آخر تحديث:09:50(بيروت)
الأحد 02/06/2019
share

قلب محروق.. لا أحمر فقط

أورنيلا عنتر | الأحد 02/06/2019
شارك المقال :
قلب محروق.. لا أحمر فقط الأرض اللي ما إلك تحت ترابها، ما إلك فوق ترابها
"الموت لا يوجع الموتى، الموت يوجع الأحياء"
- محمود درويش 


عندما توفيت أمّي، شعرت أن الحزن الذي أصابني في قلبي ليس جديدًا ولا مستجدّا. حزن عميق، عتيق. طال وجوده في القلب، مضبوب، ومن حوله الأبواب محكمة الإغلاق. حزن عتيق لدرجة أنّ رائحة عفن تكاد تفوح من صدري لشدّة ما طال مكوثه في القلب. 

حزن عتيق، له جذور وأصول في قلبي. يكفي أن تردّد جدّتي هذا الموّال الذي حفظته عن والدها، حتى تُفتح الأبواب الموصدة ويطوف الحزن على السطح: "رِحْتْ عَالبَحْرْ إطْرَحْ شِباكي، لْقيتْ البحْر شي ضاحِكْ شي باكي، قَلّي يا إمّ نديمْ، بالله، شو باكي، قلتلّو مفارقا أغلى الحْباب". 

حزن ناعم، مبحوح. حزن المواويل والدموع التي تكرج على الخدَّين كحبال رفيعة، فيما الفم مطبوق، قبل أن تهوي على الياقة أو تتبع مسار الجلد فتمر بالعنق وتستقرّ بين عظمتي الكتف. نقطة. نقطتين. حزن بكَيناه على طول الطريق قبل أن نلقاه. حزن بكينا انتظاره. لشدّة خوفنا من لقائه، بكيناه قبل حلوله علينا. القليل بقيَ منه، لأن الكثير منه كان قد مضى. حزن كالماء في جرّة من الفخار يعبرها كسر رفيع طويل، ظلت تتسرّب عبره المياه كالدموع. نقطة. نقطتين. إلى أن وصلت الجرّة عند آخر الطريق فارغة إلا من رطوبة تذكّر برائحة العفن ذاتها. باردة كليل طويل.

*** 

لم تكن لي رغبة في البكاء يومها، أثناء الجنازة. أردت أن أنام. أنام مثل أمي. فالمعزّون كانوا يقولون لها أن "هذه النومة لا تليق بها"، أو أنام في سريرها في البيت قبل أن تبوخ رائحتها التي علقت عليه، أو أنام لأنسى. أنام لشدّة التعب. لكنني بكيت. بكيت فالجميع كان يبكي والنساء كانت تُوَلوِل، وجدّتي تجلس على مقعدها كطفلة صغيرة هادئة الطباع تبكي بصمت وتردّد مواويل تُبكي الصخر. وأنا لم أكن صخرة. لم أعد صخرة لأن أمي لم تعد هنا لتتكئ عليها. كانت هي صخرتي وكنت أنا صخرتها وكنا، نحن الاثنتين، أكثر هشاشة من الغيم. 

لم يكن هذا اليوم الذي توفيت فيه أصعب أيّام حياتي. عرفت بعد ذلك أيّامًا وليالي أصعب بكثير. بكيت فيها أكثر بكثير، كأن الجرّة امتلأت من جديد. كيوم قرّرت أن أرتدي فستانها، فلبسته وبكّلت السّحابة التي تعلو الخصر لجهة الشمال وتنتهي تحت الإبط. أذكر أنني بكّلته بصعوبة لأن مقاس أمّي كان أصغر من مقاسي.

تأمّلت نفسي في المرآة، التففت على نفسي، دورة صغيرة، ابتسمت لانعكاسي في المرآة قبل أن أضع يديّ على خصري للحظات أصل من بعدها إلى خلاصة مفادها أنه لا يناسبني. قررت إذا أن أخلعه وأعيده إلى مكانه في الخزانة. أنزلت السحابة بقوّة ثم تداركت نفسي، وتروّيت، لأنّني لم أكن أريد أن أخرّب فستانها فلا يعود بإمكانها أن ترتديه. عندها فقط، انتبهت أنّه بإمكاني أن أخرّب الفستان، أن أمزّقه، أن أحرقه أو أرميه للكلاب، لأنها في كل الأحوال لم تعد هنا ولن تلبسه مجدّدا. توقف قلبي عن الخفقان. أو هكذا ظننت. كأن عالمي ينهار.

كانت هذه الفكرة كالصاعقة لمعت في رأسي فأدركت للمرّة الأولى أن أمي ماتت. قلت في نفسي: "يا إلهي! أمّي ماتت". لم أفكّر بكلمات مثل "رحلت"، أو "لم تعد هنا"، أو "غادرتنا" أو أي شيء من هذا القبيل. قلت لنفسي أنّ أميّ ماتت. "ماتت"، من "موت". كان من المفترض بعد ذلك أن أنام، فأنا كنت أقيس الفستان لأجهزه قبل النوم كبدلة أرتديها يوم غد. لكنني، وبدلاً من أن أنام، بكيت. 

عندما كنت لا أزال طفلة صغيرة، لم أكن مقتنعة بالكامل بموت والدي الذي توفي عندما كنت أبلغ من العمر سنة وخمسة أشهر فقط. كنت أعتقد في رأسي الصغير أنه ربّما لم يمت، فأنا لم أرَ جثّته هامدة في تابوت ولا نساء تبكينه، ولا حضرت مراسم دفنه.

وكنت أودّ أن أسأل أمي إن كانت هي رأته. هل تأكّدت أنه مات؟ ماذا لو لم يمت؟ ماذا لو لم يكن هو الميت وكان الميت شخصاً آخر؟ كنت أودّ أن أسألها لأتأكّد من الأمر لكني لم أكن أريد لسؤالي هذا أن يذكّرها بموته، وكأنها نسيته أصلا. أو ربما لم أكن أريد أن أسمع الجواب فأضطر حينها للتوقف عن انتظاره وعن التخطيط لأشياء نقوم بها سوية عندما "يرجع من الموت".

كانت هذه العبارة تراودني كثيراً. أن يرجع والدي من الموت كما يرجع والد صديقتي من السفر. وكانت الفكرة تبدو قائمة ومحتملة في رأسي الصغير. 

كنت أواظب وأختي على متابعة المسلسلات المكسيكية المدبلجة للعربية التي تعرضها القنوات اللبنانية، كما كانت تعرض منذ بضع سنوات مسلسلات تركية. وكانت المفاجآت رائجة في هذه المسلسلات، كأن تكتشف العروس أمام المذبح أن عريسها هو في الحقيقة أخيها من أمّها، أو أن يكتشف البطل أنّ والدته لم تلده إنما وجدته في سلّة عند باب مدخل البناية فاعتنت به وكبّرته كما لو كان ابنها في حين أن أمّه الفعلية هي امرأة ثريّة خرجت لتوّها من الحبس وعادت لتبحث عنه، أو كأن تظهر إحدى الشخصيات فجأة بعد أن ظنّها الجميع، أبطالا ومشاهدين، ميتة منذ أكثر من عشرين عامًا. لمَ لا يحدث هذا لوالدي أنا أيضًا فيرجع من الموت ويتفاجأ الجميع ما عداي أنا؟ 

*** 

يقول أمين معلوف أنّه يفضّل التحدّث عن "أصول" بدلاً من التحدث عن "جذور"، لأن الجذور تشدّ الإنسان نحو الأرض وتمنعه من الحركة. هذه كلّها مفارقات لا أساس لها. أعود إلى زغرتا. أوضّب أغراضي في شنط وصناديق وأسلّم صاحب المبنى في بيروت مفتاح شقّتي.

لم يكن يفهم صديق لي كبر وعاش في بيروت، حيث لا تزال تعيش عائلته مجتمعة، ما الذي يشدّني إلى زغرتا. يسألني: "شو في بزغرتا؟ ما في شي" مقارنًا بلدتي ببيروت. لحظة. ماذا يعني هذا السؤال؟ كيف يكون الحب، أي حب، مشروطا؟ هل يُسأل الأهل لماذا يحبّون أولادهم عندما لا يكون هؤلاء أولادًا ذوي جمال لافت، أو ذكاء لامع أو هضامة تشّد القريب والغريب إليهم؟ هل يُسأل الناس عمّا إذا كانوا يحبّون البيت الذي كبروا فيه عندما لا يكون هذا الأخير قصراً بغرف كثيرة ونوافذ كبيرة تطّل على مناظر خلّابة تخطف الأنفاس؟ هكذا أنا. أحب زغرتا لا لشيء سوى لذاتها. 

ظننت بعدما توفيت والدتي أنّني لن أواظب على تمضية كل عطل نهاية الأسبوع في زغرتا أو في إهدن لأنني ظننت أنني كنت أفعل ذلك من أجل أن أراها وأمضي الوقت برفقتها. لكن أبناء جرود العاقورة كانوا على حق. لي صديق من أبناء منطقة العاقورة ينشر صورًا لجرود العاقورة على صفحته في فايسبوك ويرفقها بالعبارة التالية: "الأرض اللي ما إلك تحت ترابها، ما إلك فوق ترابها". أضغط في كل مرّة على القلب الأحمر الذي يظهر تحت الصورة إلى جانب تعابير وجه أخرى كالضحك والزعل والغضب، ريثما يخترع القيّمون في فايسبوك تعبيراً آخر يظهر إلى جانب القلب الأحمر، والوجه الضحوك، والوجه الحزين والآخر الغضبان: قلب محروق. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها