمال السوري.

ودعا سارغين إلى أخذ هواجس الشعب التركي و"ردود أفعاله المشروعة" في الاعتبار، وهي دعوة سلبيّة مبطّنة، إذا اعتبرنا أن ما جرى من هجمات على أملاك سوريّة (حدثت أو ستحدث) مُبرّرة بالحساسيات المتزايدة لا بشيءٍ آخر!

ومن دون أن يبتعد كثيراً من فكرة "الموقف الشعبي" التركي وتمايزه عن "الموقف الرسمي"، يرى كاتب آخر أن تشبيه اللجوء السوري بهجرة الرسول والصحابة هو "تفسير رومانسي" غير واقعي لأنه يفتقد إلى عنصر أساسي ألا وهو "الرضا والتطوّع".

ويوضح الكاتب إسرافيل بالجه أن الأنصار تاريخياً "أظهروا أعلى درجات التضحية حين تقاسموا ممتلكاتهم في المدينة المنورة مع المهاجرين"، لذلك لا تصحّ المقارنة مع ما يجري حالياً كون الوجود السوري في تركيا يعتمد على قرار الدولة وحسابات ميزانيتها العامة وليس على رغبة المواطنين الأتراك واندفاعهم للمساعدة.

وبينما لا تخرج هكذا تحليلات عن دائرة النقد المتوقّع، فإن الأمور تأخذ منحى مختلفاً مع ظهور مفردات لم تكن مألوفة في الخطاب التركي حيال السوريين.

وفي الآونة الأخيرة كان لافتاً التهويل باستخدام مصطلح "التغيير الديموغرافي" بما له من أبعاده وتأثيرات في وعي أي مجتمع، كونه الفزّاعة التي تستطيع إيقاظ مخاوف من نوع آخر.

وفي هذا السياق انتقد موقع "دنيا بولتيني" الالكتروني الغرَق في الشعارات من قبيل "مهاجرين وأنصار" والذي أدى بالنتيجة إلى زيادة عدد الأجانب في مناطق تركية بطريقة تثير "قلق السكان المحليين". وتحت عنوان "القلق المشروع للضيف والمُضيف" ذكرَ الموقع أن هناك "حاجة إلى حل مشترك من أجل تلبية احتياجات المهاجرين (سوريين وعرباً وسواهم) وأيضاً لكي لا يُفرَض التسامح على السكان الأصليين".

وبما أن المسألة وصلت إلى "الحرص على العنصر التركي" في مقابل "الغرباء"، فإن النقاش لم يَعُد ينحصر في اللجوء السوري، إذ لم يجد الكاتب صبري غولتيكين، مشكلة في الحديث عن مخاوف تخصّ "التركيبة السكانية التي تتعرض لخطر التغيير في تركيا وخصوصاً في اسطنبول؛ تلك المدينة التي اختار مهاجرون كثُر من دول عديدة الإقامة فيها، حتى أنها باتت واقعة تحت حصارهم!" بحسب تعبيره.

وكما الآخرين، رَكّز الكاتب على الفروق الثقافية والاجتماعية في العادات ومظاهر الحياة اليومية، أكثر من تمحيصه في الأرقام ذات الدلالة سكانياً، ليخلُصَ إلى التخوّف من "شعور أتراك اسطنبول بالغربة في بلدهم".

وفي مقابل لغة متوازنة، عادةً ما تطبع الأقلام الصحافيّة، أياً كانت المبالغات، فإن لغة التشفي لم تغِب أيضاً. ولعل أوضح مثال هو احتفاء الكاتبة التركية، سيمره سلاتارأوغلو، في مقال لها، بالتضييق على اللاجئين السوريين عبر سلسلة إجراءات، بينها الترحيل. وعلّقت الكاتبة بالقول: "انتهت الاستضافة، والصوت ارتفع من أنقرة. إنها نهاية الحياة الحرة للسوريين. لدينا خطوات بهذا الصدد".

وذهبت الكاتبة أبعد ما يكون في اللعب على فكرة التوطين بأسلوب انفعالي، قائلةً :"لسنوات فتحنا أبوابنا، لكنهم (السوريون) يتكاثرون بسرعة. خلال 10 أو 15 سنة سنكون أقليّة".

وكنتيجة، يمكن القول أنّ تداول فرضيات "مستقبلية" كهذه يجعل من الصعب توقّع سقف الخطوات المتّخذة تجاه السوريين بهدف تبريد نار الرأي العام و"المزاج" التركي الذي اتضحت قابليته للاشتعال سواء بسبب "نراجيل" اللاجئين وسياحتهم، أو بفعل تهاوي قيمة الليرة التركية. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها