آخر تحديث:20:09(بيروت)
الجمعة 24/05/2019
share

نجاح فنانى مصر: الهلاوس!

أحمد ناجي | الجمعة 24/05/2019
شارك المقال :
نجاح فنانى مصر: الهلاوس! المسلسل الكويتي "دفعة القاهرة" يحقق جماهيرية مصرية غير مسبوقة مع الإنتاج الخليجي
المتابع لحسابات نجوم التمثيل والفن المصري، في السوشال ميديا، يلاحظ هذه الأيام حالة هلوسة وهذيان جمعي غريب. فبينما تتزايد ملاحظات الجمهور السلبية على الأعمال الرمضانية، وكل يوم يظهر المزيد من النكات عليهم وتتحول المسلسلات لمادة سخرية فقط، يهنىء فنانو مصر بعضهم البعض بالنجاح الكبير، ويحتفلون بأعمال لا يشاهدها أحد. والمياه تكذب الغطاس، لكن الحمد لله، لم يعد هناك مياه لذلك يدّعي الجميع أنه غطاس، وناجح.

قيل دائماً أن الفن بالذات هو الممارسة شبه الديموقراطية الوحيدة التي يمتلكها المصريون. فبينما ليس في إمكانهم اختيار مَن يحكمهم، من الرئيس إلى الغفير، فكانوا، حتى الأمس القريب، ما زالوا قادرين على اختيار نجومهم. لذا حمل فنانوا مصر غالباً، ألقاباً مثل معبود الجماهير ونجمة الجماهير. أما الآن، فالألقاب صارت "نمبر وان" أو "باشا مصر".

اختفت الجماهير من المعادلة. كان الجمهور هو المتحكم في الرقم 1 من خلال تذاكر السينما التي يدفع ثمنها ليشاهد نجمه المفضل. وخلال السنوات الماضية، بات "يوتيوب" هو الحكَم والمقياس الجماهيري للأعمال الدرامية والتلفزيونية. كل عام كان السباق الرمضانى يتحدد من خلال عدّاد المشاهدات في "يوتيوب". وعلى أساس "يوتيوب"، كانت شركات الاعلانات تنتظر انقضاء الأيام الخمسة الأولى من رمضان، حتى تتضح ملامح السوق، ثم توجّه الإعلانات لتبثها عبر المسلسلات والبرامج الأكثر مشاهدة بناء على عدّاد "يوتيوب".

هذا العام، لا "يوتيوب"، ولا اختيارات تقوم بها شركات الإعلانات. بل الكل مِلكُ يمين السيسي ونبطشية الإعلام والإنتاج الدرامى، وبما أنهم رضوا عنك وأنتجوا لك، فلتحتفل إذن بالنجاح.
يأتى هذا الموسم الرمضانى ليقدم مشهداً فريداً. فالأجهزة السيادية والمخابراتية، أصبحت المسيطر الوحيد على سوق الإعلام والتلفزيون، وعُيّن تامر مرسي نبطشياً. فأصبحت هناك شركة واحدة هي التي تنتج كل المسلسلات والبرامج، وهي ذاتها الشركة التي تمتلك معظم القنوات المصرية، وهي أيضاً الشركة ذاتها مالكة الوكالة الإعلانية التي تحتكر أكثر من 70% من سوق الإعلانات وهي الوكيل الإعلاني الحصري لكل القنوات. ولم يكفيهم كل ما سبق، فقرروا، بدلاً من ترك "يوتيوب" يعرض مسلسلاتهم، علّهم يدخلون به مجال المنافسة العالمية، وبدلاً من إطلاق منصاتهم الإلكترونية لعرض دررهم الابداعية، أطلقوا تطبيقاً يمكنك من خلاله مشاهدة مسلسلاتهم مقابل اشتراك شهري ضخم. لكن للأسف، مع بداية رمضان، هوى التطبيق إلى صفيحة زبالة الإنترنت، مُحققاً فشلاً ذريعاً. فلا التطبيق يعمل، ولا خدمة الاشتراكات تعمل.

لكن هل تحتاج شركة المخابرات وعباس كامل للمشاهدين؟
لا أظن، فحتى لو انصرف كل الناس عن مشاهدة هذه المسلسلات سيحتفلون بالنجاح، وسيخرج كل ممثل منهم ليستعرض عضلاته ويدعي بأنه "نمبر وان".

يبني السيسي عاصمته الادارية الجديدة، لينقل إليها دولته بعيداً من المصريين الأشرار. كذلك، يتحول الفن المصري إلى عاصمة منفصلة عن جمهوره. تدور أحداثه في عالم وهمي تماماً، كله ممثلون منفوخو العضلات، بلا كروش، لأن الرئيس السيسي لا يحب الكروش. كلهم يتحدث عن الشهامة والجدعنة وولاد البلد والأصول. كلهم يقدم الفقير الراضي بفقره لأنه قضاء الله وقدره. لا يهمهم أي جمهور ولا يحتاجون أي نقد. فكل هذه الأعمال تصنع لشخص واحد فقط، هو السيد الرئيس وعائلته، وينتجها ويشرف عليها ذراعه الأيمن مدير المخابرات، فكفى بهم جمهوراً.

النتيجة كانت أن بحث الجمهور المصري، هذا العام، عن مصادر أخرى تحترم عقله وذائقته. فللمرة الأولى، يحقق مسلسل خليجى نسبة مشاهدة عالية داخل مصر. فمسلسل "دفعة القاهرة"، والذي يتناول رحلة مجموعة من الطالبات الكويتيات اللواتي يسافرن للدراسة الجامعية في قاهرة الستينات، أصبح حديث المصريين في الانترنت، يشاهدونه باندهاش غير المصدق بأن هذه كانت القاهرة، وهذه صورة مصر بلدهم التي لم يعودوا يرونها حتى في مسلسلاتهم.

ويشهد هذا الموسم أيضاً، دخول "نتفليكس" وغيرها من المنصات الالكترونية حلبة السباق الرمضانى بمسلسلات حصرية. ولأنه سوق جديد، ونظراً لانخفاض سقف الانتاج، لم تغامر هذه الأعمال بنجوم الصف الأول. فأسماء أبو اليزيد، مثلاً، التي كانت قد لفتت الأنظار مؤخراً، تقوم هذا الموسم ببطولة مسلسل المغامرات "زودياك"، وهو المقتبس عن عمل لأحمد خالد توفيق، ويدور في أجواء فريدة، بعيداً من ضباط الشرطة والجدعنة الدراما العائلية، بل أقرب إلى أدب الرعب، في خطوة للتقرب من الجمهور الشبابي الذي هجر التلفزيون تماماً ويحصل على مسلسلاته من الإنترنت.

ما القادم إذن؟
سينتهي رمضان والجميع يحتفل بنجاحه. لن يتقاضى معظم هؤلاء الفنانين والعاملين بقية أجورهم، وفي العام المقبل ستُخفّض أجورهم أكثر مما خُفض بالفعل. الكوادر التي تحترم نفسها وفنها ستنتقل في مغامرات فنية نحو منصات العرض الالكترونى الصاعدة بقوة. رأس المال الخليجى سيكتسب مساحات أكبر وأكبر، ليس فقط بسبب غزارة التمويل، لكن لارتفاع سقف الحرية بالمقارنة مع مصر. وفي العام التالي، سيخرج الرئيس السيسي ويتساءل مندهشاً: لماذا نجح "نتفليكس"، وفشل تطبيقنا؟!

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب

مبارك "التريند" الأربعاء 16/10/2019
أفول الامبراطورية الأحد 13/10/2019
السيسي على الزحليقة الأحد 22/09/2019
المزيد