آخر تحديث:16:47(بيروت)
السبت 04/05/2019
share

"صراع العروش" يخدع جمهوره

يارا نحلة | السبت 04/05/2019
شارك المقال :
"صراع العروش" يخدع جمهوره حملت السلسلة تشويقها إلى أبعاد ومستويات جديدة لم تشهدها الصناعة البصرية
بعد إنتظار دام ثمانية مواسم، حفلت بالترقب والتنبؤ حول ليل ويستيروس الأطول والأكثر رعباً، حلّ أخيراً شتاء "صراع العروش"، تخللته مواجهة جيشي الأحياء والأموات، ليصبح المعركة الأطول في تاريخ السينما والتلفزيون. ساعة ونصف الساعة من الخوف والتوتر كرّستها سلسلة HBO الأكثر مشاهدة لحدثها المنتظر منذ الحلقة الأولى، فصنعت ملحمة بصرية مذهلة، كان الصمت سيّدها.

معركة وينترفل: إتقان فنّ التوتّر 
من الناحية الإخراجية، أنصفت سلسلة HBO حدثها المحوري بمعركة سينمائية إستغرق تصويرها 55 يوماً وما يفوق الألف ممثّل، فجعلت من لحظة المواجهة الحاسمة بين الحياة والموت حدثاً رهيباً. ولأن عبث الموت لا يمكن مواجهته إلا بالصمت، إنطلقت "معركة وينترفيل"- على خلاف ما سبقها من إستعراضات عسكرية- على وقع طبولٍ صامتة تنذر ببدء معركة مستحيلة. 

في الحلقة الثالثة من الموسم الأخير، أظهر مخرج الحلقة ميغيل سابوشنيك، براعته في بناء التوتّر ومفاقمته، مستعيناً بعبقرية الموزّع رامي جوادي، الذي عزف بموسيقاه التصويرية على أعصاب المشاهدين ونبضات قلوبهم. 

ومع تقدّم المعركة، حلّت الفوضى محلّ الصمت. فعمّ الظلام على الأرض، وفي سماء التنانين عصفت رياح ثلجية، فأعمت الجميع عن الرؤية. إستمرّ زحف الأموات في القضاء على دفاعات الأحياء، الواحد تلو الآخر، على نحو لا يمكن إصلاحه. 

ووسط الضباب والعواصف، ضاع بطلا القصة جون سنو ودينيريس تارغيريان، على ظهر تنانينهما. لتّتخذ القصة هنا، وكما جرت العادة، منعطفاً فجائياً؛ فإختُتمت الملحمة، على حين غرّة، بطعنة خنجر وحيدة سقطت من يد آريا ستارك، التي ظهرت من حيث لا ندري، على جسد "ملك الليل"، فحوّلته أشلاء جليدية. 

لم تتبع هذه النهاية المباغتة مساراً تدريجياً في تطوّر الحبكة التي إستمرّ نسجها 69 حلقة، فجاء حلّها فجائياً، وقبل بلوغ الذروة. مرّ شتاء وينترفيل على عجل، فشعر كثر من المشاهدين، الذين يبلغ مجموعهم 18 مليون شخص حول العالم وفق HBO، أنهم خدعوا بخاتمة "بايخة" لم تفِ سنوات الإنتظار التسع حقها. 

والحال إن خداع صنّاع المسلسل، لجماهيره، على هذا النحو، هو جوهر "صراع العروش" ونقطة قوته. إذ يبدو أن الصراع الذي بنيت عليه القصة لم يكن في النهاية سوى حدث عرضي، مرّ بين حروب حقيقية، قاتل فيها بنو البشر بعضهم البعض. العدو الحقيقي للإنسان، يقول لنا كتاب السلسلة، هو الإنسان نفسه. إنه أخطر وأكثر وحشية من جيوش الموتى والقوى الخارقة. 

غير أن الخيبة التي منيَ بها الكثير من مشاهدي الحلقة، والتي عكستها السوشال ميديا والمراجعات الصحافية، مردّها أيضاً فشل السلسلة في تقديم معركة منطقية ومقنعة إستراتيجياً، على غرار "معركة اللقيطين" أو "معركة المياه السوداء"، وغيرها من الملاحم القتالية التي تشهد على مهارة صناع المسلسل في التفنّن الحربي والتخطيطي. إلا أن معظم الخيارات التي أتخذت في الحلقة الأخيرة لم يكن لها أي مبرّرات تكتيكية، بل تمّ توظيفها جميعاً في خدمة اللعبة الإخراجية والصورة البصرية المشوقة.

ولعلّ السبب الأساس في تحوّل Game of Thrones إلى تجربة جماعية عالمية، لم يتضاءل زخمها على مرّ السنوات، مردّه التشويق الذي حملته السلسلة إلى أبعاد ومستويات جديدة لم تشهدها الصناعة البصرية من قبل. أما على الصعيد الروائي، فقد برعت السلسلة في فنّ تعدّد القصص وتطور الشخصيات. فهي قد نسجت شبكةً مدهشة ومعقدّة من الأحداث والشخصيات المترابطة، التي ستعمد في حلقاتها المتبقية إلى حلّ العقد بينها، علّها تتضح خلفها الغاية من هذه الحرب اللامتناهية. 

إنقضى الشتاء، فماذا عن الشمال؟
الحرب التي قام من أجلها "صراع العروش" لم تعد غايته، وربّما لم تكن يوماً. يتبين لنا، في نهاية المطاف، أن الشخصيات نفسها، والتطور الذي شهدته على مرّ أعوام من القهر والمصائب، هي الغاية المطلقة لهذا العمل الدرامي. فمشاهدة "صراع العروش" هي أشبه برحلة غوص في بحر من الشخصيات، بأنماطها وطباعها وتجاربها الإنسانية المختلفة. 

ولعلّ أبرز تطوّر في هذه السلسلة كان لشخصية آريا ستارك التي تابعناها منذ الطفولة، طفلة متمرّدة على تقاليد الأنوثة التي تمنعها من ممارسة القتال، إلى حين بلوغها مرتبة المقاتلة الأشرس، قاتلة جيش الأموات. 

في المقابل، رأينا جون سنو يتحوّل من الإبن المنبوذ، إلى حامي الشمال بأكمله من عدوّه الأفظع. وجاء تبلور شخصية سانزا ستارك لافتاً هو الآخر، فالتجارب المريرة التي عاشتها إبنة الستارك الأكثر سذاجة، واحدة تلو الأخرى، أفضت أخيراً إلى حكمة وحنكة مفاجئتين. وهذا ما جعل من مواجهة سانزا مع دينيرس، في الحلقة السابقة، حدثاً ذا دلالة درامية هامة.

فمن جهةٍ، جلست الملكة شاهرةً خطابها الشهير: "أنا وريثة العرش لأنني إبنة أبي". تقابلها "سيّدة الشمال" التي إنتزعت بيديها العاريتين، دون تنانين أو جيوش، موطنها الشمالي من بطش الملوك والحكام. بتحدٍّ لم نألفه سابقاً، سألت سانزا صاحبة الدم الملكي: "ماذا عن الشمال؟"

ماذا عن الشمال؟ هو السؤال الجوهري الذي سيُجاب عنه في الحلقات الثلاث المقبلة. فمع تقلّب الأحداث والتحالفات والأجندات، تبقى أسرة "ستارك"، وشعبها الشمالي، الكيان الوحيد المتماسك والثابت، على إمتداد المواسم. 

فالملكة سيرسي التي كانت تملك أكبر حاشية أضحت اليوم وحيدة في مواجهة العالم، وأسرتها. أما الملكة الأخرى، فخطابها خالٍ من أي صيغة جماعية، وهي لا تنفكّ تردّد لازمة "أنا الملكة"، دون أن تسأل عن مصير الـ"نحن" التي تضمّ شعوباً غفيرة وعبيداً "حرّرتهم كاسرة الأصفاد" (من الدوثراكي، والأنساليد وغيرهم). 

يبدو، حتى اللحظة، أن هؤلاء جميعاً ليسوا سوى أدوات في معركة "ام التنانين" الشخصية، وهو ما يتعارض مع صورة "الملكة الحسنة" التي قامت عليها الشخصية في بادئ الأمر، وهنا تطوّر آخر لافت للإنتباه، إلا أنه لا يزال ناقصاً وبحاجة لبلورة تضفي بعض المنطق عليه.

الشمال، وحده، لا يزال يتكلّم بلسان جماعي، ذلك أنه كان لا يزال يرزح تحت التهديد مستمرّ لعدوّ واحد ومجهول، لكنه مؤكّد. ويبقى السؤال هنا، ماذا بعد زوال هذا العدوّ؟ أين ستمضي شخصيات الستارك، وأتباعها، بعد فقدانهم قضيتهم الجامعة؟ الإجابة عن هذه الأسئلة رهن الحلقات المقبلة التي تستفحل أو تفشل في إضفاء آخر اللمسات التوضيحية على خريطة أحداث وأجندات لا تزال، حتى الآن، ضبابية ومشرذمة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها