آخر تحديث:15:47(بيروت)
الإثنين 15/07/2019
share

"مع بندق" السوري: "الميمز" تعيد تعريف الكوميديا

وليد بركسية | الإثنين 15/07/2019
شارك المقال :
"مع بندق" السوري: "الميمز" تعيد تعريف الكوميديا
طوال خمس سنوات، كانت منصة "سيريان سلبينا" واحدة من أكثر المشاريع الفنية التي ظهرت بعد الثورة السورية، ثباتاً واستقراراً. ليس فقط من ناحية الاستمرارية في تقديم أفكار جديدة في وقت تنكمش فيه مساحة الإنتاجات السورية، الإعلامية تحديداً، لأسباب مختلفة، بل أيضاً من ناحية الحفاظ على مستوى معين من الجودة، حتى في أكثر مشاريعها بساطة، مثل سلسلة "مع بندق" التي انطلقت أواخر حزيران/يونيو الماضي في "يوتيوب".


وفي حوالي خمس دقائق فقط، يحاول الشاب السوري، براء إنذار (25 عاماً)، أحد أعضاء "سيريان سلبينا"، تقديم إجابات عن الاسئلة البسيطة والمحيرة في وقت واحد بطريقة ترفيهية خفيفة عبر محتوى خال من التجريح وإمكانيات محدودة. وقد تختلف تلك الأسئلة بين اكتشاف وتفسير اللهجة الحلبية، أو الأسباب التي تدفع الأفراد لتشجيع فريق معين في كرة القدم دون بقية فرق العالم، علماً أن كل المواضيع قابلة للطرح في البرنامج، شرط أن تنحصر في إطار الإجابة عن الاسئلة "المحيرة" بطابع عفوي محبب مهما كان المجال، رياضياً أو ثقافياً أو أدبياً وغير ذلك.

اللافت أن إنذار، الذي قدم في السابق مشاريع عديدة من بينها أغنية "راب" عن المعتقلين في سجون النظام السوري العام 2016 بعنوان "إيقاع الموت"، لا يظهر أمام الكاميرا، بل يختفي خلف شخصية "بندق" الكارتونية، والتي يتم خلقها عبر الكومبيوتر، ولا يعود ذلك للخوف مثلاً كما هو الحال في حالات مشابهة عندما يضطر الفنانون والنقاد لإخفاء هويتهم خوفاً من أخطار أمنية أو ما شابه ذلك، بل هو التزام بالنوع الفني القائم على "الأنيمشين إنفوجرافيك مع شخصية مخاطبة للمتابع".


يقوا إنذار في حديث مع "المدن": "في الحقيقة فكرة البرنامج القائمة على هذا الأسلوب، هي فكرة منتشرة منذ وقت طويل أساساً. وشخصياً أحب هذا النمط الفني بالتحديد للإجابة عن الأسئلة ذات الصفة المزدوجة بين أنها غير معقدة ومحيرة في الوقت نفسه. هذا الأسلوب أيضاً يتوافق مع شخصيتي لأنني عموماً لا أفضل أن أتواجد أمام الكاميرا. كما يمكنني إضافة النكات عبر الرسم، وهو ما لا يمكن تحقيقه إن كان المشروع قائماً عل التصوير بكاميرا".

ويوضح إنذار أن فترة التحضير للمشروع لم تكن طويلة، حيث قرر إطلاق البرنامج قبل الحلقة الأولى بثلاثة أسابيع. ويتم إنتاج المشروع بالكامل في بيته بأدوات بسيطة، "حيث أرسم عن طريق الماوس وأسجل الصوت عبر هاتفي المحمول، أما عملية المونتاج فتتم عبر حاسوبي الشخصي بمساعدة صديقي عمر غراب للهندسة الصوتية. على أمل أن تتطور هذه الأدوات في المستقبل من أجل رفع جودة المحتوى"، وأضاف إنذار أنه يعمل على كل التفاصيل الخاصة بالمشروع بمفرده، من البحث والكتابة والرسم والمونتاج والتسجيل، و"أعتبر عدداً من أصدقائي المقربين أعضاء فاعلين في المشروع، حيث أعرض عليهم مقاطع الفيديو قبل نشرها، لأخذ وجهة نظرهم وإضافة أي تعديلات قد يرونها ضرورية".

والحال أن النمط الذي يقوم عليه البرنامج منتشر منذ وقت طويل في "يوتيوب" وتكرس في برامج وسلاسل أجنبية متعددة، لكن وجوده في المنطقة العربية يبقى محدوداً رغم تجارب عربية مشابهة خلال العامين الأخيرين، وهو ما دفع بعض المعلقين لمقارنة التجربة الجديدة ببرنامج "حسين عبدالله"، ولا تعني المقارنة وجود سرقة فكرية ولا حتى اقتباساً للأفكار، بل مجرد تشابه في الأدوات المستخدمة لا أكثر، ولعل أهمية التجربة الجديدة هنا، لا تنحصر بأنها جزء من استخدام السوشيال ميديا للتعليق عن التجربة السورية، بل أيضاً للتعبير عن الهوية السورية بعيداً عن فكرة الحرب.

وفي العموم مازال الفن عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة والتدوين، غير سائدين في المنطقة العربية مقارنة بالغرب، لكن ثقافة "الميمز" عبر السوشال ميديا تبقى سائدة كتيار عالمي تفرضه التكنولوجيا، ولا تساهم فقط في تصنيع الكوميديا بل أيضاً في تحديد ماهية الفكاهة بحد ذاتها. ورغم أن إنذار لا يعتبر ما يقدمه كوميديا خالصة، بل "محتوى ترفيهي شامل يتضمن الكوميديا التي باتت في تطور سريع هذه الأيام"، إلا أنه يدرك أن صانع المحتوى المعاصر "يجب أن يكون في سباق مع تطور الكوميديا عبر السوشيال ميديا وإلا فإنه سيتلاشى تدريجياً وسينساه الجمهور بالنتيجة".

ويوضح إنذار هنا أن الكوميديا عبر السوشال ميديا تعتمد حالياً على أسلوب "كلام أقل .. ضحك أكثر". وبالتالي "من الطبيعي بالنسبة لي كشخص ينتج محتوى موجهاً لفئة الشباب أن تكون النكات التي أضمنها في مقاطع الفيديو التي أقدمها، معاصرة وتواكب التريند وشبيهة بالميمز. وهذه كلها شروط ضرورية كي أبقى قريباً من الجمهور".

في ضوء ذلك، تبدو السخرية والمعلومات الجانبية التي تقدمها السلسلة، شديدة السلاسة والبساطة من دون ابتذال أو مبالغات. ويفسر إنذار ذلك بأنه عندما يكتب نَص الحلقة، لا يكتب سوى القسم الجاد، والذي يتضمن الشرح والمعلومات، "أما السخرية والكوميديا فهي عفويةً دائماً، وتأتيني افكارها بشكل غير مقصود. سواء أثناء المونتاج أو التسجيل أو الرسم. وهذا انعكاس لشخصيتي في الواقع عندما أكون بين أصدقائي مثلاً، أسلوبي في الحديث يميل للسخرية والضحك، أكثر من ميله للجدية".

ولا تعني هذه البساطة أن الجهد المبذول خلف الكواليس ضئيل، بل عل العكس. إذ يقتضي الاعتناء بأدق التفاصيل خلال المونتاج والرسم، خصوصاً مع الإمكانات المحدودة، تخصيص وقت طويل للحلقات. علماً أن كل دقيقة من الفيديو تحتاج تقريباً إلى 12 ساعة من الرسم والمونتاج "علماً أن إمكاناتي في الرسم عادية جداً وربما يكون الأمر أصعب بالنظر إلى أنني أستخدم الماوس فقط لأداء هذه المهمة".


اللافت في التجربة حتى الآن أنها، على عكس الكثير من المشاريع الشبابية المشابهة التي ظهرت مؤخراً، لا تركز على القضايا السياسية والجدلية في البلاد. لكن إنذار يعتقد أن الأمر لا يستحق الجدل. وأضاف: "باختصار إن كنت أقدم عبر المشروع موضوعات غير سياسية فلا مبرر لإقحام السياسة ضمنها. المشروع عبارة عن فيديوهات ترفيهية، ويمكن اعتباره استراحة قصيرة من الأخبار والسياسة. كما أن سلبينا أنتجت العديد من المشاريع السياسية والساخرة، وتقدم حالياً مشروع دولة سلبينا الذي يحاكي الواقع السياسي السوري، وبالتالي فإن التنوع مطلوب ضمن المنظومة ككل، وهذا الفصل يضع كل قضية في مكانها الصحيح، ويجعل المحتوى المقدم في النهاية بعيداً عن العشوائية والتشتت".

إطلاق المشروع الجديد يأتي في وقت يعاني فيه الإعلام السوري البديل، بشقيه المؤسساتي وحتى الفردي القائم على التدوين، خارج سوريا تحديداً، أزمة وجودية، سواء من ناحية انعدام الدوافع الشخصية أو انقطاع التمويل. ويرى إنذار أن هناك محتوى سورياً جيداً، لكنه يحتاج لأن يظهر للعلن بشكل أكبر.

وبحسب إنذار، فإن "السبب وراء تهميش المحتوى الجيد هو أن الجمهور المراهق يسيطر على السوشال ميديا بشكل واضح خلال العامين الأخيرين، وبالتحديد في "يوتيوب"، وبالتالي من الطبيعي جداً أن رؤية قناة ما تنشر يومياً مقطع فيديو لمراهق وهو ينفذ المقالب بأصدقائه أو يخوض بعض التحديات المنتشرة. وتلاقي هذه القناة بهذا المحتوى نجاحاً يترجم بملايين المشتركين والمتفاعلين. وهذا الواقع لا يتعلق فقط بسوريا بل هي ظاهرة عالمية".

ويعبّر إنذار عن سعادته بردود الأفعال التي وصلت على المشروع حتى الآن، ما يعطيه دفعة معنوية للاستمرار في النشر. علماً أن هذه الاستمرارية قد تكون التحدي الأكبر الذي يواجه العمل، بسبب ضغوط الوقت والإمكانات المحدودة "لكني وعدت الناس الذين يحبون هذا العمل بأن أكون عند حسن ظنهم، وأتمنى أن أكون قادراً على الوفاء بذلك لتقديم محتوى ترفيهي ومفيد". ويضيف أن خططه المستقبلية "تتلخص في مواكبة تطور كوميديا السوشال ميديا قدر الإمكان، وتطوير إمكاناتي في الرسم والاهتمام بجودة الفيديو حتى ولو جاء ذلك على حساب الكمية، بمعنى أن أنتج مقطع فيديو واحداً كل أسبوع أو 10 أيام فقط، كي لا أخذل الجمهور الذي يتابع المشروع، بدلاً من إنتاج مقاطع يومية لا تتمتع بالجودة المطلوبة".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها