آخر تحديث:17:41(بيروت)
الثلاثاء 02/07/2019
share

أديان كسّارة البندق

عدنان نعوف | الثلاثاء 02/07/2019
شارك المقال :
أديان كسّارة البندق شهود يهوه (غيتي)
عَرَّفَ عن نفسه بأنه يُدعى "خريستوس"، ثم استدرك بأنَّ لإسمهِ باليونانية معنىً عاديّاً (مفيد، نافع)، وليس كما يَشِي به للوهلة الأولى (يسوع المسيح)! 

أناقة ولباقة كانتا واضحتين لديه، لكنهما لم تخفيا إهماله لتفاصيل متعلقة بالنظافة الشخصية، ما جعلني أتراجع خطوتين للوراء، كـ"مسافة أمان".

لدى خروجي من منزلي كان قد استوقفني هذا الشخص مُستخدِماً عبارات مقتضبة ومبعثرة: "أنا جاركم في الحيّ.. نحن نعمل كمجموعة.. مع عرب مثلك.. يُسعدنا أن تزورنا لنتحدث أكثر وتتعرّف إلى أنشطتنا". 

لم يُضِيّع "خريستوس" الوقت في الترويج لرسالته بمصطلحات غائمة كـ"البحث عن السعادة، معرفة الله.."، فابتساماتي الصفراء وحركة رأسي بالموافَقة سلفاً أظهرتْ أني غير متحمّس.
تبادلنا حفظ أرقام هواتفنا، بعدما حصلتُ منه على بروشور، ثم سجّل اسمي في دفتره، وكنّاهُ بـ"سوريا" Adnan Syria، وانصرف مُغتبطاً لا أدري لماذا! 

إنهم "شهود يهوه" - بحسب البروشور - الطائفة التي تَنسِب نفسها إلى المسيحية مع أنّ بقيّة الطوائف تتبرّأ منها، بل إن أتباع مختلف الأديان يميلون لاعتبارها أقرب لليهودية، ويتهمونها بأنها تعمل في خدمة الصهيونية العالمية والماسونية، نازعين عنها الطابع الديني لصالح الغايات السياسيّة "المؤامراتية".
 
"جزء عَمَّ" 
قبل أكثر من عشرين عاماً كُنتُ هدفاً لتجربةٍ دَعَويّة أيضاً. وبدلاً من البروشور التعريفي حَصلتُ مع أطفال الحيّ على نُسَخ من "جزء عَمّ" (الجزء الثلاثون في القرآن) ومعها كُتيّبات لتعليم الصلاة وقصص دينية.  

كأحدِ أبناء المناطق المختلطة طائفياً في سوريا، لم يَصِلنا مِن زلزال "الصحوة الإسلامية" الذي ضرب البلدان العربية آنذاك سوى مظاهر محدودة قياساً بغيرنا. 

في تلك الفترة تمدّدت ظاهرة الحجاب لسبب "ديني" بين نساء كُنّ يرتدينه كزيّ اختياري، فيما ضُخّتْ دماءُ جديدة في مسجد حارتنا، وتحوّل إلى خلية نحل تضمّ مكتبة غنية، وكادراً تدريسياً مؤلّفاً من أبناء الحيّ.

شُبّانٌ اعتدنا أن نراهم جيراناً فحسب، فأصبحوا يلقّنوننا أصول الدين، وبات لزاماً علينا ألا نخاطبهم بأسمائهم المجردة، بل باستخدام كلمة "أخ"! أحد هؤلاء الأساتذة وربما أميزهم وأقربهم إلى قلوبنا، كان "الأخ وليد". ذلك الشاب الذي اعتاد أن يعطينا دروساً أسبوعية في المسجد كان بَشوشاً ولطيفاً بطريقة تُشجّع على الحضور. 

لكن لم يكن هذا هو الدافع الوحيد لقدوم أعداد كبيرة من الأطفال وأنا بينهم. لقد كانت "راحة" (الحلقوم) والتمر و"الملبّس" هدفاً نتحدّث عنه بلهفة قبل كل درس، متسائلين: "هل سيوزعون لنا اليوم شيئاً؟ أم سننتظر عيد المولد النبوي؟".
  
سدّ احتياجات
"في أثينا لن يمانع لاجىءٌ أن تُحدّثه عن إلهٍ لم يسمع به، إذا كان ذلك سيوفر له فرصة الجلوس تحت مكيّف أو قرب مدفأة، أو حضور حفلة، بما يؤدي لتليين دماغه وتهيئه لاستقبال الأفكار المطلوبة".

يَستندُ "شهود يهوه" إلى هذه الفرضية للقيام بنشاطهم التبشيري هنا، على أن تتسع دائرة ونوعية مغرياتهم بحسب الحالة. ويشمل ذلك كل ما يشكل حُلُماً بالنسبة للاجىء في جميع المجالات. فإذا كُنتَ، على سبيل المثال، تقيمُ في أحد البيوت، فقد تُفاجأ بزيارتهم لك وسؤالهم عن ظروف سكنك، عارِضِينَ عليك المساعدة لاستكمال ما ينقصك من خدمات، وتوفير "امتيازات" لك ولعائلتك في حال سارت الأمور كما يريدون.

هذا "النشاط الخارجي" القوي، والعمل المنظّم على الأرض وفي مواقع الإنترنت، هو ما يميّز "شهود يهوه" عن غيرهم. فبالإضافة لزيارة المنازل، فإنهم يُرسلون مجموعات "ترويجية" تتحرّك متسلّحة ببروشورات وكُتيّبات، وتتمركز بشكل أساسي قرب أماكن تشهد تجمعات للاجئين في العاصمة أثينا.

ومع أن التبشير لا يُمارس بالوتيرة ذاتها من قبل بقية الطوائف المسيحية في اليونان (روم أرثوذكس، كاثوليك، بروتستانت) فإنه لا يغيب عن نشاطاتها في أي حال، ولو من خلال جِهات خيريّة تستقطب اللاجئين عبر تقديم مساعدات معينة، وتسهّل انخراطهم في العبادات والقداديس تمهيداً لتنصيرهم.

أطفال ولاجئون ومرضى
تبدو الهوّة واسعة بين "التبشير" المسيحي و"الصحوة" الإسلامية عند مقارنة الدوافع وظروف النشأة والمضامين. ورغم ذلك، فالمبدأ واحد للظاهرتين ولكل الممارسات المشابهة، ألا وهو "مسطرة العقيدة" التي يعمل بموجبها صاحب "الدعوة" لتحويل الناس إلى ديانة ما، أو للتصحيح وإزالة "البدع والانحرافات". 

ولتبرير كل ذلك فلا بد من رؤية أصحاب العقائد الأخرى كأشخاص تائهين وغير مكتملي الأهلية، ومن ثمّ التركيز على "هِداية" الأكثر هشاشة كالأطفال، واللاجئين والمرضى مِمّن تُلامسُ المساعدة قلوبهم فيأتي إحساسهم بالامتنان مناسبة لإعلان إيمانهم. وهو ما كان يحصل قبل نحو قرن من اليوم، حين أنشأت الإرساليات المسيحية الغربية في المشرق العربي، إلى جانب المدارس، مراكزَ طبية، ومن بينها مستعمرة علاج مرضى "الجُذام" التي بناها مبشّرون أميركيون في العراق حينذاك، واحتضنوا فيها أولئك الذين فقدوا الأمل بالشفاء وباتوا منبوذين اجتماعياً.

هاربون
في الطريق إلى إحلال عقيدة قطعيّة عند أتباع جُدُد، فإن صُّوَر التديُّن العفوي ستُصاب بالعَطَب! ذلك ما حصل لأشخاص عايشوا مظاهر الصحوة الإسلامية، ومَساعي القولبة النهائية، فكانت النتيجة نفوراً وهرباً إلى فضاء الشك الأبدي. 

واليوم وفي مواسم الهجرة نحو الشمال، يُواجِه هاربون من قفصٍ يَعلوهُ هِلال، مُحاولةً لوضعهم في آخر يَعلوه صليب، فيبتعدون أكثر، متجاهلين لُطف ولباقة الدُعاة. كيف لا وقد خَبِروا أثر الأدلجة حين تستعمل الدِّين وتخلّف تشوهات دائمة كتلك التي أصابت "كسّارة البندق" عندما استعملوها لتكسير ما يفوق قدرتها، فلم تعُد لائقة حتى لتزيين البيت، كما تقول الرواية الشهيرة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها