آخر تحديث:20:07(بيروت)
الأحد 09/06/2019
share

سقوط Black Mirror في "نتفلكس": قصور المخيلة

يارا نحلة | الأحد 09/06/2019
شارك المقال :
سقوط Black Mirror في "نتفلكس": قصور المخيلة تبحث حلقة مايلي سايرس بالتسليع الذي يقع ضحيته الفنانون



"سيء"، "غبي"، و"فارغ" هي بعض الأوصاف التي أطلقها النقاد على الموسم الأخير من سلسلة "Black Mirror" التي تعرض على "نتفلكس"، بعد أن كان هؤلاء النقاد أنفسهم قد أشادوا سابقاً بعبقرية هذه السلسلة الإنثولوجية في تصوير مجتمعنا المعاصر والإحتمالات الخطيرة والسوداوية التي تتربص بمستقبله في ظلّ إستسلامنا التام لسيطرة التكنولوجيا. 

السلسلة التي تنتمي إلى ميدان الخيال العلمي تعاني، في موسمها الأخير، من فقرٍ واضح في الخيال يظهر في سطحية القصص وركاكة النهايات، بما ينمّ عن جهد كتابي وإبداعي ضئيل. كما ويغيب عنها ما إعتدناه في مواسم سابقة من بحث معمّق في الطبيعة البشرية بتقاطعها مع التكنولوجيا. 

وعلى الرغم من إفتراض وقوع أحداث المسلسل في عالم ديستوبي مستقبلي، فإنه يفشل في مهمته المعهودة القاضية بتحذيرنا من عواقب التطور التكنولوجي، إذ يبدو أن العالم الذي يتحدّث عنه هو عالمنا الحالي، دون أي عناصر إستشرافية.

يضمّ الموسم ثلاثة حلقات، جاءت جميعها مخيبة للآمال، بالنسبة لإنتاج درامي تمّ ترشيحه لثلاث وثمانين جائزة، على مرّ خمس سنوات، حصد منها ثلاثاً وثلاثين. فالحلقة الثانية مثلاً، وهي تحت عنوان Smithereens، تتبع قصة مشحونة درامياً لرجلٍ حوّلت التكنولوجيا حياته إلى جحيم. سبب هذا التحوّل التراجيدي لا يعلن عنه سوى في نهاية الحلقة كما عوّدنا شارلي بروكر، مؤلف السلسلة.

لكن بعد ساعةٍ طويلة من المشاهدة، كان من الممكن أن تختزل إلى ثلثها، نكتشف أن الحدث المأساوي الذي مُنِيَ به البطل وجعله حاقداً على العالم والتطور العلمي ولا سيما مواقع التواصل الاجتماعي ليس سوى حادث سير تعرّض له بسبب إستخدامه الهاتف أثناء القيادة. 

والحبكة الملتوية والصادمة التي طبعت حلقات Black Mirror تمّ إستبدالها بنهايات متوقعة ومبتذلة، لتخرج بعبرٍ شبيهة بكليشيه "لا تراسلوا أثناء القيادة!". إنه درس يجري تعميمه منذ إختراع الهواتف "ما-قبل-الذكية"؛ ليس فيه إستشراف للمستقبل بل توصيف لواقع نحياه منذ عقود. بأفكارٍ قديمة جداً، تحاول السلسلة خلق عالم جديد غير منسجم مع ذاته أو العوالم الديستوبية التي سبق أن شاهدناها في هذه السلسلة الريادية.

في المقابل، تطرح الحلقة الأولى فكرة جديدة مرتبطة بالهوية الجنسية. تدور القصة حول لعبة إلكترونية ينغمس فيها اللاعب كلياً إلى حدّ الشعور بالألم الجسدي وحتى اللذة التي تعتري شخصيات اللعبة. تقرّب هذه اللعبة بين رجلين مغايرين جنسياً، تعود صداقتهم إلى سنوات الدراسة الجامعية، يدخلان اللعبة، أحدهما عبر شخصية ذكر والآخر أنثى. تشعر الشخصيتان بإنجذاب جنسي حادّ تجاه بعضهما البعض، وتتحوّل مباراة القتال إلى تجارب جنسية شبقية. 

في هذا النوع من الألعاب الإلكترونية، تلتبس الحدود بين الوجود الجسدي الواقعي والوجود الرقمي الإفتراضي، وتلتبس معها الهوية الإنسانية بأبعادها الاجتماعية والرغبوية. يدفع ذلك بالبطلين إلى إعادة النظر بهويتهما الجندرية، إلا أنهما لا يتمكنا من الوصول إلى أي إستنتاج بشأنها، فتبقى الحلقة مسطحة وخالية من أي بصيرة بشأن الأسئلة الكبيرة التي طرحتها حول الحب، الجندر، والرغبة في زمن الإستلاب الرقمي.

ولعلّ الحلقة الأفظع هي الثالثة والأخيرة التي تؤدي فيها مايلي سايرس دور آشلي أو، مغنية بوب شهيرة تخضع لسيطرة خالتها ومديرة أعمالها التي تصمّم على تحويل المغنية إلى علامة تجارية عالمية حتى من دون مشاركة المغنية نفسها. تعمد الخالة إلى إستنساخ دماغ النجمة الشابة، وإستخراج الموسيقى والأغنيات منه، أي بعبارة أخرى؛ خلق نسخة رقمية من آشلي. 

تبحث هذه الحلقة بالتسليع الذي يقع ضحيته الفنانون لا سيّما في العصر الصوَري للسوشيال ميديا الذي يختزل التجربة الإنسانية والإبداعية إلى صورة "سكسي" يتعطش المعجبون إلى إستهلاكها، بالرغم من عدم صدقيتها. لكن مجدداً، لا تقدّم هذه الحلقة أي جديد للنقاش القائم حول دور السوشيال ميديا في صناعة النجومية وقتل الإبداع والفردية. 

غير أن الجديد الذي تقدمه الحلقة في سياق السلسلة هو النهاية المتفائلة التي تعدّ غريبة على فرضية العمل الذي لطالما مُدِح لأجل سوداويته الواقعية. ولعل تنكيه هذا العمل بعناصر التفاؤل، على طريقة النهايات الهوليوودية التي تلبّي رغبات المشاهدين، كانت نتيجته غير منطقية ومتعارضة مع هوية العمل وكل ما يشكّل فرديته.

تجدر الإشارة إلى أن الموسمين الأول والثاني كانا من إنتاج channel 4 البريطانية، قبل أن يتمّ شراء السلسلة من قبل نتفلكس. وبالرغم من تفوّق الموسمين السابقين بأشواطٍ على الأخير، إلا أن البعض إتجه إلى لوم نتفلكس على تخريب المسلسل راجين "إعادته إلى البريطانيين".

والمقصود بهذه الدعوات أن منصة نتفلكس، بتحوّلها إلى عملاق ثقافي مهيمن شبيه بهوليوود، يهدف أولاً وأخيراً إلى إرضاء المشاهدين على حساب العمق الفلسفي والفكري، أصبحت عاجزة عن تقديم ديستوبيا مقنعة بالرغم من قسوتها. هذا إحتمال، أما الإحتمال الآخر فهو عجز المخيلة عن مواكبة سوداوية الواقع وتجاوزها. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها