آخر تحديث:17:01(بيروت)
الثلاثاء 25/06/2019
share

موالو الأسد VS كارول سماحة: ليست العنصرية.. بل التشبيح

وليد بركسية | الثلاثاء 25/06/2019
شارك المقال :
موالو الأسد VS كارول سماحة: ليست العنصرية.. بل التشبيح
لا يمكن وصف الحملة التي تعرضت لها المغنية اللبنانية كارول سماحة من طرف موالين للنظام السوري، بأنها عنصرية، أو ردّ من سوريين معتزين بوطنيتهم في وجه عنصرية مضادة يتعرض لها سوريون آخرون في لبنان، بل هي تجلٍّ جديد لشعور متضخم بالنصر من طرف الموالين للنظام السوري، الذين باتوا يزايدون على خطاب النظام الدبلوماسي والإعلامي، بعد سنوات من الضخ الرسمي في هذا الإطار.


وشن موالون للنظام السوري هجوماً غاضباً ضد سماحة، معبّرين عن رفضهم استقبالها في دمشق لإحياء حفلة في قلعة دمشق، الشهر المقبل، بعد أيام من حفلة أحيتها المغنية نوال الزغبي، لم تشهد هذا الكمّ من الاستقطاب السياسي، وذلك رغم رفض الزغبي في مؤتمرها الصحافي الإدلاء بأي تصريح، لصالح النظام أو ضده، كما لم تعاني الزغبي من تبعات غنائها أغنية "جنة جنة جنة" التي وإن كانت تصنف كأغنية من التراث العراقي، إلا أنها ارتبطت في ذهن السوريين بالثورة السورية، بعدما غناها المعارض البارز عبد الباسط الساروت الذي فارق الحياة في وقت سابق من الشهر الجاري.

ولا يعود غضب موالي النظام على سماحة إلى جنسيتها اللبنانية، مثلما يقتضي التعريف العنصري هنا، بل يرجع إلى تغريدة قديمة من العام 2016، للصحافي اللبناني ربيع فران، تعاطف فيها مع أطفال حلب، خلال الحملة العسكرية الهمجية للنظام وحلفائه حينها على أحياء المدينة الشرقية، والتي شكلت ربما ذروة العنف الذي مارسه النظام في البلاد. وكان ذنب سماحة أنها أعادت تغريد تلك التغريدة لا أكثر. وشاركت في الحملة الغاضبة أسماء معروفة بتشبيحها مثل الممثل والمخرج عارف الطويل على سبيل المثال.



إثر ذلك، أصدرت سماحة، بياناً توضيحياً عبر صفحاتها في مواقع التواصل الاجتماعي، تبرأت فيه من أي موقف سياسي، وقالت: "أرفض أن ينسب لي أو ينسبني أحد أو يلصق بي موقفاً سياسياً ليس صادراً عني شخصياً، سابقاً أو حتى الآن، طوال مسيرتي الفنية لم أعبّر يوماً عن رأيي السياسي على أي منصة اعلامية حتى لا أوضع في إطار اصطفافات سياسية في زمن انقساماتها، طالما أن مواقفي وأغنياتي تعبّر عن توجهي الفني والإنساني". وتابعت: "يبدو أن هناك من يتولى التحريض ضد حفلتي في دمشق في 13 يوليو ضمن مهرجان فني وثقافي يهدف لإظهار البُعد الحضاري والثقافي لسورية.. وحتى هذا التاريخ أستعد للقاء جمهوري الغالي في سوريا الحبيبة بحماسة شديدة وأنتظر موعد اللقاء بشوق كبير.. مع خالص حبي للشعب السوري".

والحال أن بيان سماحة هذا لا يخلو من مغالطات، إذ شاركت عبر صفحاتها الاجتماعية في السابق، منشورات عديدة، حيّت فيها الزعيم الروسي فلاديمير بوتين، وقالت عنه العام 2015: "قادة مثله، لا نراهم سوى مرة كل 200 عام". وكتبت العام 2013: "بعد منع تسليح الجيش اللبناني والقضاء على الجيش العراقي والسيطرة على تونس وليبيا، لم يبق سوى الجيش السوري والمصري، الخطة واضحة ليتكم تفهمون".

هذه المواقف من سماحة، ليست إنسانية بالتأكيد بل هي مواقف سياسية، وتفتح الباب على التساؤل عن معنى الموقف "الإنساني" بعد الربيع العربي، الذي أظهر بوضوح مدى الانقسام بين المدنيين في عدد من الدول العربية، وأنظمتهم الحاكمة التي ترتكب جرائم ضد الإنسانية. وبالتالي يقتضي الموقف الإنساني الذي يتشدق به فنانون كثر، لتبرير مشاركتهم في أنشطة فنية وثقافية تشرف عليها أجهزة رسمية، مثل الحفلات الفنية في سوريا التي تمولها وزارة الثقافة أو وزارة السياحة في حكومة النظام، أن يقفوا إلى جانب الشعوب التي تعاني من الاضطهاد، وليس العكس كما يحصل اليوم.

بالطبع، لا مشكلة ربما في أن يلاحق الفنانون، سماحة أو غيرها، "رزقهم" بتركيزهم على جانب "البزنس" من نشاطهم الفني، ولن ينزعج أحد من المعجبين إن كان النجوم صريحين في حديثهم عن تلك النقطة، لأنها تبقى مهما كانت براغماتية، أفضل من النفاق الذي يمارس في التصريحات الباهتة حول الإنسانية والخلافات السياسية والأمن والأمان، لأن النفاق في النهاية لا يجلب لصاحبه سوى الاحتقار العام من كافة الأطراف.

هذا الاحتقار الذي عبّر عنه موالو النظام السوري، ضد سماحة، يعود إلى فائض القوة المعنوية التي يشعرون بها في خطاب النظام الإعلامي والدبلوماسي الذي يروج لـ"النصر العسكري"، ويعني ذلك أن موقف النظام المتقبّل للأصوات التي لم تتكلم ضده بسوء طوال سنوات الثورة السورية، ليس موجوداً إزاء الأصوات التي صنعها بنفسه خلال الفترة نفسها، والتي باتت تبالغ في إظهار ولائها لرموز وقامات "الدولة السورية"، في مختلف المجالات، من رفض فناني النظام عودة الفنانين الرماديين والمعارضين لحضن الوطن، ومن بينهم عابد فهد، وصولاً لإظهار موقف متشنج من الفنانين العرب "الرماديين" كسماحة، بحجة وجود أصوات وطنية "وقفت إلى جانب الدولة السورية بشكل مشرف".



هذا الخطاب المتشنج يرتبط بتغير سياسي وأمني، فمن جهة يحاول النظام الانفتاح على الأصوات التي لا تعتبر مسيئة له، لترويج فكرة الحياة الطبيعية التي ترتبط بدورها بمشاريع إعادة الإعمار في مرحلة لاحقة. ومن جهة أخرى، باتت الظروف الأمنية تسمح بتوجه تلك الأصوات إلى سوريا للعمل، لكن الخاسرين في هذه المعادلة هم الأصوات التي دعمت النظام طوال سنوات الحرب في البلاد من الداخل السوري، وتأملت في أن ترتفع مكانتها كمكافأة على ذلك الموقف "الوطني"، وهو ما لم يحصل، لأن غالبية تلك الأسماء، مغمورة، ولا تشكل إضافة للنظام في هذا التوقيت.

ويدل على ذلك، أن الهجمة على سماحة لم تصدر عن نقيب الفنانين زهير رمضان، الصوت الرسمي، مثلما هو المعتاد، إذ كانت نقابة الفنانين هي الجهة التي تولت معركة تصفية الحسابات مع فناني البلاد، والتي تولت أيضاً مهمة تصنيف درجات الولاء والمعارضة لدى الفنانين السوريين والعرب، ولم يكن ذلك موقفاً شخصياً من رمضان، لأنه ناطق رسمي باسم النظام وجزء منه، ولا يستطيع أن يذهب بعيداً في ولائه، مهما كان تشبيحياً، من غير غطاء سياسي له.

موقف النقابة الانفتاحي تجاه سماحة يتجلى في موقفها المنفتح المشابه تجاه نجمة عربية أخرى هي الممثلة والمغنية سيرين عبد النور. ففي العام 2017 تم منعها من دخول سوريا، مؤقتاً، من طرف رمضان نفسه، رغم أن الزيارة حينها كانت بقصد تصوير مسلسل "قناديل العشاق"، لكن النقابة ترحب اليوم بعبد النور التي تستعد لإحياء حفلة في مدينة اللاذقية الساحلية قريباً، من دون أن تعتذر عن زيارتها للاجئين السوريين في الأردن، وهو الشرط الذي وضعه رمضان أمام مسامحة عبد النور، وغيرها، على "غلطهم بحق سوريا".

وسط ذلك، لا يمكن الاكتفاء بتبسيط ما حدث مع سماحة واختصاره في كلمة "العنصرية". فما تشهده سوريا، إعلامياً وفنياً، بموازاة المتغيرات السياسية والأزمات المالية، وضغوط البيئة الموالية للنظام عليه، أكبر من اختصارها في تأويلات ساذجة، خصوصاً إن كانت تلك التأويلات مرتبطة بسردية أوسع، في الإعلام الرسمي والحليف، تسعى لتلميع سياسة النظام الانفتاحية على محيطه الأوسع، لا أكثر.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها